رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مسؤولية كارثة جدة

كثر الحديث عن تحديد مسؤولية الكارثة التي حلت بمدينة جدة بما في ذلك توجيه اتهامات الفساد إلى منفذي مشاريع تصريف السيول والمشرفين على تنفيذ هذه المشاريع وتصميمها. وأظن أن تحديد المسؤولية بهذه الفئة فقط يتسم بحد كبير من ضيق الأفق. حيث يشارك في تحمل مسؤولية ارتفاع خسائر الفيضانات الأخيرة فئات وجهات أخرى. وتلقي الكارثة بضوء كثيف على سياسات تحديد النطاق العمراني التي تعبث بها المصالح الخاصة لبعض المتنفذين والفاسدين. جزء من أراضي المناطق المتأثرة تم الاستيلاء عليها بوسائل غير قانونية تشوبها أوجه الريبة والفساد. والسؤال: كيف تم السماح بتوسيع النطاق العمراني في مناطق مهددة بالفيضان وفي مجاري الأودية دون وضع البنية الأساسية التي تتعامل مع الفيضانات وتحمي السكان؟ وكان من الممكن على الجهات التي سمحت بتوزيع الأراضي وبيعها اشتراط إنشاء البنية الأساسية المناسبة على مطوري الأراضي. كما كان بالإمكان وضع شروط بناء خاصة تساعد على الحد من مخاطر الفيضانات, أو على الأقل تنبيه السكان إلى مخاطرها عند إصدار فسوح البناء.
ومنحت الدولة معظم الأراضي التي تقع بالقرب أو في المدن الرئيسية في المملكة, وقام مطورو الأراضي بتوزيع هذه المنح إلى قطع سكنية وبيعها بأرباح خيالية. ولم يتحمل مطورو الأراضي أي تكاليف لوضع البنية الأساسية المناسبة, فلا توجد قنوات لتصريف مياه السيول، كما لا توجد شبكات للصرف الصحي، ولا توجد أيضا أي شبكات للخدمات الأساسية من كهرباء وهاتف وغاز, التي كان بالإمكان تنفيذها قبل تقسيم الأرضي وبيعها بجزء يسير من أثمان الأراضي الباهظة التي بيعت بها. لقد تسبب جشع بعض فئات القطاع الخاص في تحميل الدولة وشركات الخدمات العامة مسؤوليات ونفقات إنشاء البنية الأساسية بعد عمليات الإنشاء والتعمير. ولو نفذت البنية الأساسية قبل تأهيل قطع الأراضي للسكن لكانت التكاليف أقل ولما تحملت الدولة والسكان عناء وتكاليف إنشائها. وتسبب إعفاء مطوري الأراضي من توفير الخدمات الأساسية في رفع تكاليف مشاريع البنية الأساسية وعدم توفرها وتحميل الدولة والمستهلك النهائي (ملاك المنازل) هذه التكاليف، وتعريض السكان لمخاطر السيول وطفح المجاري. ويلجأ مطورو العقار إلى عمليات الردم وتسوية قطع الأراضي لإخفاء عيوب قطع الأراضي ورفع قيمها، لكن كثيراً من هذه العمليات تعوق التدفق الطبيعي للمياه وتدفع إلى تجمعها في المناطق السكنية. لقد حان الوقت للتخلي عن تدليع مطوري الأراضي وتحميلهم كل تكاليف البنية الأساسية مع وضع المواصفات المناسبة للبنية الأساسية ومراقبة تنفيذها من الجهات الرسمية.
