خبير اقتصادي: سنجد أنفسنا محرجين أمام العالم بسبب الإسراف في استهلاك الطاقة

أكد خبير متخصص في الدراسات الاقتصادية أن أي إصلاح لسعر البنزين في السوق المحلية يجب أن يكون ضمن برنامج متكامل لتصحيح أسعار النفط الأخرى والغاز الطبيعي وخصوصا البديلة له.
ويقول سعود جليدان، الخبير الاقتصادي، في مقال له في «الاقتصادية» إننا سنجد أنفسنا محرجين أمام العالم في حال الاستمرار في رفع معدلات استهلاك الطاقة في وقت تتزايد المخاوف العالمية من الآثار البيئية المدمرة للإسراف في استهلاك المنتجات النفطية.
وطالب الخبير الاقتصادي بوضع سياسات مصاحبة للإصلاحات السعرية للمنتجات النفطية تتضمن منح مزايا ملموسة للمستهلكين لتعويضهم عن الفاقد الكبير في الدخول الذي سينتج عن رفع أسعار هذه المنتجات، مقترحا أنه في حال عدم وجود برنامج كفؤ للتحويلات، البدء مقدما بوضع برامج تستفيد منها الشرائح السكانية المتوسطة الدخل قبل إصلاح أسعار الطاقة، ومن أهمها برنامج توفير المساكن والتأمين الصحي.

في مايلي مزيد من التفاصيل:

