الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD
في الأسبوع الماضي صدر تقرير عن المجلس البريطاني لأبحاث الطاقة ناقش موضوع ذروة الاحتياطيات والإنتاج وبداية نضوب النفط واحتمال حصول شح في إمدادات النفط العالمية. وقد حذر التقرير من بلوغ الإنتاج التقليدي للنفط أعلى مستوى ممكن له، ومن المحتمل أن يبدأ بالانخفاض بحلول عام 2020، كما أشار التقرير إلى أن عهد النفط زهيد الثمن بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة. في هذه المقالة لست بصدد مناقشة هذا الموضوع، حيث تمت مناقشته في مقالات سابقة، لكن سأتوقف عند الفقرات التالية التي حذر منها التقرير:
“الخطر الذي يمثله نضوب النفط في العالم يستحق اهتماما أكبر مما توليه الآن مراكز الأبحاث وواضعو السياسات” و”أن معظم الحكومات بما فيها الحكومة البريطانية لا ينم عنها القلق حول نضوب النفط”، ويقصد التقرير هنا بصورة خاصة حكومات بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
إن السبب وراء عدم اكتراث معظم حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بقرب نضوب النفط هو بسيط جدا، ويعود إلى وصول الطلب على النفط فيها إلى ذروته ومنذ سنوات عديدة، حسب معظم الدراسات أن الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصل ذروته في عام 2005. كما أن هذه الدول بدأت منذ زمن تطبيق سياسات خاصة لتقليل الاعتماد على النفط والبحث عن بدائل وخصوصا في قطاع النقل والمواصلات.
إن جميع الأزمات التي شهدها العالم منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كانت جميعها أزمة طلب على النفط، أي تراجع الطلب العالمي على النفط عن مستوياته السابقة والمتوقعة، لم تكن أي منها أزمة إمدادات.
قبل 30 عاما مثلا، وسط ارتفاع أسعار النفط وركود حاد في الاقتصاد العالمي، تراجع الطلب على النفط تراجعا حادا في الدول الصناعية المتقدمة، حيث إن الطلب على النفط في البلدان المنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية انخفض 7.5 مليون برميل يوميا بين عامي 1979 و1983. ولكن بعد ذلك عاد الطلب على النفط إلى النمو من جديد، بحلول عام 1994، الطلب على النفط في منظمة التعاون والتنمية تجاوز المستوى القياسي السابق الذي تم التوصل إليه في عام 1979. الكساد الكبير الذي شهده العالم في الوقت الحاضر أدى إلى انكماش آخر حاد في الطلب العالمي على النفط، وخاصة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تحملت العبء الأكبر من هذه الأزمة الاقتصادية، على النقيض من الأزمة السابقة التي شهدها العالم في نهاية القرن الماضي. ولكن التباطؤ الاقتصادي الحالي أخفى الاتجاه العام في الطلب على النفط في هذه الدول. في الواقع، الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية تراجع منذ الربع الأخير من عام 2005، قبل وقت طويل من بدء الكساد الحالي، علاوة على ذلك، الطلب على النفط من خارج قطاع النقل كان ثابتا نسبيا منذ عام 1980. حيث إن منافسة الغاز الطبيعي والطاقة النووية والفحم، والطاقة المتجددة خفف من الطلب على النفط في غير قطاع النقل والمواصلات.
الطلب العالمي على النفط، بما في ذلك الطلب في منظمة التعاون والتنمية، سينمو مرة أخرى بمجرد تحول العالم من الركود إلى الانتعاش، لكن من غير المحتمل أن جميع الطلب الذي فقد في منظمة التعاون والتنمية خلال فترة الكساد الحالية سيعود، حتى على المدى الطويل. في الواقع، عام 2005 من المرجح أن يشكل سنة ذروة الطلب على النفط في منظمة التعاون والتنمية، كما أسلفنا.
هذا الركود في نمو الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يسلط الضوء على عديد من التغيرات الهيكلية في الطلب على النفط في هذه البلدان، بما في ذلك وصول اقتصاداتها إلى مرحلة النضج وضعف فرص تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، العمل على استبدال مصادر النفط التقليدية بمصادر الطاقة المتجددة، تباطؤ وتيرة النمو في استهلاك وقود النقل، وضع سياسات صارمة لترشيد استهلاك الطاقة والاهتمام المتزايد بقضايا أمن الإمدادات، وضعف معدلات النمو السكاني.
حيث إن النمو السكاني في معظم البلدان المتقدمة يزداد ببطء شديد جدا أو حتى ينخفض، كما أن نسب معدلات كبار السن في تزايد أيضا. هذا يعني أن الطلب على التنقل وصل إلى ذروته. مع ارتفاع مستويات الدخل في دول منظمة التعاون والتنمية، معدلات ملكية السيارات قد وصلت إلى ذروتها هي أيضا، وأي زيادة أخرى في أسطول المركبات غير محتمل. كما أن النمو الحضري وزيادة الوعي البيئي لدى المستهلكين يمكن أن يؤدي هو الآخر إلى خفض معدلات ملكية السيارات.
الدفع الحكومي والشعبي القوي لتحسين كفاءة معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود في قطاع السيارات، حيث إن القلق بشأن أمن إمدادات الطاقة ومبادرات تغير المناخ للحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري حفزت حكومات دول منظمة التعاون والتنمية على تشديد معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للسيارات الخفيفة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة على مدى السنوات القليلة الماضية دفعت الصناعة والمستهلكين في جميع دول المنظمة لزيادة الكفاءة بغض النظر عن سياسة الحكومات.
التوسع في استخدام أنواع الوقود البديلة وتطوير تقنيات جديدة للسيارات، حيث تسعى الحكومات في جميع دول المنظمة لوضع قوانين في صالح زيادة حصة أنواع الوقود البديلة في قطاع النقل، خصوصا الوقود الحيوي.
جميع هذه السياسات للحد من نمو الطلب على النفط كانت واضحة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث شهدت تغيرا في سلوكيات المستهلك في هذا المجال. حيث إن الطلب على البنزين في الولايات المتحدة، وهو يمثل نحو 50 في المائة من الطلب على النفط في الولايات المتحدة بلغ ذروته في عام 2007. كما أن النمو في إنتاج الإيثانول والتصديق أخيرا على قانون لتحسين معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للمركبات الخفيفة سيساعد في هذا الاتجاه، حيث إن هذا القانون سيعمل على خفض وتيرة استهلاك النفط نتيجة دخول أسطول من المركبات أكثر كفاءة خلال العقد المقبل. في أوروبا انخفاض معدلات النمو السكاني وارتفاع كثافة المركبات حاليا، من الطبيعي أن يبطئ معدل النمو في ملكية السيارة. إضافة إلى ذلك استمرار التحول إلى مركبات أكثر فاعلية تعمل بوقود الديزل، سيساعد على الحد من استهلاك الوقود للميل الواحد. في الوقت نفسه، سياسات الحكومات تهدف بصورة متزايدة الآن إلى الحد من استخدام الطرق وذلك عن طريق تحسين النقل العام أو من خلال وضع ضوابط على حركة المركبات داخل مراكز المدن. كما أن استمرار انتقال عديد من الصناعات المستهلكة بكثافة للطاقة (مثل البتروكيماويات، الحديد والصلب وغيرها) من أوروبا إلى الدول الناشئة، كذلك سيساعد على الحد من استهلاك النفط ومنتجاته. في اليابان، الطلب على النفط وصل ذروته منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وبدأ بعد ذلك بالانخفاض تدرجيا. الطلب على النفط في كوريا الجنوبية وصل ذروته أيضا منذ نحو عشر سنوات وبقي بعد ذلك مستقرا. إذن ذروة الطلب على النفط هو حقيقة الآن، حيث إن الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد وصل ذروته بالفعل، لكن نهاية عصر النفط في هذه الاقتصادات الكبيرة لا يكاد يكون وشيكا، حيث إن بلدان منظمة التعاون والتنمية ستظل تعتمد على النفط حتى عام 2030.
لذلك معظم حكومات بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما فيها الحكومة البريطانية لا ينم عنها القلق حول نضوب النفط، ذلك لأنهم بالفعل ماضون منذ زمن قدما في سياسات تقليل الاعتماد على النفط في المستقبل.