رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


كارثة جدة وأنظمة تصريف السيول

نشأت التجمعات السكانية عبر التاريخ في أحواض الأنهار وبطون الأودية أو بالقرب منها. ونجد عند النظر إلى الخريطة العالمية أن معظم سكان الأرض يقطنون بالقرب من الأنهار والأودية أو على ضفافها. ونشأت وتطورت الحضارات القديمة والجديدة مثل الحضارة البابلية والمصرية والصينية والهندية على ضفاف الأنهار. وعانت البشرية الفيضانات المصاحبة للسكن بالقرب من موارد المياه، ولكن أهمية المياه للحياة البشرية وتوافر الأراضي الخصبة جذبت الحياة البشرية إلى هذه المناطق. وطورت البشرية مع مرور الوقت وسائل التعامل مع الفيضانات بما في ذلك بناء السدود، وقنوات تصريف الفيضانات، وتوفير المعلومات عن الفيضانات، وبناء الملاجئ، ووضع خطط الإجلاء، والبرامج الجاهزة للإغاثة، ومساعدة وإسكان المنكوبين.
وأسس الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ميناء جدة في أيام حكمه لخدمة الحجاج، وذلك لوقوعها بالمقربة من مكة المكرمة وكونها ميناء طبيعيا. وظلت جدة منذ تأسيسها ميناء لمكة المكرمة ولخدمة حجاجها وزوارها، ثم تطورت مع الوقت لتلعب دورا متزايدا في الحياة الاقتصادية لمنطقة الحجاز. وتعاظم دور جدة في الحياة الاقتصادية مع تكون المملكة وتطورها, حيث أضحت ثاني مدينة من ناحية عدد السكان ويقطنها أكثر من 12 في المائة من سكان المملكة (حسب آخر إحصاء سكاني)، كما أنها الميناء التجاري الرئيس، وأحد أهم المراكز التجارية والصناعية في المملكة، ومنطقة جذب سياحي رئيسة.
وهطلت على جدة والمنطقة المحيطة بها أمطار غزيرة قبل عيد الأضحى المبارك، وسالت الأودية المحيطة بمدينة جدة، وتدفقت المياه بغزارة من هذه الأودية إلى شرق وجنوب جدة، وتسببت في إحداث فيضانات عارمة أودت إلى الآن بحياة أكثر من 100 شخص ولا يزال مزيد من الأشخاص مفقودين إلى الآن. كما تسببت الفيضانات في إحداث أضرار جسيمة للممتلكات الشخصية لعدد كبير من الناس وللبنية التحتية لمناطق واسعة من مدينة جدة. وهي أكبر كارثة فيضانات (سيول كما نسميها) تصيب المملكة حتى الآن.
وجدة ليست المنطقة الوحيدة التي تهددها الفيضانات, فمخاطر السيول تهدد عددا كبيرا من مدن المملكة ومناطقها, فالأودية تنتشر في طول المملكة وعرضها, وتم بناء عديد من السدود لدرء مخاطر الفيضانات والاستفادة من مياه الأمطار. ويبدو أن مأساة جدة أخذت كثيرا بالمفاجأة، مع أن الجميع يعلم أن أنظمة تصريف السيول المنشأة في جدة منخفضة الكفاءة بل إنها سيئة كما أثبتته الأحداث الأخيرة. ومع تعرض جدة مرارا وتكرارا لسيول في السنوات الأخيرة وإحداثها أضرارا كبيرة على المنشآت إلا أن انخفاض الخسائر البشرية في الفيضانات السابقة لم يدفع إلى الإسراع في حل معضلات تصريف السيول. ويبدو ـ ومع الأسف ـ أننا عامة البشر لا نتحرك إلا أذا أصبنا في موجع أو كانت الكارثة كبيرة ومؤلمة. وتتسبب الكوارث بإفاقة النائمين من سباتهم وتدفعهم للبحث عن الأسباب واتخاذ إجراءات لدرء الكوارث والحد من مخاطرها. ولا تختلف الكارثة التي ألمت بمدينة جدة عن غيرها، فقد ارتفعت تساؤلات المواطنين عن مسبباتها، كما ارتفعت مطالبهم بالتصدي لآثارها ومحاسبة المسؤولين عن ضعف البنية الأساسية وقصورها عن أداء خدماتها.
