مثقفون مستاءون من قتل المفكرين قبل رحيلهم
غاب مصطفى محمود … وفي الوقت ذاته غابت خزانة عربية للأفكار، مات الطبيب الكاتب و انكشفت أمام روحه الآن أسرار لغز الموت التي بحث عنها في كتاب هو بين 89 كتابا رائعا من بينها كذلك لغز الحياة فيما اللغز الذي بدأ ينكشف لكثير من المثقفين هو لماذا نزداد انغماسا في التخلف؟ ولماذا يموت العباقرة وتقتل المواهب في أوساطنا؟ مات مصطفى محمود الذي شق طنين التقليد وحضر حين كان التلفزيون يحمل أمانة الكلمة والثقافة مع برنامجه الأشهر «العلم والإيمان» فيما غاب العالم الفقيد قبل موته بعقدين حين تحولت التلفزيونات من تلفزيونات رسمية أمينة على شعوبها إلى كباريهات تقدم من يدفع أكثر وإن كان لاعبا أو راقصة أو داعيا للتكفير على من أحرقت أعينهم وأضنت عقولهم مجلدات العلم وصنوف التفكير. مات مصطفى محمود في خبر لم يتعد دقيقة اختصرت فيه سيرته و فكره وكتبه الـ 89 وفي الوقت ذاته على فضائيات أخرى على مسافة ضغطتين «بالريموت كنترول» برامج تمتد لسهرات يمكن للمذيعين فيها وللضيوف أن يشرحوا لمشاهديهم ومتابعيهم دون ملل تلك الدقيقة الذهبية التي سجل فيها محمد نور هدف البلياردو الشهير وتصبح تلك اللحظات الذهبية لنجم العصر الحالي عمرا فضائيا طويلا يمكن أن تقضيه - دون تفضيل - في ساعة تقرأ فيها رواية «رجل تحت الصفر» التي فاز فيها الطبيب الأديب محمود حين كان في عمر يماثل عمر نور فيا للمفارقة... دقيقة تختصر عمرا لفكر و ساعات تمتد للتعليق على لقطة عابرة. مات الأديب الطبيب العالم المفكر الكاتب الساخر قبل موته بما لا يقل عن عقد من السنين كان له بالإمكان أن يكون أكثر عطاء ويقدم كتبا أكثر ثراء فيما كثيرون جمهورا وإعلاما - في هذا العقد الماضي من الزمن - كانوا مشغولين بحفل اعتزال أسطورة كروية هو ماجد عبد الله الذي توقف عن العطاء منذ 13 عاما و لم يتوقف الإعلام عن الركض خلفه لتسجيل لقطات الاعتزال فهل من أحد فكر كيف يكون لاعتزال قامة علمية أدبية فكرية كمصطفى محمود كما يقول المثقف السعودي عادل محمد والذي يضيف عن محمود «ظل الرجل عقدا من الزمن في حال انطواء فرضتها عليه حالة البلادة في الشارع العربي تجاه المفكرين والتجاوب معهم كما يستحقون».يمكن لكتب مصطفى محمود الـ 89 أن تثير جدلا إيجابيا في الفكر العربي أكثر قليلا من ذلك الجدل الذي أثاره فوز نادي الهلال بنادي القرن في آسيا إذ إن ذلك فقط يحتاج إلى عقول تقدح شرارة أفكارها بنير الفكر المتدفق من أعطيات الكتاب والمفكرين أمثال محمود لا متعصبي ألوان الأندية وزعامات الزعاق على فضاءات الأقنية.
لسنا بحاجة إلى الذهاب جغرافيا بعيدا عن مصطفى محمود حيث عاش و مات لنتأكد من الواقع الإعلامي والفكري المتدهور للثقافة العربية لتجد اثنين من المذيعين الرياضيين الذين يملأون الدنيا صراخا وشتائم على القناة ذاتها وفي أوقات متفاوتة وبالتالي على صفحات الصحف و الأقنية المنافسة بسبب جدل معلوماتي بسيط متعلق بالمباراة المرتقبة والمعركة المقبلة بين منتخبي مصر والجزائر وذلك كله على مسافة زمنية قريبة من خسارة العرب بشكل كامل لقامة علمية وعبقرية قل أن تنجب أمة ضحكت من جهلها الأمم - كما يقول المتنبي – شبيها لها.