العرب بين كماشة المشروعين الإيراني والإسرائيلي
لقد اتضحت الصورة وغدت جلية ولم يعد هناك ما يدعو إلى التكهن وصرف الأحداث التي تجري على الحدود السعودية ـ اليمنية إلى أنها عمل طائش ونزعات عاطفية وردات فعل وتصرفات عفوية لجماعات إرهابية بفكر ضال لها مطالب سياسية محلية ضيقة. إن ما يحدث مصيبة عظمى وفتنة كبرى لا أقول تشق الصف وتفرق الجمع وحسب بل تصيب الأمة في مقتل، فالمتابع لما يجري على أرض الواقع في محيطنا الجغرافي من العراق إلى لبنان ثم مصر والسعودية يتكشف له نمط عام للأحداث المتتالية ويرى أنها تسير وفق مخطط محكم تتزامن فيه بانتظام وتناسق تام لتكون واقعا سياسيا وأمنيا جديدا في المنطقة. كل ذلك يقود إلى حقيقة مفادها أن إيران تتولى بكل حرفية ودقة متناهية ومكر ودهاء المساهمة مع إسرائيل في تنفيذ ''مشروع الشرق الأوسط الجديد'' الذي دعت فيه أمريكا في عهد الرئيس بوش الابن إلى تغيير الجغرافيا السياسية للوطن العربي. ومن يقرأ المعطيات على الساحة الدولية يجد أن الدولتين الأقوى عربيا مصر والسعودية هما المستهدفتان (بعدما أقصي العراق العقبة الكؤود أمام إيران وإسرائيل). ولذا لم يكن مستغربا أن تكون لإيران وعبر ذراعها في المنطقة العربية حزب الله يد في الأعمال الإرهابية في مصر تم كشفه من قبل قوى الأمن المصري بضبط خلية لحزب الله تخطط لأعمال إرهابية لزعزعة الأمن وإشغال مصر عن القضايا الأهم. ولكن تبقى السعودية الأقوى والأمنع ليس اقتصاديا وعسكريا وحسب ولكن الأهم ثقافيا، فهي تمثل الثقل الديني والسياسي في العالم الإسلامي. ما يزعج الغرب من النهج الديني في السعودية أمران الأول أنه تشريع سياسي وليس مجرد دين تعبدي فهو يتداخل في جميع الأمور في الحياة العامة ويقننها. الأمر الآخر أن المذهب المتبع في السعودية طهوري صحيح العقيدة خال من الخزعبلات والخرافات والطقوس التعبدية للأشخاص والأشياء مقارنة بمذاهب كثيرة في المنطقة وهذا يمنح أتباعه أفرادا وجماعات هوية قوية ومتميزة وفكرا مستنيرا وثقة بالنفس يصعب معها السيطرة عليهم ثقافيا من قبل الآخرين. إن هذا النقاء العقدي والتزام منهج السلف الصالح والوسطية السمحة يجعلان السعودية في صراع ثقافي خفي مع الغرب المادي العلماني حتى وإن بدا في ظاهر الأمر أن هناك توافقا وتعاونا مشتركا إلا أنه لا يعدو أن يكون في مجال المصالح الاقتصادية المتبادلة خاصة أن السعودية دولة نفطية لا غنى للغرب عنها اقتصاديا وهي في الوقت ذاته تحتاج للتقنيات الحديثة لتلبية متطلبات التنمية الوطنية، ومع ذلك وفي ظل النظام العالمي للقطب الأوحد والترويج للعولمة التي في جوهرها مبنية على سيطرة ثقافة الأقوى ومبدأ ''إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا''، لم تكن السعودية الرسمية بمنأى عن عدائهم الصريح وتخوفهم من حصانتها وخصوصيتها الثقافية لتشن عليها هجمة شرسة على أثر أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001م وتمارس الضغوط الكبيرة عليها وتنال من ثقافتها الدينية والتعرض لها بالإساءة بحجج حقوق الإنسان ومطالبتهم بتطبيق الديمقراطية، والتي اتضح فيما بعد أنها كلمة حق أريد بها باطل! فغني عن القول أن دعوتهم بحقوق الإنسان والديمقراطية ما كان إلا حصان طروادة للدخول إلى الحصن السعودي العتيد! ولما عجزوا وهنا بيت القصيد وجدوا في إيران المذهبية ومنهجها العدائي المبني على السب والشتم وخلق الشبهات ضالتهم في تمرير مشروعهم ''الشرق الأوسط الجديد'' الذي توافق مع المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة. وهذا هو العراق الذبيح الذي قدمه الغرب هدية على طبق من ذهب للإيرانيين ليعيثوا فيه فسادا ويتحكموا بمصيره دليل ساطع على هذا التوافق الإيراني الغربي. ولأولئك الذين ما زال لديهم شيء من الشك نسألهم لمصلحة من كان احتلال العراق؟ ومن المستفيد الأكبر؟ والجواب: إسرائيل وإيران! هكذا التقت المصالح الإيرانية والغربية على طريق العداء للأمة لتبدأ خطة زعزعة الأمن من الداخل بالمطالبة الإيرانية بالمظاهرات الغوغائية في المشاعر المقدسة بطريقة فجة استفزازية غير آبهين بتحسين علاقات الجوار ولا محاولات التقريب وجمع الأمة ضاربين بعرض الحائط مصالحها العليا غير ملقين بالا لحرمة المكان ولا الزمان. لقد آثر ملالي إيران تجاوز الحدود الشرعية للحج وما يتطلبه من سكينة ووقار وتحاب وتواد ولتقدم نهجها المبني على الإثارة العاطفية والصياح والزعيق وإثارة الفتن وطقوس تنافي الفطر السليمة والنفوس الصحيحة وعقيدة التوحيد الخالص. هكذا تكون إيران سوسة تنخر في جسم الأمة لتضعف ويضعف موقفها في مواجهة أعدائها. وعندما لم تستجب السعودية لمطالبها التخريبية والتي تهدد سلامة الحجيج وتفسد عليهم مناسكهم سعت تحرك تلك الشرذمة من المرتزقة التي غررت بهم من الحوثيين الذين بدلوا التقارب العقائدي بالتباعد عن المنهج القويم ليفجروا ويتعدوا وينقضوا العهود والمواثيق ولم يراعوا حق الجيرة ويسفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام.
ما تفعله إيران خيانة بحق الأمة وأمر جد خطير لا يحتمل السكوت عنه بل يجب إرجاعها إلى جادة الصواب إن أرادت أن تكون في الصف الإسلامي وضمن إجماع الأمة. إن الشذوذ السياسي الإيراني مبني على مشروع توسعي بصبغة مذهبية نتنة، وهو يتقابل مع المشروع الصهيوني المبني على العنصرية واغتصاب الأرض واضطهاد الأقليات. ألم تحتل إيران الجزر الإماراتية ؟! ألا تضطهد إيران الأقليات في إقليم الأحواز وبلوشستان؟! ألم تسع في بذر فتنة الخلاف الطائفي في العراق؟ ألم تذك نار الخلاف في لبنان؟! والسؤال المهم لماذا لم تقم إسرائيل بقصف المفاعلات النووية الإيرانية؟ مع أنها قصفت المشاريع النووية في العراق وسورية قبل أن تكتمل! هناك مشروع كبير تديره المصالح المشتركة بين إسرائيل وإيران ليس بالضرورة أن يجلسا في غرفة اجتماعات ويتفقا ولكن هناك قيم ومفاهيم مشتركة جوهرها التوسع على حساب الآخرين وقول ما لا يفعلون وفعل ما لا يقولون وممارسة العنصرية البغيضة وأن عدوهم المشترك الموحدون الذين لا يقبلون الخنوع لأحد. المشروع الإيراني أشد خطورة من المشروع الإسرائيلي فالإيرانيون يلبسون عباءة الإسلام ويضمرون العداء ويخفون مشروعهم التدميري بتصرفات يدعون أنها من الدين وهي ليست من الدين في شيء مثل التظاهر في يوم الحج الأعظم. لابد من مواجهة المشروع الإيراني والتعامل معه بحكمة وحزم وخطط مدروسة ليس بالمهادنات والتطمينات والحلول الدبلوماسية فهذه أمور شكلية. ما يهم هو التعامل مع جذور المشكلة المتمثلة بالترويج للمذهبية الفاسدة ويجب أن يقابله مشروع سياسي ثقافي اقتصادي أمني إعلامي يشمل جميع المسلمين أينما كانوا داخل العالم الإسلامي وخارجه. التصدي للمشروع الإيراني الطائفي المقيت لم يعد خيارا وإنما ضرورة تتعلق بكينونة الأمة والنهج الإسلامي القويم، وإلا سيبقى العرب بين كماشة المشروعين الإيراني والإسرائيلي.