وفي الفيضانات الأخيرة تدفقت مياه السيول من الوديان المحيطة بمدينة جدة واختلطت بمياه الأمطار التي كانت تهطل بغزارة على جدة, ما فاقم من تدفق المياه عبر أحياء جدة المنكوبة. ويتحمل عدد من الجهات الحكومية المسؤولية عن ارتفاع مستويات تدفق المياه في الفيضانات الأخيرة. وزارة المواصلات تتحمل مسؤولية التصميم والتنفيذ غير السليم للخطوط السريعة وعدم قدرتها على التعامل مع الفيضانات وغياب تصريف السيول في الإنفاق، بل إن بعضهم يتحدث عن مساهمة الخطوط السريعة في إيصال المياه إلى جدة. وتتحمل وزارة الزراعة مسؤولية عدم بناء سدود فاعلة في الوديان التي تصب في جدة للحد من مخاطر تدفق السيول إلى جدة. ولو تم بناء سدود كافية في الأودية التي تصب في مدينة جدة لانخفضت كثافة تدفق السيول وانخفضت الخسائر. كما تتحمل مصلحة الأرصاد وحماية البيئة مسؤولية كبيرة في عدم إيصال معلومات كافية عن السيول إلى المناطق المهددة وعدم قدرتها على إيجاد آلية لإيصال المعلومات المتعلقة بالمخاطر المناخية إلى سكان المناطق المتضررة. وينبغي وجود تنسيق كبير بين الدفاع المدني (والجهات الأمنية الأخرى مثل المرور والشرطة) ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة وبناء آلية يتم بموجبها قيام الدفاع المدني (والجهات الأمنية الأخرى) بإبلاغ المناطق المتضررة بمخاطر الكوارث المناخية. ويتم في عدد من البلدان إبلاغ سكان المناطق بمخاطر المناخ بما في ذلك الفيضانات، حيث يضطر أحيانا رجال الدفاع المدني والأمن والمتطوعون إلى الطرق على أبواب سكان المناطق الممكن تأثرها بالكوارث البيئية وإجلائهم. من الملاحظ بوجه عام عدم وجود ملاجئ عامة معدة مسبقا أو ممكن إعدادها وتجهيزها بسرعة في حالة الكوارث الطبيعية أو غيرها. ووجود الملاجئ يوفر الوقت والجهد في حالة الكوارث ويخفف كثيراً من الخسائر. وتلجأ الجهات الرسمية إلى وسائل مكلفة وبطيئة للتصدي للكوارث البيئية. ويمكن في الحالات المفاجئة استغلال المنشآت العامة القائمة في إيواء وإعداد ملاجئ للمحتاجين، بما في ذلك بناء أو استغلال أقبية وأسطح المساجد والمدارس في حالات الإيواء العاجل من جميع الكوارث حتى يتم تدبير وسائل إيواء أخرى.
وتلقي الكارثة الضوء على معضلة السكن التي يعانيها عدد كبير من سكان المملكة التي يحاولون بموجبها الحصول على قطع أراض سكنية في أي مكان حتى لو كانت معرضة لمخاطر كبيرة، بما في ذلك مخاطر التعرض للكوارث البيئية أو التي من صنع البشر. إن سياسات الإسكان ما زالت قاصرة عن التعامل مع معضلة السكن المتنامية التي يعانيها عدد كبير من سكان المملكة.
وكشفت الكارثة عن عجز واضح في قدرة الجهات الحكومية المسؤولة عن تخطيط المدن في تصميم وتنفيذ ومراقبة تنفيذ مشاريع البنية الأساسية خصوصاً مشاريع تصريف السيول والصرف الصحي. هناك دول قليلة الموارد تعاملت مع معضلة الصرف الصحي وتصريف السيول بفاعلية أفضل ولا تعاني معاناة مدن المملكة من سوء التصريف لمياه المجاري والسيول. إن تشكيل لجان لتقصي الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن تعاظم الخسائر البشرية والمادية خطوة أولى للتصدي لمظاهر الفساد والتقصير في تنفيذ وتصميم المشاريع الحكومية. وينبغي أن تتبع هذه الخطوة إعادة نظر في استراتيجيات التوسع العمراني وتهيئة الأراضي السكنية ومشاريع البنية التحتية. والأهم من ذلك كله هو التنبه إلى المخاطر التي تحيط بالتجمعات السكانية وأخذ الاحتياطات المناسبة للتعامل معها وبناء آليات الإبلاغ الفاعلة عن هذه المخاطر وتسريع آليات تبني القرارات وتنفيذ المشاريع ومحاربة الفساد على الأصعدة كافة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي