سيناريو تخفيف آثار تغير المناخ «450 جزءا في المليون» لـ «الطاقة الدولية»: ما له وما عليه (1من2)
في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الجاري صدر تقرير عن وكالة الطاقة الدولية International Energy Agency، تضمن التقرير مقارنة تفصيلية بين السيناريو المرجعي لتوقعات الطاقة للوكالة مع سيناريو آخر يفترض تفعيل الجهود العالمية المبذولة لتخفيف آثار تغير المناخ. هذه المقارنة هي جزء من توقعات الطاقة العالمية للوكالة الذي سيصدر خلال الشهر المقبل. لكن الوكالة الدولية للطاقة أصدرت هذا القسم بشأن تغير المناخ في وقت مبكر كمقتطف بعنوان «كيف يمكن أن يساهم قطاع الطاقة في اتفاقية المناخ في كوبنهاجن»، حيث سيجتمع الزعماء الدوليون في كانون الأول (ديسمبر) لهذا الغرض.
لكن بعض ما جاء في تقرير وكالة الطاقة الدولية أمر مشكوك فيه وبعيد عن الواقع كل البعد. كذلك لم يراع تقرير الوكالة الحيادية بشأن المسائل السياسية الأساسية في هذا الشأن. في هذه المقالة سنتطرق ونناقش بموضوعية أهم الجوانب التي تضمنها التقرير.
إن قطاع الطاقة هو محور تقرير الوكالة لتخفيف آثار تغير المناخ، حيث يمثل قطاع الطاقة ثلثي الانبعاثات. إن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يمثل أكثر من نصف (نحو 57 في المائة) الخفض في انبعاثات الكربون على المستوى العالمي في سيناريو 450 جزءا في المليون للوكالة (سيناريو تخفيف آثار تغير المناخ)، حيث الانبعاثات ستصل إلى 26.4 جيجا طن بحلول عام 2030، بانخفاض نسبته 13.8 جيجا طن عن «السيناريو المرجعي» للوكالة. مصادر الطاقة المتجددة من شأنها أن تسهم بنحو 20 في المائة، كما إن الطاقة النووية، واحتجاز الكربون وتخزينه والوقود الحيوي ستشكل النسبة الباقية.
إن وكالة الطاقة الدولية أعلنت بوضوح موقفها السياسي في هذا المقتطف ومنذ الجملة الأولى، حيث أشارت إلى أن «الطبعات السابقة لتقرير الوكالة عن توقعات الطاقة العالمية قد سلطت الضوء على كون الاتجاهات الحالية للطاقة غير مستدامة: بيئيا، اقتصاديا واجتماعيا، لذلك هناك حاجة ملحة للعمل من أجل إحداث نقلة عالمية للتكنولوجيات المنخفضة الكربون». في هذه الجملة وضعت الوكالة جانبا وتجاهلت أسئلة مشروعة حول حلول لتغير المناخ، ما جعل تحيزها في هذا الجانب واضحا للعيان.
توقعات السيناريو المرجعي لدراسة الوكالة أخذت بعين الاعتبار التباطؤ الاقتصادي والسياسات الحكومية التي اعتمدت في منتصف عام 2009 للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. في هذا السيناريو افترضت الوكالة عدم تنفيذ السياسات التي هي حاليا في قيد النظر فقط، أو الأهداف التي تجري مناقشتها حاليا ولكن لم يتم اعتمادها كسياسة بعد.
أما سيناريو تخفيف آثار تغير المناخ يفترض وضع وتنسق سياسات عالمية من شأنها أن تؤدي إلى استقرار التركيز في الغلاف الجوي لجميع الغازات الدفيئة عند 450 جزءا في المليون من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون بحلول عام 2050. في السيناريو المرجعي، التركيز يصل إلى ألف جزء في المليون. حيث تؤكد الوكالة إن التركيز الأقل من شأنه أن يسفر عن زيادة درجة الحرارة العالمية درجتين مئويتين فقط، لكن لم تحدد خط الأساس.
تقرير الوكالة سلط الضوء على توقعات الاستثمارات المطلوبة ضمن سيناريو تخفيف آثار تغير المناخ. حيث يفترض التقرير تنفيذ مجموعة من الحلول، بما في ذلك تحديد سقف ونظم مقايضة الأنبعاثات، في البلدان الصناعية والبلدان السريعة النمو، وتشمل المجموعة الثانية البرازيل والصين والشرق الأوسط، وروسيا وجنوب إفريقيا. كذلك يفترض التقرير أن هناك بلدان أخرى ستسعى لمعالجة تغير المناخ، ولكن ليس عبر تحديد سقف ونظم مقايضة الانبعاثات.
ويرى تقرير الوكالة أن المحور الأساس لسياسة تغير المناخ والطاقة النظيفة العالمي ينبغي أن يركز على ثلاث فرص أو أهداف: الإسراع في نشر الطاقة النظيفة وإزالة الكربون من نظام الطاقة العالمي، تحسين كثافة الطاقة للاقتصادات الوطنية، وتوفير التمويل والتكنولوجيا اللازمة لدعم النمو الاقتصادي المستدام والنظيف في دول العالم النامية. من حيث المبدأ جميع هذه الأهداف تحسب لصالح الدراسة.
وفقا لسيناريو 450 جزءا في المليون، هناك حاجة إلى استثمار 10.5 تريليون دولار إضافية على مدى عقدين من الزمن، أو 500 مليار دولار سنويا، لسد الفجوة في الاستثمار وتسريع الابتكار وتحقيق طفرات في مجال تكنولوجيات الطاقة النظيفة. هذه التوصية تستند إلى حجم التحدي التكنولوجيا الذي يتطلب أن تمثل طاقة الرياح «وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة» نحو 1800 جيجا واط من حجم قدرة توليد الكهرباء وباقي مصادر الطاقة منخفضة الكربون تمثل نحو أربعة آلاف جيجا واط بحلول عام 2030، ارتفاعا من أقل من 250 جيجا واط ونحو 1300 جيجا واط من قدرة توليد الكهرباء على التوالي، في سنة الأساس 2007. في المجموع، الطاقة المنخفضة الكربون (بما فيها الطاقة النووية والمائية) تتطلب نحو 6.6 تريليون دولار من الاستثمارات في الفترة بين عامي 2010 و2030، 72 في المائة من تلك الأموال ستصرف على توليد الطاقة المتجددة.
إن الاستثمارات المطلوبة من قبل الحكومات في هذا الجانب ليست هي نفسها الاستثمارات التي تتم لأسباب اقتصادية بحتة حيث إنه، إذا كانت الاستثمارات اللازمة ضمن سيناريو تخفيف آثار تغير المناخ من المتوقع أن تكون تنافسية من الناحية الاقتصادية ولها المستوى نفسه من عدم اليقين مثل مثيلاتها الاقتصادية، في هذه الحالة لا تحتاج الحكومات إلى استحضار سياسات خاصة لتوفيرها. لكن الأموال المستثمرة لتلبية متطلبات تغير المناخ والتخفيف من آثارها هي في الواقع أموال سوف لن تستثمر في أماكن أخرى لتحقيق عوائد مجزية. نعم، الأموال المستثمرة لتلبية متطلبات تغير المناخ والتخفيف من آثارها يمكن أن تسفر عن بعض العوائد على حد قول الوكالة، لكن من السهل جدا أن نبالغ في تقدير هذه العائدات قبل وقوعها. على سبيل المثال تقرير الوكالة يؤكد أن التوفير في استهلاك الطاقة من شأنه أن يعوض عن 8.3 تريليون دولار من الاستثمارات الإضافية على مدى 20 عاما في المباني، الصناعة والنقل. لكن من دون دفع الحكومات، من المستثمرين من شأنه أن يخاطر كثيرا في رأس المال على ضوء هذا الاقتراح فقط؟