ثور في متجر للخزف الصيني

ثور في متجر للخزف الصيني

في أوائل هذا العام، حذّر عديد من مراقبي الصين أن حوافز الحكومة ليست كافية لإنقاذ الاقتصاد من الركود العميق. وقد غيروا رأيهم الآن بسرعة كبيرة نحو القلق من أن تكون السياسات المتراخية بصورة مفرطة أوجدت فقاعة هائلة في أسعار الأسهم والمنازل.
من المرجح أن تظهر الأرقام التي من المقرر أن تصدر في وقت لاحق من هذا الشهر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين زاد بنسبة تقارب 9 في المائة خلال العام حتى الربع الثالث ـ الفترة التي انخفض فيها الناتج في معظم الاقتصادات الأخرى على الأرجح. وقد حذرت سلسلة من التقارير أخيرا أن الأسواق ستنهار عاجلا أم آجلا، وأن الإفراط في الاقتراض والاستثمار سيؤدي إلى زيادة الديون السيئة للبنوك، وأن نمو الصين سيتوقف.
وإذا لم تتصرف الحكومة قريبا لتشديد السيولة، ستصبح أسعار الأسهم والمنازل مقدرة بأكثر من قيمتها بكثير، ولكن من المبكر جدا استخدام كلمة الفقاعة، فلنبدأ بسوق الأوراق المالية في الصين، التي وصفها Andy Xie، الاقتصادي المستقل، أنها ''مخطط بونزي عملاق''. وعلى الرغم من تراجعه أخيرا، إلا أن مؤشر الأسهم الممتازة في شنغهاي لا يزال مرتفعا بأكثر من 60 في المائة منذ بلوغه أدنى مستوى في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. إلا أن هذا ليس سوى جزء بسيط من المكاسب خلال الفقاعة السابقة في الصين عامي 2006 و2007، حين قفزت مكررات الربحية إلى 70. واليوم تبلغ مكررات الربحية 24. وهي نسبة عالية مقارنة بالأسواق المتقدمة، ولكنها أقل من المتوسط طويل الأجل للصين البالغ 37. وتعني وتيرة النمو الأسرع في الصين أيضا أن التوقعات لأرباح الشركات أكثر تفاؤلا من أي مكان آخر. وقد بدأت بالانتعاش فعلا: خلال الأشهر الثلاثة حتى آب (أغسطس)، كانت الأرباح الصناعية أعلى بنسبة 7 في المائة عنها قبل عام، بعد أن انخفضت بنسبة 37 في المائة خلال العام حتى شباط (فبراير).
والفقاعة الثانية المشتبه فيها هي سوق الإسكان، فمتوسط أسعار المنازل الصينية أعلى بتسعة أضعاف عن الدخل السنوي للأسر.
في العالم الغني، تعد نسبة أعلى من أربعة مثيرة للقلق؛ وفي الدول الآسيوية الأخرى، تكون الأسعار عادة أعلى بنسبة 5 و7 أضعاف من الدخل. وقد زاد حجم مبيعات العقارات بنسبة 85 في المائة خلال العام الماضي وارتفعت منازل الشقق الجديدة في شنغهاي بنسبة تقارب 30 في المائة. ويستنتج البعض أن الأسعار مدفوعة بالإقراض المتهور من قبل البنوك وأن السوق معرضة لخطر الانهيار.
مع ذلك، ارتفع متوسط أسعار المنازل على الصعيد الوطني بنسبة 2 في المائة فقط خلال العام الماضي، بعد أن انخفض عام 2008. وربما يقلل مؤشر الأسعار الرسمي من معدل الكسب الحقيقي، إلا أن أرقام وسط شنغهاي ستبالغ به. وعلى أية حال، لا ترتفع أسعار المنازل بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها خلال فترة الازدهار السابقة في الأعوام بين 2004 و2007. وبالنسبة إلى الدخل، انخفض متوسط أسعار المنازل في الصين بصورة طفيفة خلال العقد الماضي (مع أنه ارتفع في بعض المدن الكبيرة).
