لماذا لا يستغل المطورون العقاريون الفرصة الآن؟
كان للأزمة المالية المستمرة في جميع أنحاء العالم أثر سلبي جدا في قطاع التطوير العقاري، في أسواق البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، بعد تهاوي قطاع الرهن العقاري في الولايات المتحدة انفجرت فقاعة أسعار الأصول العالمية، والتي أسهم في نشوئها الإفراط في الاستدانة، التصرفات غير المسؤولة على المدى القصير وعدم كفاية التشريعات، وهذا بدوره أدى إلى أزمة مالية أوسع نطاقا، والتي لا تزال تؤثر في أداء الاقتصاد الحقيقي، في جميع أنحاء العالم.
وفي حين لم يتضرر أي قطاع بالدرجة نفسها التي أصابت قطاع الخدمات المالية، خاصة في الولايات المتحدة والتي تجاوز فيها عدد البنوك المتعثرة 100 بنك هذا العام وحده، فإن قطاع التطوير العقاري قد شهد أيضا خسائر هائلة. وهنا في الشرق الأوسط، فإن استثمارات المضاربة التي بنيت على الخرائط الورقية والتي لم تتحقق، قد سلكت اتجاها خاطئا ومأساويا نتج عن ذلك صعوبات بالغة في الحصول على تمويل وجرى تجاهل أساسيات العرض والطلب في عمليات التطوير.
الركود العالمي أدى إلى تقلص الطلب على النفط مما نتج عنه انخفاض الأسعار على المدى المتوسط، وكان لهذا تأثير قصير الأمد في اقتصاديات المنطقة القائمة على قطاعي النفط والغاز، خاصة دول الخليج النفطية.
ولطبيعة العلاقة المباشرة بين أسعار النفط وأسعار العقار فإن القطاع العقاري تأثر سلبا بشكل واضح ومحسوس، وتصحيح أسعار النفط على المدى القصير ليس من المحتمل أن يكون له تأثير كبير في الاستقرار العام للاقتصاد الإقليمي، إلا أن انخفاض نشاط المضاربة في بعض النواحي هو شيء جيد، حيث أسهم في تخفيف الضغوط المؤدية للتضخم، وجعل الحياة أكثر يسرا بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المنطقة.
وعلى خلاف ما حدث خلال آخر فورة في أسعار النفط، فإن الحكومات والقطاع الخاص قاموا بالاستثمار في تطوير بنى تحتية ذات مستوى عالمي من شأنها أن تدعم نمو سكان هذه المنطقة على المدى الطويل. ورافق هذا أيضا الاستثمار في مجالات النقل والتعليم والطاقة والرعاية الصحية، والمزيد من التنوع الاقتصادي. والأهم من ذلك، أن هذا التنويع قد شجعته الحكومات من دون أن تقوم بإدارته. وكل هذا قد أسهم في تحقيق الاستقرار طويل الأجل لقطاع التطوير العقاري في الشرق الأوسط، على الرغم من التحديات العالمية الراهنة.
ولأن اقتصاد المملكة لا ينفصل عن الاقتصاد العالمي، فقد تأثر قطاع التطوير العقاري السعودي بالاتجاهات السائدة عالميا، إلا أن هذا التأثير كان محدودا، حيث لا تزال التوقعات طويلة الأجل الخاصة بهذا القطاع إيجابية للغاية. فعلى الرغم من كثير من التقلبات الإقليمية والدولية، فإن سوق التطوير العقاري السعودي أثبت نفسه كواحة للاستقرار.
وتعتبر السعودية واحدة من الأسواق القليلة في العالم التي لا تزال تشهد طلبا قويا، على الرغم من التباطؤ الاقتصادي العالمي عموما. والسبب الرئيسي لهذا الأمر واضح إلى حد ما: فاليوم، نحو 38 في المائة من السكان تحت سن 14 عاما، ومتوسط عمر المواطن 21 سنة فقط، بينما في ألمانيا، على سبيل المثال، يبلغ متوسط العمر 43 عاما، أو اليابان، حيث، بحلول 2050، سيكون متوسط العمر 53 عاما.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن المملكة ستحتاج لبناء نحو 1.5 مليون وحدة سكنية جديدة بحلول 2015 لتلبية احتياجات هذا النمو السكاني السريع والشاب، والذي يترجم إلى 250 ألف وحدة سكنية سنويا. وحتى الآن، فإن العرض لم يستطع مواكبة الطلب، مما أدى لاستقرار الأسعار بشكل عام على الرغم من تأثير الأزمة المالية العالمية.
