استحداث أسواق جملة للكهرباء والماء سيقفز بالبنية التحتية الصناعية السعودية
واصلت دور الاستشارات العالمية المكلفة بمساندة وزارة التجارة والصناعة في وضع أفضل السبل لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية الصناعية، التي أقرتها الحكومة أخيرا بميزانية تبلغ نحو 60 مليار ريال، أعمالها لليوم الثاني ضمن ورشة عمل انطلقت يوم الأحد، متخذين من استعراض المحاور الثمانية لآليات تنفيذ الاستراتيجية التي أقرت أخيرا، والنقاشات المفتوحة حولها وسيلة لفرز التحديات ووضع آليات تنفيذ تلك المحاور.
الورشة التي انطلقت أمس الأول وتستمر حتى الغد، ويشارك فيها العشرات من الخبراء الدوليين والمحليين، وعدد كبير من المسؤولين الحكوميين والصناعيين السعوديين، ركزت أمس على ستة محاور من محاور الاستراتيجية، حيث بدأت الجلسة الأولى باستعراض المحورين الثاني والسادس، وهما التجمعات الصناعية، حيث نوه المشاركون بضرورة تحفيز قيام تجمعات صناعية جدية تعتمد على التقنية، وتبنى على أساس معرفي, إلى جانب تنمية التجمعات القائمة بهدف المنافسة دوليا، وربط تلك التجمعات بنظام موحد يمكنها من العمل على التركيز على المزايا النسبية لكل تجمع صناعي.
وفي المحور السادس، الذي يكاد يكون من أهم محاور آليات تنفيذ الاستراتيجية وهو (البنية التحتية الصناعية) اتفق الخبراء المشاركون على أن البنية المتوافرة في المملكة ليست كافية لمساعدة الاستراتيجية على تحقيق تطلعاتها، سواء على صعيد الأراضي المخصصة أو خدمات الطاقة المتوافرة إلى جانب الموارد البشرية ونوعيتها، والدعم الحكومي المتوافر.
ولكن المشاركين أكدوا أن هناك فرصة كبيرة لتطوير تلك البنية بما يتوافق وأهداف الاستراتيجية الوطنية الصناعية، ومنها زيادة التنسيق والتوافق الاستراتيجي بين البيئات التنظيمية المواتية بين الموردين الرئيسين للبنية التحتية، إلى جانب العمل على مراجعة أسعار الخدمات العامة، خصوصا المقدمة منها للتجمعات الصناعية، واستحداث أسواق جملة للماء والكهرباء، والقيام بمراجعة أنظمة توليد الطاقة العامة.
انتقل المشاركون بعد فترة استراحة للمحورين الرابع والسابع وهما على التوالي (الاستراتيجية الوطنية للإبداع الصناعي، والصناعات الرأسية الجديدة)، حيث ناقشوا دور الإبداع في الصناعة وأهميته في تحقيق مزايا تنافسية عالية للصناعات الوطنية، مؤكدين ضرورة إنشاء مركز تنسيق وتحفيز للإبداع الصناعي.
وهنا قال المشاركون إن الإبداع يساعد على المنافسة بوصفه وسيلة لتحويل الموارد الوطنية إلى ثروة مستدامة، طارحين عديدا من الأدوات التي يمكن أن تجعل من الإبداع صفة ملازمة لكل التجمعات الصناعية، ومستشهدين بالعشرات من الأمثلة الإبداعية في مجال الصناعة التي كان الإبداع وحده طريقها للعالمية.
وفي ترابط مع المحور السابع (الصناعات الرأسية الجديدة) نوه المشاركون بأهمية العمل منذ الآن على اختيار مجالات وقطاعات جديدة في مجال الصناعة وتحويل المملكة للصناعات التي تعتمد بدرجة أعلى على التكنولوجيا، واختيار الصناعات على أساس الفرص المتاحة في السوق العالمية مستقبلا.
#2#
ويعتقد المشاركون أن على المملكة التركيز على خمسة إلى عشرة «مشاريع بذور»، طارحين بعضا من أهم تلك المشاريع كالتركيز على تصنيع الطاقة الشمسية والتكنولوجيا المرتبطة بها، تصنيع المعدات المرتبطة بنظم وهندسة تحلية المياه، تصنيع المركبات الخفيفة التي تعتمد على أنواع من الطاقة النظيفة، الاهتمام بتصنيع التكنولوجيا الميكروبية والحرارية، وتصنيع المواد العازلة للحرارة والأدوات المرتبطة بها.
وفي الجلسة الأخيرة من اليوم الثاني لورشة العمل تناول المشاركون المحورين الثالث والخامس وهما (المنشات الصغيرة والمتوسطة، والموارد البشرية الوطنية).