يقول Arthur Kroeber، وهو اقتصادي في شركة Dragonomics للأبحاث في بكين، إن الإعانات الخفية قد تفسر جزئيا مستوى الأسعار المرتفع بالنسبة للدخل. وتعيش نسبة كبيرة من الأسر في شقق تم شراؤها بأقل بكثير من قيمتها من الحكومة قبل عقد من الزمن (حين تمت خصخصة سوق الإسكان) أو انتقلوا إلى شقق أفضل تمكنوا من دفع ثمنها من بيع مثل هذه العقارات. وقد جاءت هذه القفزة في مبيعات العقارات بعد ركود عميق العام الماضي بعد أن خففت الحكومة عن عمد نشاط السوق. وكان مستوى الصفقات في آب (أغسطس) أقل من نصف مستواها عام 2005 أو 2006. والأهم من ذلك هو أن سوق الإسكان الصينية أقل اعتمادا بكثير على الائتمان من أسواق الإسكان في دول مثل أمريكا، وبالتالي فإن اقتصادها سيكون أقل عرضة لأي انخفاض حاد في الأسعار. وتشير تقديرات Andy Rothman، وهو اقتصادي في CLSA للسمسرة، أن نسبة الربع فقط من أصحاب المنازل من الطبقة الوسطى أخذوا قروضا عقارية وأن متوسط قرضهم يبلغ 46 في المائة فقط من قيمة العقار، مقارنة بنسبة 76 في المائة في أمريكا. ويجب على أصحاب المنازل وضع وديعة بحد أدنى يبلغ 20 في المائة، ولكن يجب على المضاربين الذين يشترون العقارات كاستثمارات وضع وديعة بحد أدنى 40 في المائة.
إن ارتفاع أسعار المنازل ليس نتيجة عرضية لتخفيف الحكومة، بل أحد أهدافه، فالحكومة تحتاج إلى سوق إسكان نشطة لدعم الاقتصاد حين تتضاءل حوافزها المالية. وهي توجد الكثير من الوظائف، وتحفز استثمار القطاع الخاص في البناء، وتشجع مشتري المنازل الجدد على إنفاق المزيد من المال على الأثاث والسلع الكهربائية. وحتى وقت قريب، كان انتعاش الصين مدفوعا إلى حد كبير بالإنفاق الحكومي، ولكن بفضل انتعاش البناء، ارتفع استثمار القطاع الخاص بنسبة 30 في المائة خلال العام حتى آب (أغسطس)، أي ضعف معدل النمو في كانون الأول (ديسمبر). ولكن حتى لو كانت أسواق الأوراق المالية وأسواق الإسكان في الصين لا تبدو مقدّرة بأكثر من قيمتها الآن، فإن هناك خطرا واضحا أن تصبح كذلك. ويشير Mingchun Sun، وهو اقتصادي في Nomura، إلى بعض الاختلافات الكبيرة بين عمليات بيع الأسهم الأخيرة والعملية السابقة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، فقد كان التضخم حينها 6.9 في المائة وفي ارتفاع، لذا اضطر صناع السياسة إلى الضغط على المكابح النقدية. وتنخفض الأسعار الاستهلاكية اليوم. في عام 2007 كانت السيولة ضيقة، وكان مقياس M2 للعرض النقدي ينمو بصورة أبطأ من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. واليوم تنمو السيولة الفائضة (نمو المال ناقص نمو الناتج المحلي الإجمالي) بأسرع وتيرة لها على الإطلاق. وتعد البيئة التي ينخفض فيها التضخم وتتوافر فيها كميات كبيرة من السيولة وتتمتع بنمو قوي, البيئة المثالية لتضخم أسعار الأصول. ويستنتج Sun أن فقاعات الأسهم والإسكان لا مفر منها، وقد تكون أكبر حجما من الفقاعات عام 2007.
والخطر الثالث المزعوم الذي يهدد انتعاش الصين هو فرط الاستثمار. ويُقال على نطاق واسع إن ازدهار الاستثمار في الآونة الأخيرة أدى إلى تفاقم فرط القدرة الإنتاجية في الصين، ما من شأنه تخفيض العائد على رأس المال وفي النهاية تخفيض معدل النمو. إلا أن التحليل الذي أجرته شركة BCA Research الكندية للأبحاث لم يجد كثيرا من الأدلة على وجود استثمار مفرط غير فاعل حتى الآن.
ويعد المعدل المتزايد لرأس المال - الناتج أحد مقاييس كفاءة رأس المال وهو الاستثمارات اللازمة لتوليد وحدة إنتاج إضافية (أي الاستثمار السنوي مقسوما على الزيادة السنوية في الناتج المحلي الإجمالي). وكلما زاد المعدل المتزايد لرأس المال ـ الناتج قلت كفاءة الاستثمار. ويعد المعدل المتزايد لرأس المال ـ الناتج في الصين مستقرا إلى حد ما خلال الثلاثة عقود الماضية. وسيرتفع هذا العام بسبب زيادة الاستثمار وتباطؤ النمو، إلا أن المعدل المتزايد لرأس المال ـ الناتج لا معنى له في فترات الركود، فعلى سبيل المثال، المعدل المتزايد لرأس المال ـ الناتج لأمريكا سيكون لا نهائيا بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي. وبشكل عام، وجدت BCA أن المعدل المتزايد لرأس المال ـ الناتج للصين أقل منه في عديد من الدول الأخرى، ما يشير إلى أن إنفاقها الرأسمالي أكثر كفاءة، وليس أقل كفاءة.
ولكن ماذا عن الازدهار الاستثماري الموجه من قبل الدولة هذا العام؟ الخبر السار هو أن القليل فقط من الاستثمارات الجديدة ذهبت إلى الصناعات التي لديها بالفعل فائض العرض، مثل الفولاذ. وقد ذهب ثلاثة أخماس الإقراض الجديد هذا العام إلى مشاريع البنية التحتية. ولا شك أنه سيتم تبديد بعض هذه الأموال, وأن القروض غير العاملة للبنوك ستزيد في السنوات المقبلة مع استحقاق المدفوعات، ولكن من المفترض أن تساعد الكثير من مشاريع البنية التحتية الجديدة، خاصة سكك الحديد والطرق، على تحسين الإنتاجية المستقبلية.
أما بالنسبة للإقراض المصرفي، الذي نما بمعدل 34 في المائة خلال العام حتى آب (أغسطس)، فقد أشارت الحكومة مرارا إلى أنها ستواصل السياسة النقدية المتساهلة لأنها لا تزال تشعر بالقلق من استدامة الانتعاش، ولكنها تحاول أيضا الحد من تجاوزات المضاربة وتشديد الرقابة المصرفية. وقد شددت هيئة التنظيم المصرفي القواعد على القروض العقارية للعقارات الاستثمارية هذا الصيف، وطلبت من البنوك رفع نسب رأس المال إلى 10 في المائة والاحتفاظ باحتياطات تساوي 150 في المائة من خسائر القروض المتوقعة بحلول نهاية هذا العام. ولا تعاني الصين بعد فقاعات خطرة في الإسكان والأسهم من شأنها أن تهدد انتعاشها. في الواقع، سيساعد ارتفاع أسعار الأصول على زيادة الإنفاق الاستهلاكي خلال العام المقبل، ما سيساعد بدوره على توسيع نطاق الانتعاش في الصين، ولكن للحد من خطر أن تبدأ الصين بتضخيم أكبر فقاعة على الإطلاق، فإن على الحكومة الحد من السيولة المفرطة. وهذا يعني السماح لليوان بالارتفاع. وبما أنه من المرجح أن تظل أسعار الفائدة قريبة من الصفر في أمريكا لبعض الوقت، لا تستطيع الصين تشديد أسعارها بصورة كبيرة إلا إذا سمحت لعملتها بالارتفاع. وإذا كان نمو الصين قد انفصل عن أمريكا، فيجب إذن أن تنفصل أيضا سياستها النقدية

الأكثر قراءة