وتاريخيا، فإن ارتفاع قيمة الأراضي وزيادة تكاليف البناء يتجاوزان في العادة مستويات الدخل، إضافة إلى أن المطورين العقاريين قاموا بالتركيز على المنازل الراقية والفاخرة حيث العوائد أكبر، بدلا من التركيز على المساكن الخاصة بمتوسطي الدخل حيث العوائد أقل. ومن هنا فانه من غير المستغرب أن يكون قطاع المساكن الخاصة بمتوسطي الدخل لا يزال القطاع الأكثر احتياجا في المملكة.
وفي دراسة حديثة أجرتها «سي بي ريتشارد إليس»، أشارت إلى أن أسعار العقارات في المملكة قد ارتفعت بمعدل أسرع من متوسط دخل المواطن، مما يسلط الضوء على الفرص في قطاع المساكن الخاصة بمتوسطي الدخل، وخاصة في المدن الرئيسية حيث الخلل في العرض والطلب حاد جدا.
وفي هذا الصدد، فإنه من المهم أن نتذكر المبدأ المقبول عموما للعلاقة بين قيمة الإيجار والدخل الإجمالي للأسرة، وهو ألا تتجاوز تكاليف السكن الشهرية 30 في المائة من دخل الأسرة الإجمالي. ومع ذلك فإن هذه النسبة في المملكة، تقدر حاليا بما يزيد على 40 في المملكة من دخل الأسرة الإجمالي، وذلك في تناقض واضح مع أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث تقل نسبة متوسط الإيجار إلى الدخل عن الـ 30 في المائة.
لذلك لدى المطورين العقاريين في السعودية الآن الفرصة لتحويل هذا الطلب الصامت إلى محرك النمو في المستقبل. وعلى الرغم من الطلب المتزايد على المدى الطويل بالنسبة للمساكن الخاصة بذوي الدخلين المتوسط والمتدني، فإن قلة من المطورين في المملكة قد سعوا لتلبية هذه الحاجة المتزايدة. ونتيجة لذلك، لا تزال المملكة حتى في هذه الأوقات الصعبة، تشهد مزيدا من الطلب في هذا المجال حيث تملك أساسيات قوية جدا.
كما يواصل الطلب تفوقه على العرض في القطاعات التجارية والسياحية، وخاصة في المدن الكبرى مثل جدة والرياض، وكذلك في مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث يكثر الطلب على المساحات المكتبية الجديدة، على الرغم من الركود الذي تشهده المباني التجارية القديمة.
وفي دراسة حديثة أجرتها شركة «بيت الاستثمار العالمي»، أشارت إلى أنه من المرجح أن يحافظ قطاع التطوير العقاري في المملكة على معدل نمو يراوح بين 5 و 7 في المائة حتى 2012. كما أنه من المتوقع أن تبلغ الاستثمارات العقارية في المملكة ما يقرب من 430 مليار دولار بحلول عام 2010، مقارنة بـ 322 مليار دولار هذا العام.
مع العلم أن مساهمة قطاع التطوير العقاري في إجمالي الناتج المحلي يتوقع أن ترتفع إلى 7.2 في المائة هذا العام، وهي زيادة كبيرة عن مستويات عام 2004 التي بلغت 6.8 في المائة. وفي الوقت نفسه، أفادت هيئة سوق المال في الآونة الأخيرة بأنها تدرس حاليا نحو 20 طلبا لإنشاء صناديق استثمار عقاري في مختلف مناطق المملكة.
وعموما، فإن الشركات السعودية التي تستثمر في مجال التطوير العقاري هي في وضع أقوى بكثير من أقرانها الإقليميين، حيث ألزمتهم ضوابط الشريعة بتجنب الديون. وفي الواقع، فإن متوسط نسبة الدين إلى حقوق المساهمين في الشركات المدرجة في قطاع التطوير العقاري في المملكة، تبلغ 12 في المائة وهو مستوى يعكس درجة عالية من الحصافة في الاستثمار.
وأخيرا، أثبتت حالات الكساد السابقة أن نهج مواجهة التقلبات الدورية يمكن أن يوفر أكبر الفرص لأولئك الذين يعتمدون رؤية طويلة الأمد. ومن الواضح أن هذا هو الحال في المملكة العربية السعودية، حيث إن المطورين والمستثمرين الذين يستغلون الفرصة اليوم يرجح أن يبرزوا بشكل أقوى في المستقبل، وبخاصة بعد أن يوفر الانتعاش الاقتصادي العالمي كثير من الدعم لقطاع التطوير العقاري في جميع أنحاء العالم.