نال محور الموارد البشرية نصيب الأسد، حيث أكد الحضور على أهمية مضاعفة أعداد الكوادر السعودية العاملة في هذا القطاع بمقدار لا يقل عن خمسة أضعاف ما هو عليه اليوم، مشيرين إلى أن العمل على توسيع مشاركة السعوديين في القوى العاملة في مجال الصناعة مهمة أساسية لتحقيق أهداف الاستراتيجية، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق جعل الصناعة جذابة للسعوديين وجعل السعوديين جذابين إلى الصناعة.
يذكر هنا أن الخبراء العالميين الذين أطلقوا أعمال لورشة أمس الأول ، أكدوا أن المملكة أمام فرصة تاريخية مدعومة بثقل حكومي غير مسبوق، لجعل الصناعة رافدا مهما من روافد الاقتصاد الوطني، مشيرين إلى أن التجارب العالمية في هذا المجال مثال حي على أن العوائق لا يمكن أن تقف في سبيل تحقيق الأهداف، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن أهم التحديات التي يجب العمل عليها لتحقيق الأهداف النهائية لتلك الاستراتيجية الضخمة هو إحداث ثورة في مجال تدريب وصقل المهارات الوطنية الصناعية، والتغلب على العوائق البيروقراطية في تنفيذ مراحل الاستراتيجية.
معلوم أن مجلس الوزراء برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وافق في وقت سابق من العام الجاري، على الاستراتيجية الوطنية للصناعة وآليات التنفيذ الخاصة بها. ومن أبرز ملامح الاستراتيجية أنها تهدف بشكل أساس إلى تعزيز القدرات التنافسية للصناعات الوطنية في الأسواق العالمية، تحفيز التنويع الاقتصادي، دعم الاقتصاد الوطني وتخفيض اعتماده على مصدر واحد وأساسي للدخل. كما ترمي إلى تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص إضافية للعمل وتحقيق الرخاء لمواطني المملكة.
وتعتمد الاستراتيجية على عدد من المنطلقات: منها الاستناد إلى الاستراتيجيات المعتمدة ذات الصلة، دراسة الوضع الراهن للصناعة في المملكة، وقدرات المملكة المادية والمعنوية.
ويشير ملخص الاستراتيجية الوطنية للصناعة إلى أن التجارب أثبتت أن الدول التي نجحت في تحقيق مزيد من التنافسية على المستوى الدولي هي الدول التي استطاعت إقامة مجمعات وتجمعات صناعية مرتبطة بمراكز البحث العلمي وتطوير التقنية أدت إلى معدلات نمو مرتفعة ومستقرة، كما استطاعت تحقيق الأمن الاقتصادي بمفهومه الأشمل لتملكها القدرة على تحمل التغيرات الاقتصادية ورفع مستويات المعيشة نظراً لإيجاد فرص عمل ذات إنتاجية مرتفعة وعائد مجز.
وفي هذا الإطار سبق أن أكد لـ «الاقتصادية» الدكتور خالد السليمان وكيل وزارة التجارة والصناعة لشؤون الصناعة أن الاستراتيجية تتمثل في نظرة المملكة لما ستكون عليه الصناعة بعد عشرة أعوام – 2020 - حيث تقترح أن تكون صناعتنا صناعة منافسة عالمية، بمعنى أن سوقها ليس السوق المحلية، بمعنى أنها ليست صناعة معدة للاستهلاك المحلي أو حتى الاستهلاك الإقليمي والخليجي، وإنما سوقها هي السوق العالمية.
و تقوم هذه الصناعة ليس فقط على رخص أو توافر المواد الأولية سواء كانت ثروات طبيعية أو حتى توافر أو رخص القوى البشرية، وإنما على الإبداع والابتكار، وهذه سمة عصر الإبداع والابتكار، وصناعتنا يجب أن تكون قادرة على المنافسة في العالمية من حيث مستوياتها وبالتحديد المستوى التقني فيها، وهذه هي الرؤية في الصناعة، حيث تعمل الاستراتيجية على تحقيق هذه الرؤية من خلال بناء منظومة وطنية متكاملة للصناعة بمعنى أن جميع العناصر الضرورية لإنشاء هذه المنظومة يجب أن ننظر فيها ويجب ألا ننظر في مكونات منفردة بمعزل عن المنظور الأشمل.
وقال « يقود الاستراتيجية لجنة توجيهية تضم أكثر من 30 خبيرا ومختصا أكثر من نصفهم كان في القطاع الخاص، ويعتبر القطاع الخاص الاستراتيجية استراتيجيته لأنه شارك فيها، وأيضا الدولة ممثلة في الوزارة وغيرها من الجهات الأخرى، تعتبر هذه الاستراتيجية وثيقة وطنية لأنها أسهمت في إشراكها، فهذه المشاركة على الأقل في إعداد النظرة بعيدة المدى للقطاع الصناعي من خلال هذه الشراكة هي نموذج قوي واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص. والاستراتيجية تطمح إلى التنمية الصناعية، والتنمية الصناعية في نهاية الأمر هي التي سيستثمر فيها القطاع الخاص هو أيضا من وضع أهدافها بمساندة من الدولة».