يجري في النقاش الذي تديره صحيفة ''الاقتصادية'' حول تدني أسعار البنزين التركيز على أسعار البنزين كمنتج من بين منتجات الطاقة، مما قد يوحي للقراء أن الهدف من النقاش التمهيد أو تبرير رفع وشيك لأسعار البنزين. ويعتمد معظم المستهلكين متوسطي ومنخفضي الدخل بصورة رئيسة على البنزين لتشغيل وسائل نقلهم، ولهذا فمن الطبيعي أن يعارضوا بشدة أي نية لرفع أسعاره لتسبب مثل تلك الخطوة بخفض دخولهم الحقيقية. من جهةٍ أخرى، فإن اقتصار تعديل أو تصحيح أسعار الطاقة على البنزين لوحده من وجهة نظري خطوة غير متكاملة بل قد تكون محاولة عرجاء للتخلص من التشوهات التي تسببها أسعار منتجات الطاقة المتدنية في الاقتصاد ككل. فرفع أسعار البنزين لوحده يختزل إهدار موارد الطاقة التي تتمتع بها بلادنا في هذا المنتج، وهذا غير سليم كما ينافي الواقع والمنطق. إهدار الطاقة يشمل منتجات الطاقة الأخرى, والتي إضافة إلى البنزين تتشكل أساسا من الديزل والغاز الطبيعي والكهرباء التي تستخدم هذه المنتجات. ولهذا فإن إي إصلاح لأسعار البنزين يجب أن يكون من ضمن برنامج متكامل لتصحيح أسعار منتجات النفط الأخرى والغاز الطبيعي وخصوصاً البديلة له والتي يمكن أن تحل محله وأهمها الديزل.
ويجب تجنب إيجاد فروقات سعرية ملموسة بين الديزل والبنزين إلا إذا كانت هناك رغبة في تشجيع استهلاك أحدهما على الآخر. ويحل هذان المنتجان محل بعضهما بعضا، وعند وجود فروقات سعرية معتبرة سيتحول المستهلكون مع مرور الوقت وبصورة شبه أكيدة إلى المنتج الآخر الأقل سعراً. ولا يقتصر التحول بين هذين المنتجين بل إن التقنيات الحديثة مكنت من استبدال البنزين بوسائل الوقود الأخرى والتي من ضمنها الغاز الطبيعي والكهرباء. ولهذا فإن أي نقاش دائر حول أسعار البنزين يجب أن يشمل منتجات النفط الأخرى والغاز الطبيعي وأهمها الديزل. ولا توجد أسباب خاصة تدعم تصحيح أسعار البنزين لوحده من بين أسعار الوقود، فانخفاض أسعار منتجات الطاقة في المملكة ليس مقصوراً على البنزين بل إن أسعار الديزل مدعومة لدينا بدرجة تفوق أسعار البنزين. ومستوى أسعار الديزل في المملكة أقل من أسعار البنزين وهذا على النقيض مما يجري في بقية بلدان العالم الأخرى التي تزيد فيها أسعار الديزل على أسعار البنزين. وينتج عن الديزل المستخدم لدينا تلوث أكبر من تلوث البنزين، حيث ترتفع نسبة انبعاثات الكبريت في الديزل المباع محلياً كما يتسبب في إنتاج ملوثات ضارة أخرى. وقد جرى إدخال تحسينات على نوعية البنزين المستهلك محلياً قبل عدة سنوات بعدما تم استبعاد الرصاص من محتوياته، ولكننا فوجئنا بارتفاع حاد في استهلاك الديزل نسف معظم الآثار الإيجابية لاستبعاد الرصاص من البنزين. وتعج مدننا بسحب من الغازات الضارة الناتجة بدرجة كبيرة عن استخدام الديزل والتي تغطي الآفاق في كثير من الأوقات. ولا يقل حجم استهلاك الديزل في المملكة عن حجم استهلاك البنزين بل يتجاوزه، ولهذا فإن مقدار الدعم المقدم للديزل يفوق الدعم المقدم للبنزين.
صحيح أن استهلاك الديزل يدخل كوسيط في تكاليف النقل والأعمال وخصوصاً الصناعة، حيث يميل القطاع الصناعي والتجاري إلى استهلاك الديزل بكميات أكبر بسبب انخفاض أسعاره الحالية مقارنةً بالبنزين. وتشجع أسعار الديزل المنخفضة بصورة غير مقصودة على إهداره. وتعديل أسعار منتجات الطاقة والتي منها الديزل سيحد من الآثار السيئة لانخفاض أسعاره، كما ستساعد على منع عمليات تهريب الديزل التي تجرى أسوةً بالبنزين، ولهذا فإن تعديل أسعار الديزل هو أشد إلحاحاً من تعديل أسعار البنزين. وأعتقد أن مساواة سعر الديزل بسعر البنزين أمر بدهي بل يجب أن يتجاوز سعر الديزل سعر البنزين للحد من التلوث الذي يعج في سماء المدن السعودية الكبرى.
وتتزايد مخاوف العالم من الآثار البيئية المدمرة للإسراف في استهلاك المنتجات النفطية ومنتجات الطاقة الاحفورية بوجه عام. وسنجد أنفسنا بوضع محرج أمام العالم في حالة استمرارنا في رفع معدلات استهلاكنا من الطاقة بقوة. ولهذا ينبغي أن تستهدف سياسات تسعير المنتجات النفطية الحد من الآثار البيئية المدمرة لمنتجات الطاقة الاحفورية. وتفرض بعض الدول رسوماً على منتجات الطاقة لمعالجة الآثار السلبية للبيئة. ولا ينبغي أن ننسى أن الأسعار الحالية المنخفضة لمنتجات الطاقة تقلل من جدوى رفع جودة المباع منها محلياً. ويتطلب رفع مستويات الجودة بعض التكاليف الإضافية للحد من آثارها البيئية السيئة. ويمكن خفض معدلات نمو استهلاك المنتجات النفطية من خلال تبني سياسات تحسين رفع كفاءة استخدام المركبات والصناعات المستخدمة لهذه المنتجات، بما في ذلك وضع بعض الرسوم على المنتجات والصناعات والمركبات الملوثة للبيئة وعالية الاستخدام للطاقة.
إن إصلاحات أسعار منتجات الطاقة واستخداماتها تتطلب العديد من السياسات التي قد لا تكتسب شعبية بين عموم السكان، ولكنها ضرورية للحد من الهدر والإسراف. ويتطلب تبنيها بعض التكاليف السياسية التي من الصعب على متخذي القرارات تحملها. ولهذا ينبغي وضع سياسات مصاحبة للإصلاحات السعرية تتضمن منح مزايا ملموسة للمستهلكين لتعويضهم عن الفاقد الكبير في الدخول الذي سينتج عن رفع أسعار منتجات الطاقة. ويمكن في حالة عدم وجود برنامج كفؤ للتحويلات البدء مقدماً بوضع برامج تستفيد منها الشرائح السكانية متوسطة الدخل قبل إصلاح أسعار الطاقة (ومن أهمها برامج توفير المساكن والتأمين الصحي). ويمكن تمويل هذه البرامج لاحقاً بالعوائد المتوقعة من رفع أسعار منتجات الطاقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي