مقاطعة الأعمال الثقافية المحلية.. يؤكدها الكبار ويستنكرها الأدباء الشباب
هي مشكلة شائعة صنعها وروجها وعاناها المثقفون أنفسهم دون أن يتناولوها صراحة, مشكلة مقاطعة الأعمال الثقافية المحلية؛ بحيث يكون أو (يظهر) الكاتب أنها ليست إحدى متابعاته وأنه لا يعبأ بها كثيرا, وربما لا يسمع بفلان من الكتاب ولا يدري عن عمل علان؛ وعلى هذا النحو من الاتهامات التي إن بدت فيها المكابرة والانتقاص من الآخرين ومحاولة تهميش أعمالهم فإنها لا تنتهي بهذه البداية؛ بل تحمل في باطنها اعترافا خفيا أحيانا عن مرحلة تقدير العمل المحلي من الكتاب أنفسهم بحيث تشير مقاطعتهم الخفية تلك إلى اعترافهم بأن الأعمال المحلية ضعيفة المستوى وملأى بالتكرار بشكل يقودهم إلى الزهد في قراءتهم لها .. «الاقتصادية» حاولت أن تسلط الضوء على هذا التصرف واستعراض آراء من يصدقه ومن ينكره ومن يحلله!
يقول الدكتور صالح المحمود يجب علينا ابتداء ألا نعمم المشكلة وألا نعطيها أكبر من حجمها, شخصيا أرى أن هذا الأمر لم يصل إلى حد الظاهرة مع إيماني بأنه موجود, وأظن المشكلة بدأت تحديدا في الألفية الجديدة حين أشرعت أبواب الإبداع لمن يستحق ولمن لا يستحق فأصبح الإبداع رخيصا جدا وانتمى إليه غير أهله.
كلهم يا سيدتي يقرأون ــ وبنهم شديد - لكنها عقدة الأبراج العاجية .. مشكلتنا أن معظم الذين أصدروا أعمالا إبداعية في السنوات الأخيرة يعدون أنفسهم المبدع الأول, ومن هنا يجدر به أن يعلن للملأ أنه لم يقرأ, بل لم يسمع عن صدور هذا العمل أو ذاك، وهو هنا يظن أن اعترافه بعمل آخر يستنقص عمله, دعينا نعترف بأزمة الوعي وتضخم الذات التي يعانيها كثير من المبدعين وأشباه المبدعين وأنصاف المبدعين, وهذا الأمر ينعكس سلبا على المشهد ويزيد من احتقاناته بشكل غير لائق.
وتقول القاصة أمل الفاران «محور جيد للنقاش، وودي والله لو أخالف ما جاء فيه وأقول إننا كمثقفين سعوديين ندعم بعضنا بعضا، ونقرأ لبعضنا، ونكتب عن بعضنا، لكني ــ بصراحة ــ سأكون لسان حالي فقط وأقول إنني أقرأ المنتج السعودي كما أقرأ أي منتج عالمي، تحت معيار الجودة، قد يقع الكتاب في يدي مصادفة، وقد أسمع ما يشدني إليه فأبحث عنه، وقد يهدى إلي, لكن ما يجعلني أتجاوز الصفحات العشرين الأولى منه هو جودة العمل لا جنسية كاتبه، إذ ليس من العدل في حق وقتي، ولا في حق أي عمل أدبي أن أقرأ السعودي فقط لأنه سعودي (بدافع الوطنية)، أو بدافع متابعة ما يجري في ساحتنا الأدبية.
أنا كمبدعة ليس هذا دوري، إنه دور الناقد أو الصحافي، أما أنا فمتلقية كغيري، وتحكمني ذائقتي أولاً، ثم بحثي عما يصقل أدواتي، فإن وجدت ذلك في عمل سعودي قرأته، وإن لم .. فأرض المعرفة واسعة ومفروشة بكل ما هو جميل ومبدع.
#2#
وقد لمح محورك إلى أنه (إذا لم يقرأ المثقف المحلي للمحلي الآخر فمن سيقرأ له)؟
وهذا سؤال وإن حمل هم المنتج المحلي وانشغل به إلا أنه يستبطن عدم قناعة بقدرة هذا المنتج على المنافسة، وهذه مرحلة يفترض أن نتجاوزها الآن، فنحن جميعا نتفق على أن التربيت على كتف أي عمل سعودي ضعيف لا يفيد مسيرتنا الإبداعية.
ويبقى موضوع الغيرة، وأنا أعتبرها محمودة جداً إن كان إبداع الآخرين سيجعلني جادة أكثر في الكتابة وحريصة على أن يكون عملي في القمة.
ويقول حول الموضوع الروائي عواض شاهر العصيمي «مما أقرأ وأتابع، أكاد أؤكد أن الكتاب الأكثر تداولية بين عدد كبير من المثقفين، وبالتالي الأكثر حظاً في التنويه بقدرات مؤلفه ومواهبه، هو الكتاب الآتي: الذي يتمتع كاتبه بمنصب كبير أو لمؤلفه علاقة مهمة بالملاحق الثقافية السعودية في الخارج، أو يدير مؤلفه شبكة علاقات واسعة لا تنقطع ولا تفتر بين أوساط المثقفين, أو يكون من المشتغلين في الإعلام، من أخطرها أن يعمل محرراً ثقافياً في جريدة من الصف الأول مثلاً، أو في مجلة معروفة، وأقلها خطورة أن يكون كاتب مقال يوميا، أو على الأقل يظهر مرة واحدة في الأسبوع
هناك حزمة من المثقفين يستجيبون لمطالب بعض دور النشر العربية في الكتابة عن مؤلفات سعودية معينة، ولأسباب ترويجية محضة.
في أغلبية الأحوال، لا يقرأ بعض المثقفين كتاب مثقف آخر إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرار من تحل له الميتة، والأسباب كثيرة، منها ما يقع تحت الشعور بالغيرة، ومنها ما له علاقة بازدراء الآخر، إما لأنه ذو توجه فكري مختلف، وإما لأنه من منطقة أخرى، وفي بعض الأحيان تجري هذه الأمور لأسباب مثل هذا بدوي وأنا حضري، أو هذا شيعي وأنا سني، أو هذا من جازان وأنا من بريدة، أقولها على سبيل المثال لا التعيين، ولكن يجب أن أنوه إلى أن هذه الممارسات لا تشمل كل المثقفين بالتأكيد، هناك مثقفون جديرون بالاحترام، غير أنها ــ المشكلة ــ موجودة وأخشى أن تكون آخذة في الانتشار، وكل هذه المساوئ ليس لها علاقة بالكتاب وإنما بمؤلفه في كثير من الأحيان، كما لا ذنب لضعف المستوى الفني أو الإبداعي للكتاب في بروز هذه النكوصات الغريبة، كما تبدو في الظاهر، فالمشكلة تتعلق بتصورات ضيقة مرتبطة بظاهرة الجزر المتباعدة في المشهد الثقافي والأدبي المحلي، وتصنعها عزلات عدة في المثقف الواحد، عزلة الانتماء العشائري أو الإقليمي، عزلة اختلاف التوجه الفكري، عزلة الثقافة التبخيسية لكل ما هو سوى الذات، عزلة الكائن المحبط اليائس من حدوث انفراج كبير لحالة البطء والرثاثة التي يمر بها ككاتب على الجانب المضيء المقابل لهذا الجانب المظلم، هناك مثقفون يكتبون مقاربات نقدية جميلة عن كتب قرأوها أو عن ظواهر ثقافية رصدوها في المشهد المحلي، من دون أن يضعوا للأسماء ومناصبها موازين خاصة فيما يكتبون.
ويرى القاص مشعل العبدلي أن الأمر لا يصل إلى حد الظاهرة. هذا واقع طبيعي, فأهداف جميع المثقفين ليست واحدة, كل يعمل لنفسه، وهذه حقيقة ــ على الأقل فيما أعرف.
هناك شيء مثل الفجوة/الجفوة الكبيرة بين المثقفين، سواء كانوا نقادا أو مبدعين أو حتى متابعين. أغلبية النقاد لا يقرأون إلا ما يضيف إليهم، لذا فهم فقط يتصيدون المثير ليكتبوا عنه وعندما يكتبون عن النتاج المحلي فإنهم يكتبون بانتقائية شديدة. الناقد لا يهمه البحث عن مبدعين جدد بقدر ما يهمه الكتابة عن المبدعين المعروفين, والمبدعون بدورهم طرائق شتى، وهمّ وحيد هو (أن يُعرفوا)؛ فالمبدع المستجد يريد اعترافا من سابقه، وهذا الأخير يريد ما هو أبعد، من لا يُعرف بعد، يقرأ لمن عرف من قبل حتى يعرفه، ومن عُرف من قبل فهو مشغول بجمهور وإشادة أبعد. كما أن سبب الغيرة ليس بعيدا عنهم أيضا. والإهداء - مجاملة في الغالب ــ هو السبيل الوحيد لتداول النتاج بينهم. وبصراحة شديدة، أحيانا أجد لهم العذر.. أقصد للمشتغلين بالإبداع، فالأدب المحلي وإن راج في العقد الأخير بسبب عوامل كثيرة آخرها «وجود فنيّة عالية» إلا أنه ما زال لا يرقى ليقرأ، أو لأقل لا يعتد به ويعتمد عليه كمادة رئيسة في القراءة ــ اللوم على النقاد ــ رسالتهم هي أن يقوّموا النتاج بكامله، للجميع، ويرشّحون الجيد ليقرأ ــ وهم لا يفعلون ذلك بكل أسف الآن ــ في النهاية، الأدب المحلي لا يقرأه سوى القراء التائهين، والصحافيين ومحرري الصفحات الثقافية، وقد يقرأه هؤلاء بسبب عملهم الصحافي لا أكثر.