المستشارون السعوديون.. من يثق بهم ويحفظ حقوقهم؟
لا شك أن السعودية تعيش طفرة في الموارد البشرية كما ونوعا وجودة إلى درجة أنها أصبحت مؤهلة لأن توفد أبناءها للعمل في دول الجوار للمساهمة في جهود التنمية في تلك البلدان، بل أصبح الطلب عليهم يتزايد نظرا لأدائهم المتميز ومهنيتهم العالية. وقد يكون قطاع التعليم مثالا للتعاون والدعم الثقافي السعودي الخارجي. فالخبراء السعوديون مؤهلون تأهيلا مهنيا عاليا في تخصصات علمية ومجالات مهنية متعددة ومتنوعة نالوا أعلى الشهادات من جامعات عالمية ذات صيت وسمعة عالية ما مكنهم من تسجيل حضور متميز على الساحة العربية بل وحتى العالمية. وقد تكون الدكتورة غادة المطيري العالمة السعودية التي تترأس مركز أبحاث في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، علامة بارزة تضاف إلى قائمة طويلة من العلماء السعوديين تؤكد هذا التفوق السعودي. كما أن الجامعات السعودية بقيادات مميزة أمثال الدكتور عبد الله العثمان مدير جامعة الملك سعود وأساتذة سعوديين أكفاء أصبحت تقع في رأس قائمة الجامعات المتميزة على مستوى الوطن العربي والعالم.
لقد أثبتت الخبرات السعودية جدارتها في المشاريع الاستشارية والبحثية والعملية التي أوكلت إليها وهو أكثر وضوحا في الإنجازات الفردية في المجالات العلمية التجريبية منه في الدراسات الإدارية والقضايا الاجتماعية والعمل الجماعي. ولذا فهي مع الأسف تكاد تكون خفية خجولة في مجال الدراسات الإدارية والاجتماعية والعمرانية. فهناك اعتماد كبير على المستشار الأجنبي على الرغم من تكلفته الباهظة التي تصل إلى ملايين الريالات في مقابل مستويات من الخدمات الاستشارية أدنى بكثير من تكلفتها، خاصة أنها لا تستجيب لمتطلبات المجتمع الحقيقية وتقع خارج إطاره الثقافي وبعضها حلول تبحث عن مشكلات توائمها وليس العكس، لينبهر المسؤول في الجهاز الحكومي بهذه الأفكار الجديدة والسبل والوسائل المستوردة ولكن هيهات أن تصلح للتطبيق فهذه أشبه ما تكون بمن يريد أن يقود سيارة فخمة في صحراء لم تمهد بها الطرق. فمازال هناك من تسيطر عليه فكرة جودة الأجنبي وتفوقه في مقابل النظرة الدونية للقدرات والإمكانات والكفاءات الوطنية. ولذا لا تستنكف بعض المؤسسات من أن تطلب من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية تقديم دراسات وبحوث دون مقابل أو بعوض مالي ضعيف لا يسمن ولا يغني من جوع. إن هذا الوضع مخجل وغير منطقي وغير وطني، فالأمر جد خطير يتصل بالهوية الوطنية وكيف ننظر لأنفسنا؟ وكيف سنتمكن من تطوير مجتمعنا؟ إذا لم نثق بكفاءتنا الوطنية التي تكلفت الكثير حتى وصلت إلى ما وصلت إليه!
