رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الدولار: بداية نهاية الهيمنة؟

في ظل خلو العالم من تنظيم سلطة دولي فعال، يهيمن الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي منذ عشرات العقود، فهل هذه الهيمنة في طريقها إلى الانتهاء؟ يطرح هذا السؤال بقوة إثر الأزمة المالية العالمية.
هناك قوى اقتصادية كبيرة صاعدة بقوة، مقابل مشكلات عميقة في الاقتصاد الأمريكي. ربما كان أوضحها الارتفاع القياسي في عجز ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية والعجز التجاري. ومن ثم تبدو الإجابة واضحة على المدى البعيد.
إبان عمق الأزمة المالية العالمية، ارتفع سعر العملة الخضراء، حيث كانت أوراق الخزانة الأمريكية ملاذا آمنا في ظل اضطراب الأسواق المالية العالمية وتدهور أسعار الأصول. وقد شبه أحد المحللين ما حدث بركض الأطفال إلى أمهم عند حدوث ما يخيفهم رغم أن أخطاءها كانت عاملا أساسيا في وقوع الأزمة.
ارتفع سعر الدولار خلال عمق الأزمة المالية العالمية بنحو 20 في المائة، لكنه فقد كل ما تحقق خلال الأشهر اللاحقة منذ فصل الربيع الماضي. بل وصل سعر الدولار إلى أدنى حد منذ صيف 2008. بالمقابل ارتفعت أسعار الأصول ذات المخاطرة العالية نسبيا كالأسهم والنفط والذهب وسلع أولية أخرى. وجاء هذا الارتفاع نتيجة تفاؤل بأوضاع الاقتصاد العالمي. السندات الحكومية ارتفعت قليلا، لكنها مازالت في حكم المستقرة. ومن المحللين من يرى أن ارتفاع أسعار الذهب يعكس تخوفا لا حقائق. وليس هناك ما يدل على أن هذا الخوف شائع، فتوقعات التضخم تفهم من الفجوة في العائد بين الأوراق المالية التقليدية والأوراق المالية المحمية تجاه التضخم بنوع ربط قياسي.
يرى البعض خوفا من انكماش الأسعار لا التضخم، في ظل فائض القدرة الإنتاجية. وانخفاض الدولار يساعد على تقليل مخاطر الوقوع في انكماش، ويسرع من تصحيح الاختلالات.
انخفاض الدولار ليس وليد اليوم، فهو يتعرض منذ عام 2002 إلى انخفاضات متواصلة وصلت أدنى مستوياتها مقابل العملات الرئيسة. وكان الانخفاض ذلك العام هو الأول من نوعه منذ ست سنوات من سيطرته على أسواق العملات الأجنبية.
يمثل الدولار الأمريكي عملة الاحتياطي الأولى، حيث يشكل نحو ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم و80 في المائة من مبادلات سعر الصرف الأجنبي, وأكثر من 50 في المائة من صادرات العالم يتم دفع قيمتها بالدولار بما فيها البترول.
ولكن من اللافت في الوقت الحالي توجه البنوك المركزية وشركات المال والمستثمرين حول العالم للعمل على التخفف من الدولار بسبب انخفاض الفائدة أو العائد الاسمي، الذي وصل إلى قرابة الصفر، فكيف لو احتسبنا العائد الحقيقي. وانخفاض الفائدة تزامن معه بطبيعة الحال وفرة العرض من الدولارات.
ويلاحظ أن نحو ثلثي الكاش الجديد لدى البنوك خلال الأشهر الثلاثة الماضية كان بصورة يورو وين، وليس الدولار، وهذا معاكس تقريبا لهيمنة الدولار كعملة الاحتياط الأولى، التي تبلغ نحو 62 في المائة، وهي أقل نسبة خلال عقود, حسب بيانات صندوق النقد الدولي.
جاءت هذه الأحداث بعد شهور من تصنيع تريليونات من الدولارات بأكثر من صورة، بهدف تحفيز الاقتصاد الأمريكي. وكما للأدوية آثار جانبية، هذه السياسة لها آثار جانبية، فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واقع تحت طائلة إحدى غائلتين أو كلتيهما: التضخم أو الانكماش. من المتوقع استمرار انخفاض قيمة الدولار تجاه العملات الرئيسة إلى أن يبدأ «الاحتياطي الفيدرالي» في رفع أسعار الفائدة و/أو سحب مليارات الدولارات من الأسواق. هذه وصفة لها آثارها السلبية، فالنمو الاقتصادي سيتأثر سلبا، وسيتأثر أيضا سلبا سوق الأسهم وسوق الإسكان.
الاختيار الآخر بإبقاء سعر الفائدة صفرا أو قريبا من الصفر يعني الاستمرار في تصنيع النقود وتكوين مزيد من الديون. ولكن هذا الاختيار سينتج معدلات تضخم مرتفعة، لها نتائج مزعجة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
لم يعد الاقتصاد الأمريكي معتمدا على التصنيع التحويلي، بل تحول إلى اقتصاد تهيمن عليه خدمات بعينها. وتضعف في اقتصاد من هذا النوع القدرة السابقة على توليد الثروة (العينية)، التي يستعاض عنها بالتضخم في أسعار قطاع العقارات على وجه الخصوص.
ومع هذه التحولات في الاقتصاد الأمريكي نشهد تحولات من نوع آخر: تحول الصين إلى مصنع العالم. وطبعا لا ننسى التفوق التعليمي. وقد رفعت الصين صوتها عاليا خلال الأشهر الماضية مطالبة بعملة احتياطي غير الدولار. وفي الشهر الماضي اقترح البنك المركزي الصيني زيادة نسبة اليورو والين في الاحتياطي الأجنبي، مع بقاء الهيمنة للدولار. وتركيب هذا الاحتياطي الصيني غير معلن، ويخمن كثير من المحللين أن يمثل الدولار نحو 60 في المائة منه واليورو نحو 30 في المائة.
ولكن السؤال التالي: ما العملة التي تحل محل الدولار؟
ليس هناك من عملة في الأفق القريب. فهناك متطلبات قاسية في هذه العملة. استقرار العملة متطلب رئيس، وهذا الاستقرار يتطلب بنكا مركزيا يتمتع بالاستقلالية والمصداقية، وحكومة تتمتع بالملاءة أي الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى البعيد.
أمام الصين سنون طويلة لتبني اقتصادا وقوة تمكنها من موازاة هيمنة الاقتصاد والقوة الأمريكية. أما منطقة اليورو فمثلها مثل أمريكا، تعاني اختلالات كبيرة من جراء العجز والمديونية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي