مطالب بإنشاء هيئة للمثمنين العقاريين.. وبرامج لتأهيل المتخصصين
طالب عدد من العقاريين والمثمنين المتخصصين بإنشاء هيئة للمقيمين والمثمنين العقاريين على غرار هيئة المحاسبين القانونيين، نظراً لأهمية مهنة التثمين وتأثيراتها في القطاعين العقاري والتمويلي، الأمر الذي يؤدي إلى تنظيم المهنة والرفع من كفاءة المنتسبين لها، وأن تقوم الجامعات بتبني مراكز دراسات متخصصة في التثمين العقاري مع بحث إمكانية طرح برامج أكاديمية لتأهيل متخصصين في تقييم وتثمين الأصول العقارية.
جاء ذلك خلال توصيات خرجت بها ندوة «التثمين العقاري» التي نظمتها الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والأكاديمية العربية العقارية، وفي بداية الندوة التي عقدت صباح أمس، قدم الدكتور أحمد الخضيري والدكتور سليمان الغيث أستاذا الفقه والشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رؤية شرعية حول التثمين العقاري.
حيث قال في البداية الدكتور أحمد الخضيري إن موضوع التثمين العقاري له أهميته الكبيرة لشدة الحاجة إليه في الوقت الحاضر في كثير من المعاملات المالية، كما أن القاضي يحتاج إلى المثمن لكي يعطي رأيه في بعض القضايا التي يحتاج إلى القيام فيها بالتثمين، كما أن القاضي قد يستند إلى رأي المثمن عند إصدار الحكم.
وعرّف التثمين العقاري بأنه تقدير بدل نقدي عن كل عين أو منفعة لها أصل وقرار ثابت – كالأرض والدور ونحوها –.
وتطرق الخضيري إلى المجالات التي يدخلها التثمين العقاري ومنها: تثمين العقار لإخراج زكاة عروض التجارة، وتثمين العقار لضمانه في حالة الإتلاف، وتثمين العقار لإفراز بعض الحقوق عن بعض لإعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وتثمين العقار لنزع الملكية.
وأضاف: تكلم الفقهاء كثيراً عن كيفية اختيار المثمن وابتدائه عمله، فذكروا أن المثمن يتم تعيينه إما من قبل الحاكم، وإما أن يكون من قبل غيره ممن له علاقة بالأمر كالمتنازعين وقد يتولى الشخص تثمين ملكه بنفسه كما في تثمين عروض تجارته لإخراج زكاتها وذلك لأن الشخص مؤتمن على الزكاة. ولم يكن التثمين قديما يتخذ كمهنة مستقلة، بل كان يقوم به من يقدر عليه عند الحاجة إليه.
وتابع «في العصر الحاضر ومع اتساع الأعمال العقارية وتطور معاملات الناس اتسعت مجالات التثمين العقاري، ودعت الحاجة إلى أن ينظم عمل التثمين العقاري، ويضبط بإجراءات محددة، فأصبح الآن مهنة لها أصولها وقواعدها، وتقام لها الدورات المتخصصة لتأهيل القائمين بها».
ورأى الخضيري أن التأمين على التثمين لا مانع منه شرعاً إذا كان بعيداً عن المحظورات الشرعية. وقال إن هناك خلافاً بين الفقهاء في عدد المثمنين فمنهم من قال لا يقل عدد المثمنين عن اثنين ومنهم من يكتفي بمثمن واحد.
من جانبه، يقول الدكتور سليمان الغيث أستاذ الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إن المثمن ينبغي أن يكتسب خبرته بالممارسة، وهناك عوامل تؤثر في تثمين العقار، من بينها موقع العقار والمكان الجغرافي للعقار ونسبة الازدحام السكاني والمساحة وطولها على الشارع وسهولة إيصال المرافق العامة والخدمات إليها والعائد الإيجاري ونوعية النشاط المرخص به ونوعية السكان.
وقال: إن أهم ما يرجع له القاضي في التثمين هو تثمين بيع وشراء نصيب قاصر، حيث يرفع القاضي إلى هيئة النظر في المحكمة والتي تضم مثمنين عقاريين بوجود بائع أو مشتر لعقار القاصر ثم بعد أن يقول المثمن إن سعر الأرض مناسب ويحفظ حق القاصر يقوم القاضي بالرفع إلى هيئة التمييز للموافقة عليه، وهذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً ما يجعل المشتري يتوقف أحياناً عن الشراء.
إلى جانب ذلك قال عماد جودة شراب مثمن عقاري ومدير عام الأكاديمية العربية العقارية إن الصناعة العقارية منطلق للتنمية المستدامة، وتتم التنمية المستدامة من خلال أولاً التنمية المكانية (العقارية)، وهي ما يحدثه الإنسان من إعمار وتخطيط للأرض لغرض منافعه الحياتية اليومية، وثانياً التنمية الاقتصادية: وهي ما يحدثه الإنسان من تخصيص للأرض لخدمة أنشطته الاقتصادية على اختلافها. وثالثاً التنمية الاجتماعية (الثقافية): وهي ما يستهدفه الإنسان من سلوكيات وممارسات تكون محط رغبة وتحبب من الغير.
مؤكداً أن العقار يعد أحد مكونات الناتج القومي لأنه منتجات معمرة أصبح من السهل تصدير الانتفاع بها وليس عينها، لذلك ينبغي علينا زيادة التنوع والكمية في المنتجات العقارية على اختلافها السكنية والتجارية والإدارية والصناعية والزراعية، وتحسين نوعية وجودة الوحدات العقارية، وتوفير التشريعات والضمانات القانونية لوثائق التملك والحيازة وتطوير إجراءات التبادلات التجارية على المنتجات العقارية وتطوير إجراءات التوثيق والملكية (التسجيل العيني العقاري)، ووضع وتطوير مفاهيم ومعايير الممارسات العقارية ومنها التثمين العقاري والرفع من كفاءة وتأهيل العاملين في الصناعة العقارية.
وقال مدير عام الأكاديمية العربية العقارية: تطورت أعمال التثمين في الدول المتقدمة خلال القرن الـ 20 بشكل عام وذلك مع التطور الموازي للتنظيم المهني والمؤسسي في القطاعات المالية (المصارف، التأمين، العقارات) وكانت الولايات المتحدة أبرز دول العالم في التنظيم المهني لأعمال التثمين وذلك جراء أزمة القروض والادخار في أواخر الثمانينيات مما نتج عنها صدور قانون دعم وإنعاش وإصلاح المؤسسات المالية الفيدرالية في 1989.
وأوضح أن نشاط التثمين العقاري ذو طبيعة مهنية واحتراف شخصي. فالمادتان الأولى والثانية من لائحة تنظيم المكاتب العقارية ركزتا على اعتبارات الثقة والأمانة والتخصص كمنطلق لممارسة المهنة، كما أن التثمين هو عمل ذهني يختص به الإنسان، ولكل فرد قدراته الذهنية الخاصة، ولذلك فإن تنفيذ مهام التثمين يتطلب مهارات وسلوكيات إنسانية لا تتحقق إلا بتوافر أشخاص قادرين ومختصين.
من جانبه، يرى الدكتور عبدالله الفايز مستشار التخطيط العمراني أن التثمين العقاري يعد أحد أهم الأسس الاقتصادية لمعرفة قيمة وثمن الممتلكات، ومنه يمكن معرفة القيمة الاقتصادية لمعظم مركبات الاقتصاد، وتكمن أهميته في موضوع البحث عن قيمة الممتلكات لمعرفة نصيب الزكاة في المجتمعات الإسلامية وكذلك قيمة الضرائب، فهي من أهم الأسس للاقتصاد الغربي. حيث إن له قيمته وأهميته كأساس في احتساب القيمة الأساسية للممتلكات سواء لعمليات التمويل أو دراسات الجدوى الاقتصادية، فإنه له آثاره الإيجابية على المجتمع. كما أن له آثاره السلبية إذا ما تم تقنينه ووضع الأسس التي تضمن عدالته في التقييم.
وأضاف الفايز: يعد التثمين والتقييم العقاري أحد أهم الأساسيات لنظام الرهن العقاري ولإتمام صفقة الرهن وتحديد قيمته، فهي الأداة التي تعتمد عليها المؤسسات الاقتصادية في معظم دول العالم لمعرفة القيمة الفعلية والوقتية لكثير من المنتجات العقارية، وهي عادة ما تكون تحت إشراف هيئة أو جهة إشرافية ورقابية ممثلة في أعضاء من الدولة أو المؤسسات المدنية الرسمية والقطاع الخاص مثل هيئة ممارسي مهنة التقييم في الولايات المتحدة USPAP.
وحيث أن الرهن العقاري حدث كبير سيكون له تأثيره في سوق العقار في المملكة وسيساعد على عودة رؤوس الأموال المهاجرة كما سيساعد على جذب استثمارات خارجية، لذلك فإن موضوع آثار الثمين العقاري لا يقل أهمية عنه، هذا إذا أخدنا في الاعتبار توجه الدولة لتوفير البيئة القانونية والمناخ الاستثماري الذي يحفظ حقوق الجميع.
وأكد الفايز أنه لن يكتب لنظام الرهن العقاري النجاح إذا لم يتم تنظيم عملية التثمين والتقييم العقاري التي ما زالت تمارس بطريقة غير مهنية ومن جهات غير مؤهلة أو مرخصة، ولذلك فإنه لابد من النظر في تأسيس هيئة منظمة ورقابية لتأهيل مهنة التثمين والتقييم العقاري.
وفي العالم العربي لا تخضع هذه العملية إلى أي نوع من العمل المهني وإنما هي اجتهادات شخصية تختلف من أفراد لديهم خبرة إلى مؤسسات داخل المدينة وحتى على مستوى الدولة الواحدة.
وقال من المفروض أن يقوم بمهنة التثمين والتقييم العقاري أناس مشهود لهم بالخبرة المتراكمة ومعرفة السوق إلا أن بعض الدخلاء يتلاعبون بالأنظمة التي تمارس بطريقة خاطئة تشوه وتزعزع ثقة المواطنين والمؤسسات بصحتها، وبالتالي تترك آثارها في المجتمع والصناعة المالية والاستثمارية وعلى منتجات السوق العقاري والمالي، وتسببت هذه الممارسات من قبل فئة قليلة خلال السبعينيات الميلادية في المملكة في توقيف الرهن العقاري.
وفي الإطار ذاته، تطرق المهندس إبراهيم الحصن مدير التسويق في الشركة السعودية لتقييم وتثمين الأصول «تثمين» إلى أغراض التقييم العقاري، مشيراً إلى أن للتقييم أغراضاُ متعددة منها قسمة وتصفية التركات والتحكيم في المنازعات وتخصيص المؤسسات الحكومية وإعداد التقارير المالية والميزانيات وتحديد الاستخدام الأمثل للأصل.
وعدد الحصن مجموعة من العوامل المؤثرة في سعر العقار يأتي في مقدمتها الموقع وقلة توافر المعلومات، حيث يجب الوصول إلى الكثير من المعلومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحالة البيئة لأي منطقة للتوصل لتحليل مناسب لسعر العقار في تلك المنطقة، إضافة إلى تكلفة التمويل وهي نسبة الفائدة من التمويل المدفوعة على القرض العقاري، وكلما ارتفعت تكلفة التمويل قل الطلب والعكس صحيح.
وعدد الحصن مجموعة من الآثار العامة للتثمين العقارية، منها أنه يؤدي إلى الوصول نحو منظومة عمرانية متكاملة للإدارة العمرانية من خلال معرفة قيمة عادلة للأراضي والممتلكات، ومردوده كبير للتوازن من قيمة الأرض بالنسبة لقيمة العقار وساعد على نجاح المنظومة وانتشار رؤوس أموال في أنشطة غير حفظ المال بالأرض وأنه أساس الاقتصاد العمراني كمدخل لإعادة تنظيم وإدارة قيم الأراضي، وتوفير التوازن بين العرض والطلب، كما يساعد على نمو اقتصاديات الاستثمار في الأنشطة الأخرى مثل الاستثمار السياحي وتوفير فرص عمل وأسعار في متناول مستويات مختلفة، وبالإضافة إلى ذلك فإن التثمين العقاري يعد وسيلة للقضاء على عشوائية الأسعار والحد من المضاربات الوهمية، وهو أساس لتنظيم سوق العقار ومحاولة السيطرة على التلاعب بالأسعار من قبل المضاربين، ويخلق نوعاً من التوازن في العرض والطلب وهو أساس عملية دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية ويلعب دورا رئيسيا في عملية الاقتراض من المؤسسات المالية كالبنوك وشركات التمويل العقاري، ويسهم في تطوير ومعرفة حجم الميزانيات المطلوبة لعملية تطوير وتخطيط المدن، وفض المنازعات في المحاكم الشرعية وديوان المظالم، وهو مهم لتحديد رسوم الزكاة المتعلقة بالعقار.