من العجب العجاب حقا أن يتخرج السعودي من الجامعة التي تخرج منها ذاتها المستشار الأجنبي وبتفوق ثم يعهد للأجنبي تقديم الدراسات الاستشارية لأجهزتنا الحكومية وشبه الحكومية ثم يطلب من الخبرات الوطنية أن تعمل تحت إمرتها. الأدهى والأمر أن المستشار الأجنبي لا غنى له عن الخبرات الوطنية فتراه مضطرا للاستعانة بها لتقوم بالأعمال الرئيسة وتقديم الأفكار والمقترحات الجوهرية ليعيد المستشار الأجنبي صياغتها وينسبها لنفسه دون مراعاة للحقوق الفكرية والأدبية! ومع هذا لا يحصل المستشار السعودي مقابل جهده وأفكاره إلا على الفتات لا يساوي ولا 1 في المائة من تكلفة الاستشارة! إن العملية برمتها سلب مادي وفكري من قبل المستشار الأجنبي في وضح النهار ولم لا، وقد أسلمنا وسلمنا له بكل شيء دون قيد أو شرط حتى المعلومات التي حجبناها عن الباحث الوطني تحت مسمى السرية لم تعد سرية لتفتح الأدراج والملفات ويأخذ ما يشاء منها. يبدو أن هذه ثقافة متأصلة في المجتمع فترانا نتعامل مع الأجانب على غير ما نتعامل به فيما بيننا ويكاد يكون ذلك في كل مناحي الحياة رجالا ونساء وأطفالا بطريقة استثنائية!
وتحت شعار البحث عن الأفضل وتسخير الخبرات الأجنبية لتحقيق الجودة تتلاشى الثقة بالخبرات الوطنية وتستمر الجفوة والفجوة في الاتساع بين صناع القرار في الأجهزة الحكومية والخبراء الوطنيين. إنها أزمة ثقة يعيشها الخبير الوطني تقوده إلى مشاعر مختلطة بين رغبته الجامحة للإنجاز وحماسة المهني المتوقد ودوافعه الوطنية الخالصة للإسهام في تنمية المجتمع ومؤسساته وبين الإحباط والانكسار النفسي وضيق الفرص ليجد نفسه مرغما للعمل مع المستشار الأجنبي بثمن بخس دراهم معدودات. لا أحد ينكر أن هناك مستشارين أجانب لهم إسهاماتهم المميزة ولكن السبب في نجاحهم يعود، إضافة إلى قدراتهم وإمكاناتهم ، في أن هيّئت لهم الظروف وشرعت لهم الأبواب ومنحوا الثقة المطلقة وأغدق عليهم أموال طائلة واتفاقيات تحفظ حقوقهم ومالهم أكثر مما عليهم تجعل ذا اللب حيران. هذه الثقة الكبيرة والمبالغ الضخمة لو منح أقل من نصفها للخبراء الوطنيين لاستطاعوا أن يقدموا عملا مهنيا بجودة عالية وأفكار ومقترحات تنسجم مع الإطار الثقافي الإداري وتقود للنتائج المطلوبة وأهم من ذلك بناء الخبرة والجدارة الوطنية التي تمنحنا الميزة التفضيلية لمواجهة تحديات المنافسة العالمية وحجز مكان مرموق بين دول العالم.
المسألة هنا لا تتعلق بمصالح فردية وحفظ حقوق المستشار الوطني وحسب، وإنما بمصالح الوطن العليا، فبناء الخبرات والقدرات الجوهرية أساس للانطلاق في مشروعنا الوطني التنموي وتقوية الجبهة الداخلية والاعتماد على النفس والتقليل من الاعتماد على الآخرين. إن هذا يصب في اتجاه السياسة الرشيدة للدولة في توطين الوظائف ولكن من زاوية أكثر اتساعا لتشمل الخبراء ودراساتهم واستشاراتهم التي تحدد مسارنا نحو مستقبل أفضل. هذا يتطلب تمكين المستشارين السعوديين وحفظ حقوقهم وتشجيعهم بإيجاد نظام للاستشارات المهنية والدراسات الميدانية يضمن مشاركة الخبراء الوطنيين في الدراسات والبحوث وبرسوم تتساوى مع الخبير الأجنبي كشرط أساس في الاتفاقيات الاستشارية. كما أن إنشاء جمعية وطنية للدراسات والاستشارات الحكومية ومركز للتفكير الاستراتيجي الوطني كمجمع مهني سيضمن مساهمة الخبراء الوطنيين بتخصصاتهم المختلفة وتفعيل العلاقات المهنية وتوثيق التجربة ووضع معايير تضمن الجودة وستكون هذه ــ بإذن الله ــ النقلة النوعية نحو العالم الأول.