الحج عبادة وتربية
تشهد المملكة مشهدا عظيما يتكرر كل عام وهو موسم الركن الخامس من أركان الإسلام والعبادة التي تهفو إليها قلوب الكثير من المسلمين حول العالم، حيث ينتظر بعضهم السنوات حتى يتمكن من الحصول على فرصة القدوم إلى هذا البلد الحرام، والوقوف بخشوع وتواضع ورغبة ورهبة أمام المولى جل وعلا.
الحقيقة أن هناك أمورا كثيرة تميز بها الحج هذا العام عن سنوات مضت، وهذا ما جرت به العادة من حكومة المملكة ـ حفظها الله - وهو تقديم ما هو جديد في كل عام من تهيئة أفضل للبنية التحتية، وتحسن في مستوى الخدمات والتنظيم، هذا وحتى مع وجود تعكير سياسي من قبل جماعة الحوثيين في اليمن، التي آثرت تعكير موسم الحج بالاعتداء على الآمنين في المملكة واليمن، ومع ذلك لم يؤثر ذلك إطلاقا على الخدمات الأمنية التي تقدمها حكومة المملكة هذا العام وكل عام.
لعل من أبرز ما يميز موسم الحج هذا العام شعار «الحج عبادة وسلوك حضاري»، والحقيقة أن الحج اليوم وخلال السنوات القليلة الماضية أصبح يمثل بعدا إعلاميا ليس على مستوى المنطقة فقط بل حتى على المستوى الدولي، فأصبح الناس من كل دول العالم يتابع هذا الموسم، ويتابع المستجدات فيه، وأصبحت الكثير من المؤسسات الإعلامية توفد عددا من إعلامييها لتغطية هذا الموسم بكل تفاصيله.
فهو في واقعه موسم عالمي، ينعكس أثره على المتابعين من كل أنحاء العالم، فهو فرصة لنشر الصورة الصحيحة عن الإسلام والمجتمعات المسلمة بمختلف بلدانهم ولغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم.
لعلنا من خلال قراءة في تفاصيل عبادة الحج نجد الكثير من الدروس التربوية التي نستفيدها من التشريعات في القرآن ومن هدي النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وسلفنا الصالح، ونحن نلاحظ أن الناس يحتشدون في هذا المكان بلبس واحد توشحوا بالبياض بأردية غير مخيطة، يبرز جانب المساواة بين البشر بأنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أحمر على أصفر على أسود كلهم عند الله سواء، أكرمهم عند الله اتقاهم، كما أنهم كلهم يبتعدون عن ممارساتهم في حياتهم الاعتيادية فلا يمكن التفريق بين من يعيش حياة رغيدة ممن يعاني الفقر والعوز والحاجة.
ولعلنا عندما نتحدث عن جانب التربية والسلوك الحضاري ، نجد أن من يتأمل هذه الشعيرة من الممكن أن يتم عكس صورة متميزة عن الجانب الحضاري في سلوك المسلم، حيث إنه جاء في كتاب الله تعالى: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يا أولي الألباب».
والحقيقة أنه كما سبق عن الاهتمام الإعلامي بهذا الحدث العظيم يضاعف المسؤولية على كل حاج وموظف وتاجر ومتعاون ومشارك في الحج بأي شكل أو صورة فإن عليه مسؤولية دينية وأخوية واجتماعية ووطنية في إظهار صورة تليق بهذا الموسم العظيم، خصوصا وأن الصورة العامة عن الإسلام عند كثير من الناس حول العالم يرتبط اسمه كثيرا بالقتل والدمار والفقر والتخلف، نتيجة لممارسات غير مسؤولة من بعض المسلمين.
كما أن هناك مسؤولية على كل مشارك في عملية الحج لا يكون هذا الموسم فعلا سلوكا حضاريا يؤثر في حياة المسلم بعد عودته إلى وطنه ، وهذا أمر لا بد أن يكون هو الصورة الطبيعية لحياة المسلم إذ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
ولذلك لا بد أن يعود المسلم من هذا الموسم وقد انعكست آثاره الحضارية، من الالتزام بأوامر الله وتجنب معصيته ومراقبته في السر والعلن واحترام الآخرين، والالتزام والانضباط في حياته بجميع ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وحب الخير والتعاون مع الضعيف والمسكين والمحتاج، إذ إنه كما هو معلوم أن العبادات إذا لم تعكس الآثار على سلوك الإنسان وتغير في حياته إلى الأفضل، فهذا قد يؤكد معنى مهما وهو أن هذه العبادة لم تتم تأديتها بالشكل الذي يرضي الله، وهذا ما يؤكده حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»،
نسال الله أن يتقبل عمل الحجاج والمسلمين، وأن يجزي القائمين والعاملين في خدمة الحجيج خير الجزاء ويضاعف لهم الأجر والمثوبة.