ولا يمكن حصر مسببات الكارثة في عوامل قليلة, كما يتبادر إلى أذهان معظم الناس, لكن هناك عدد كبير من العوامل والأساليب الخاطئة التي أدت إلى تعاظم الخسائر. وعلينا وقبل كل شيء التسليم بأن ما حصل أولا هو قضاء الله وقدره، فالأمطار التي هطلت بغزارة لا يمكن منعها ولا يمكن تأجيلها أو نقلها إلى مكان آخر، فتقبل الله الذين قضوا في هذه الفيضانات في عداد الشهداء وعوض الله خسائر المتأثرين بهذه الكارثة بأحسن منها. ولا يمنع إيماننا بالله والتسليم بالقضاء والقدر من البحث عن الأسباب التي أسهمت في ضخامة هذه الكارثة ورفع مستويات الخسائر. ومن أبرز عوامل تعاظم الخسائر الافتراضات الخاطئة بعدم حدوث فيضانات مدمرة. ودفعت ندرة الأمطار وقصور النظرة لدى كثير من المسؤولين لدينا إلى نسيان أو تجاهل أو عدم إدراك مخاطر الفيضانات، بل مخاطر الكوارث الطبيعية الأخرى بما في ذلك ـ لا سمح الله ـ الزلازل، البراكين، الرياح، الأتربة، الانهيارات الأرضية، الثلوج والبرد القارص، والأمواج العاتية. وعدم أخذ الحيطة والاستعداد للكوارث الطبيعية خطأ كبير, خصوصاً إذا جاء من الجهات الحكومية التي تتحمل مسؤولية التصدي لجميع المخاطر بما في ذلك الناتجة عن الكوارث الطبيعية، كما أنها هي التي تتحمل مسؤولية تنفيذ وتنظيم عمليات الإنقاذ والإجلاء وتوفير المساعدات في حالة حدوث أي كوارث، وهي التي تستطيع اتخاذ الإجراءات والسياسات التي تحد أو تخفض من مخاطر الكوارث الطبيعية أو غيرها. ولهذا فإن على الجهات الحكومية كل حسب تخصصه حصر جميع مخاطر الكوارث الطبيعية, حتى التي من صنع البشر, وتحديد سبل التصدي لهذه المخاطر ووضع برامج جاهزة للإنقاذ في حالة حصولها. وتشير الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها مدينة جدة إلى تنامي البيروقراطية الحكومية وبطئها في إيجاد الحلول وانخفاض كفاءتها في تنفيذ مشاريع البنية الأساسية. على الرغم من العلم المسبق بمخاطر السيول التي تحدق بمدينة جدة لم تستطع الجهات المسؤولة تقدير حجم المخاطر ولم تتحرك لدرئها. وتبرز أحداث جدة الأخيرة وجود حاجة ماسة إلى تطوير آليات الإبلاغ عن المخاطر الطبيعية (وغيرها) واتخاذ القرارات المناسبة لدرئها واتخاذ الإجراءات والاحتياطات المناسبة للتعامل معها وتنفيذها قبل وقوع الكوارث. ومع كثرة الاتهامات بالفساد بعد فيضانات جدة، ترتفع الحاجة أيضاً إلى إنشاء آليات فاعلة لمحاربة الفساد والتصدي لاستغلال النفوذ الذي يلقي كثير من الناس باللائمة عليه في تعطيل مشاريع تصريف السيول ومياه المجاري. ولا يمكن بأي حال من الأحوال التصدي للفساد دون القبض على المفسدين وإيقاع العقوبات المناسبة التي تحد من عبثهم بمصالح البلاد والعباد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي