رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تشريعات تغير المناخ في أمريكا ومستقبل صناعة التكرير النفطي

في المقالات السابقة تمت مناقشة التحديات التي تواجه صناعة التكرير النفطي العالمية بصورة عامة، حيث أشار المقال إلى زيادة الطاقات الاحتياطية العالمية للمصافي، وارتفاع مخزون المنتجات النفطية، خصوصا المقطرات المتوسطة وتدني هوامش أرباح عمليات التكرير العالمية. في هذا الجانب استنتج المقال أن النتيجة المحتملة لهذه الاتجاهات هي أن كميات كبيرة من الطاقات الإنتاجية التكريرية الحالية غير القابلة للمنافسة تجاريا ستتم إزالتها تدريجيا، وقد تكون عرضة للإغلاق الدائم. كما أن المصافي ستقلص معدلات استخدام طاقاتها التشغيلية بصورة أكبر، ما قد يساعد على انتعاش هوامش أرباح عمليات التكرير من جديد. في هذا المقال ستتم مناقشة أثر سياسات مكافحة تغير المناخ وخفض انبعاثات غازات الدفيئة في صناعة التكرير النفطي في الولايات المتحدة.
لقد اقترحت وكالة حماية البيئة الأمريكية أخيرا لوائح خاصة من شأنها إخضاع المصافي وغيرها من العمليات الصناعية الكبيرة في الولايات المتحدة إلى أحكام غازات الدفيئة بموجب قانون الهواء النظيفClean Air Act ، في حين تعفي هذه اللوائح الشركات الصغيرة من هذه الأحكام. اللوائح المقترحة لا تحدد أفضل تقنيات السيطرة المتاحة للمصافي أو غيرها من العمليات المستهدفة بهذه اللوائح، مثل محطات الطاقة والمصانع. بدلا من ذلك، ستقوم الوكالة بتقييم ودراسة كل حالة على حدة للمرافق الحالية والجديدة والمعدلة، ذلك لأن أفضل تقنيات السيطرة على انبعاثات الغازات الدفيئة المتاحة اليوم يمكن أن تتغير مع مرور الزمن، حسب الوكالة.
بموجب هذا الاقتراح، على المرافق الصناعية التي ينبعث منها ما لا يقل عن 25 ألف طن/ سنة من غازات الاحتباس الحراري الحصول على تصاريح البناء والتشغيل التي تغطي هذه الانبعاثات. وسيتعين على هذه المرافق بموجب التصاريح الجديدة إثبات استخدام أفضل التقنيات المتاحة للسيطرة على الانبعاثات ومراقبة تدابير كفاءة استخدام الطاقة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في المرافق الصناعية الحالية أو عند بناء مرافق جديدة أو القيام بتحويرات وإضافات كبيرة. هذا المقترح يضع مصافي النفط الأمريكية ضمن اللوائح الجديدة، التي تهدف إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة. وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية هناك اليوم نحو 150 مصفاة في الولايات المتحدة، 141 منها تعمل حاليا. في حين عام 1999، كان هناك 155 مصفاة من أصل 159 قابلة للتشغيل كانت عاملة، وفقا للمصدر نفسه، إضافة إلى ذلك تشير تقديرات وكالة حماية البيئة إلى أن 400 مرفق من المرافق الصناعية الحالية والجديدة أو تلك المرافق الجاري العمل في تحديثها من شأنه أن يكون خاضعا لتدقيق انبعاثات غازات الدفيئة كل سنة من قبلها.
إضافة إلى ذلك، المقترحات التشريعية التي جرت مناقشتها أخيرا في الكونجرس الأمريكي، التي اعتبرت الشركات النفطية مسؤولة عن كل من انبعاثات المصافي والعادم معا، ما يجعلها أكثر عرضة لضوابط الكربون من شركات القطاع الكهربائي التي تهيمن عليها المحطات العاملة بالفحم، بل على العكس من ذلك بعض شركات توليد الكهرباء ترى ربما وجود آثار إيجابية لها من نظام تجارة الكربون المقترح، حيث إن محطات توليد الكهرباء من مصادر الوقود المنخفضة أو العديمة الانبعاثات مثل محطات الطاقة الكهرومائية والطاقة النووية والمحطات العاملة بالغاز الطبيعي، فإنهم سيستفيدون من الزيادات في الأسعار، لأنهم لا يتحملون تكاليف إضافية، الزيادة في الأسعار بالنسبة لهم مكسب صاف.
السبب وراء تحمل شركات النفط عبء انبعاثات العوادم، يعود فقط لأسباب عملية على حد قول المشرع، حيث من غير المعقول أن تطلب من كل سائق تقديم تراخيص الانبعاثات المسموح بها لكل مركبة.
عليه أصبح من الواضح أن منتجي النفط، خصوصا تلك الشركات التي تملك عمليات تكرير في الولايات المتحدة، أكثر تأثرا بالتشريعات المقترحة من شركات توليد الكهرباء. في هذا الخصوص توقعت إحدى مراكز أبحاث سياسات الطاقة أن تشريعات تغير المناخ التي تجري مناقشته حاليا في الكونجرس يمكن أن تضع ما يصل إلى ثمانية ملايين برميل يوميا من الطاقات التكريرية للمصافي الأمريكية معرضة للإغلاق الدائم وفقدان كبير في الوظائف، هذا الرقم يمثل نحو 45 في المائة من مجموع طاقات المصافي الأمريكية. من بين شركات النفط الكبرى في الولايات المتحدة، إكسون موبيل من المرجح أن تكون الأكثر تأثرا، تليها شيفرون وكونوكو فيليبس. كما أن الشركات المتكاملة الصغيرة والمصافي المستقلة ستتأثر أيضا بصورة كبيرة بهذه التشريعات المقترحة، لأن أنشطتها في الولايات المتحدة تمثل جزءا كبيرا من نشاطها.
في الوقت نفسه، المصافي الموجودة خارج الولايات المتحدة لن تتعرض إلى زيادة التكاليف التي تفرضها هذه التشريعات، حيث إن المصافي في الولايات المتحدة فقط مشمولة بهذه التشريعات وليس الوقود المستورد. هذا قد يخلق ميزة من حيث التكلفة للوقود المستورد.
من جهة ثانية، خلصت دراسة أخرى في هذا المجال إلى أن مشروع قانون واكسمان ـ ماركي Waxman-Markey bill، الذي أقره مجلس النواب في حزيران (يونيو) والمرفق المتمثل في قانون بوكسر ـ كيريBoxer-Kerry bill، الذي يحاول الآن الديمقراطيون تمريره من خلال مجلس الشيوخ، سيضع ربحية ما يقرب من نصف الطاقات التكريرية في الولايات المتحدة في خطر ابتداء من عام 2015، حيث إن مشروع قانون واكسمان - ماركي من شأنه أن يستثني المصافي من الحصول على بدلات مجانية كبيرة للانبعاث، كتلك التي أقرت لمرافق الطاقة الكهربائية وبعض الصناعات التحويلية الكثيفة الاستخدام للطاقة.
هذه التشريعات، التي من شأنها زيادة تكاليف المصافي بصورة كبيرة من خلال إرغامها على شراء بدلات للتعويض عن انبعاثات غازات الدفيئة، يأتي في أسوأ وقت بالنسبة لشركات التكرير الأمريكية، حيث إن المصافي المنافسة لها في الخارج من المتوقع أن تضيف طاقات تكريرية كبيرة بحلول عام 2015 قد تصل إلى أكثر من ستة ملايين برميل يوميا، حسب توقعات النفط العالمية لمنظمة أوبك 2009. في حين أن الطلب على وقود النقل في الولايات المتحدة من المتوقع أن يظل ثابتا أو ينخفض في السنوات المقبلة مع وضع متطلبات جديدة لمعايير الاقتصاد في استهلاك الوقود.
حتى من دون تشريعات المناخ الجديدة، الأنظمة البيئية الحالية وارتفاع الضرائب والأهداف الملزمة للوقود الحيوي من شأنها أن تؤثر في هوامش الربح وتضع نحو 2.5 مليون برميل يوميا من الطاقات التكريرية الأمريكية عرضة لمخاطر الإغلاق الدائم.
قد لا يكون لهذه التشريعات أي أثر سلبي في صناعة التكرير النفطي العالمية، بل على العكس البعض منها سيجني بعض المكاسب من جراء ذلك، خصوصا المصافي في أمريكا اللاتينية وأوروبا، لكن تلك التشريعات ستعمل حتما على خفض الطلب العالمي على النفط، خصوصا من منطقة الشرق الأوسط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي