استيقظي يا أوروبا
في كل أنحاء دبلن تم تعليق لوحات على أعمدة الإنارة تصور امرأة لطيفة الشكل تبتسم للمارة، مع كتابة تقول: ''الأمر بسيط، أنا أكثر أمانا في أوروبا''. إلا أن علاقة الأمان الذي تشعر به في معاهدة لشبونة ـ سلسلة من التغييرات التقنية المهمة لكتاب القواعد الداخلية للاتحاد الأوروبي - أقل وضوحا من التهديد المبطن، أي أن شركاء آيرلندا الأوروبيين ليسوا في مزاج للتسامح مع عرض آخر للمعارضة، بعد 15 شهرا فقط من المعارضة الأولى.
ولمّح المدافعون عن لشبونة أنه سيتم طرد آيرلندا من التيار الأوروبي إذا صوّتت بالرفض ثانية. ولمّح قادة الأعمال إلى أن الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات لن تتعامل مع شركات آيرلندا (بغض النظر عن أن بريطانيا المتشككة بالاتحاد الأوروبي من أفضل دول الاتحاد الأوروبي في اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر), وكان لهذه التهديدات تأثيرها, ففي الثاني من تشرين الأول (أكتوبر)، غير الناخبون الآيرلنديون رأيهم وصوّتوا بالموافقة بنسبة 67 في المائة إلى 33 في المائة. ويأمل مؤيدو المعاهدة الآن أن تدخل إلى حيز النفاذ قبل نهاية هذا العام، إلا إذا عرقل المعارضون في الجمهورية التشيكية، بمن فيهم الرئيس فاتسلاف كلاوس، المصادقة عليها.
وفي يوم الاستفتاء في بلدة Swords بالقرب من دبلن، تحدث أولئك الذين جاءوا في الصباح المبكر عن أسباب تصويتهم, فالركود يلوح في الأفق كخطر كبير. وقالت إحدى السيدات التي تشعر بالقلق بشأن الوظائف: ''لا أعتقد أن لدينا خيارا آخر''. وقالت سيدة أخرى تعمل في شركة Intel الأمريكية لتصنيع رقاقات الكمبيوتر إنها صوّتت ''بنعم للاستثمار''، ولكي ''ينظر إليها باعتبارها جزءا من أوروبا''. وقالت أم شابة إنها تعتقد أن الآيرلنديين أخطأوا في التصويت عام 2008، لذا فهي ستصوّت بالموافقة - مع أنها أضافت أنه ليس من الديمقراطية أن يتم إبلاغ دولة ما أن ''تصوّت ثانية بصورة صحيحة'' كأنها ''طفل تم توبيخه''. وابتكر معسكر الرفض أساليبه الخاصة للتشويهات الحزبية، كما فعل المرة السابقة. فقد علقت إحدى الجماعات الكاثوليكية المحافظة لافتات تقول إن الحد الأدنى للأجور في آيرلندا سينخفض إلى 1.84 يورو (2.70 دولار) في الساعة إذا أصبحت معاهدة لشبونة قانونا: وهو ادعاء لا أساس له. واستغلت الجماعات اليسارية مخاوف الآيرلنديين القديمة المتعلقة بالحيادية العسكرية، ملمحة أن لشبونة ربما تمهد الطريق أمام التجنيد في الجيش الأوروبي. ونجحت هذه الكذبة أيضا، فقد قال شاب في مركز اقتراع بالقرب من شارع أوكونيل في دبلن إنه صوّت بالرفض ''لأنهم سيرسلون الأطفال إلى الحرب وما إلى ذلك''.
ولكي نكون منصفين، كان أحد الاختلافات الواضحة بين الاستفتاءين الآيرلنديين الأول والثاني هو مستوى المعرفة التي أبداها الناخبون الآيرلنديون فيما يتعلق بالمعاهدة, ففي عام 2008، كان معهم حق في شكواهم من أن قادتهم السياسيين المنتخبين قاموا بمهمة سيئة للغاية في شرح معاهدة لشبونة لهم. ولكن هذه المرة، قال عديد من الناخبين إنهم يؤيدون لشبونة لأنها ''تبسط'' و''تسهّل'' الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي، التي يجب أن ''تكون أفضل'' بعد توسيع الاتحاد ليشمل 27 عضوا.
ولا تزال آليات عمل الاتحاد الأوروبي غامضة حتى بالنسبة إلى الآيرلنديين المثقفين, فالمفوضية الأوروبية، هيئة الخدمة المدنية التي تم تحسينها لتقديم أفضل أداء، لها الحق الوحيد في اقتراح التشريعات. ويتم بعد ذلك اعتماد القوانين من قبل مجلس الوزراء، الذي يمثل الحكومات الوطنية. ويجب أن تتم الموافقة عليها في معظم الحالات أيضا من قبل البرلمان الأوروبي - ومن هنا تم ابتكار مصطلح ''القرار المشترك'' في بروكسل. وتتم تسوية النزاعات القانونية من قبل محكمة العدل الأوروبية.
المبرر الرئيس لمعاهدة لشبونة هو أن أوروبا أصبحت مشلولة تقريبا بسبب التوسع إلى 27 دولة، لأن الإجماع لا يزال يمثل غالبا القاعدة في المجلس. وهذا ما أدركه المشجعون في صحافة بروكسل والمؤسسات الفكرية. ولهذا السبب يدعمون بقوة لشبونة، التي سيصبح بموجبها التصويت بالأغلبية هو القاعدة في 50 مجالا للسياسات يتم اتخاذ قرار بشأنها الآن بالإجماع: خاصة في مجال الهجرة والعدالة الجنائية والقضائية وتعاون الشرطة، التي ستشرف عليها محكمة العدل الأوروبية للمرة الأولى.
إلا أن سعادة المؤسسة الأوروبية بتصويت الأغلبية ما هو إلا هراء يخدم المصالح الذاتية تماما مثل كثير من الأسباب التي يقدمها المصوتون بنعم والمصوتون بلا. فإذا أدت التوسعة فعلا إلى توحيد آليات عمل الاتحاد الأوروبي، يتوقع المرء أن يرى عددا كبيرا من الملفات الحيوية التي تم حجبها بالإجماع. ولكن لا وجود لمثل هذا المأزق. ففي الآونة الأخيرة، تمت الموافقة على مجموعة كبيرة من الأعمال، من حزمة الأهداف الملزمة للتغير المناخي إلى الجزء المهم من التشريعات حول التسجيل الآمن للمواد الكيماوية، وذلك بموجب القواعد الحالية ما قبل لشبونة. وتعامل الاتحاد الأوروبي مع الحرب القريبة منه (في جورجيا)، ومع أزمتي غاز في أوكرانيا، ومع الأزمة المالية العالمية، وفي كل حالة، كانت جودة استجابته تتعلق بالإرادة السياسية بين القادة الوطنيين أكثر مما تتعلق بتغيرات قواعد التصويت. وحلل عديد من الدراسات المتميزة آلاف الأجزاء من التشريعات، ووجدت أن تبني الاتحاد الأوروبي قواعد وتشريعات جديدة أصبح أسرع (أسرع بنسبة 25 في المائة، وفقا لإحدى الدراسات الأوروبية) منذ انضمام عديد من الدول, التي معظمها من الدول الشيوعية السابقة إلى النادي.
فرحة التصويت بالأغلبية
إذن لا بد أن هناك شيئا غير الكفاءة يفسر حماس مؤيدي معاهدة لشبونة لها. وتبرز هنا بعض الأمور الكبيرة. ينطوي الأول على التحرك نحو التصويت بالأغلبية. فالإشادة بذلك باعتباره ''فاعلا'' أو ''مبسطا'' هو تعبير لطيف، ناهيك عن أنه مخيف بعض الشيء (مجموعة غير منظمة تتخذ قرارات فاعلة، ولكن لا أحد يريد الأخذ بها). ويحب أنصار التكامل السياسي والاقتصادي الأعمق التصويت بالأغلبية لأنه يصعّب على الدول الأقل حماسا معارضة، أو إبطاء عملية التشريع. وليس السبب في ذلك هو كون الاتحاد الأوروبي على وشك البدء في عقد تصويت نتيجته غير مؤكدة، فالتحول من الإجماع إلى التصويت بالأغلبية تغيير سياسي كبير.
ولعل الاتحاد الأوروبي عبارة عن هيئة متعددة الجنسيات ترتبط معا من خلال قوانين ومعاهدات. ولكن في الواقع، تتفوق السياسة على التفاصيل القانونية حين تتفاوض الدول الأعضاء بين بعضها في المجلس. وقد تحدث المعسكر الرافض في آيرلندا عن فقدان آيرلندا ''وزن التصويت'' بموجب معاهدة لشبونة، التي تعدّل توزيع الأصوات التي تتمتع بها كل دولة وفقا لحجم سكانها بصورة وثيقة (لهذا أهمية أكبر بالنسبة إلى ألمانيا، التي تملك عددا قليلا من الأصوات بموجب القوانين الحالية). إلا أن مثل هذه الشكاوى لا تفهم النقطة الرئيسة. المجلس الذي تجتمع فيه الحكومات الوطنية نادرا ما يجري عمليات تصويت، حيث يفضل التوصل إلى إجماع. ومع ذلك، حين تتمتع الدول بحق النقض، يمكنها عدم المشاركة في المفاوضات؛ ومن ناحية أخرى، حين تعلم أنه يمكن من الناحية النظرية أن تتفوق عليها دول أخرى بسبب كثرة الأصوات، فهي تدخل المفاوضات وهي خائفة، حيث تعلم أنها قد تجد نفسها في النهاية معزولة. ويدفع هذا عادة الجميع للتوصل إلى تسوية، وإلى ''مزيد من أوروبا''.
ويرتبط هذا بالأمر الكبير الثاني الذي يشيد به المؤيدون بشأن لشبونة: زيادة كبيرة في عدد مجالات السياسة التي يملك فيها البرلمان الأوروبي نفوذا مساويا (أو مساويا تقريبا) للمجلس من خلال القرار المشترك. فإذا دخلت معاهدة لشبونة حيز التنفيذ، سيكون البرلمان مساويا للمجلس فيما يتعلق بمعظم تشريعات الاتحاد الأوروبي، حيث سيحصل على حقوق جديدة في الإعانات الزراعية ومصائد الأسماك واللجوء السياسي والهجرة مثلا. وسيكون لأعضاء البرلمان الأوروبي أيضا نفوذ أكبر فيما يتعلق بميزانية الاتحاد الأوروبي، ويتبقى للحكومات الوطنية عدد قليل من المجالات مثل الضرائب والسياسة الخارجية. ولا أحد على يقين من الكيفية التي سيندمج بها التصويت بالأغلبية مع القرار المشترك للبرلمان. إلا أن هذه الاحتمالية تثير حماس أعضاء البرلمان الأوروبي، ولكنها تجعل غيرهم أكثر قلقا. ويقول أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إن البرلمان الأوروبي هو ''الفشل الكبير'' للمشروع الأوروبي. ويضيف: ''البرلمان الأوروبي ناجح جدا كمؤسسة، ولكنه لا يفعل ما يفترض بالبرلمان القيام به، أي ربط الشعوب بالاتحاد الأوروبي''.
ويتهم أحد كبار المسؤولين في المفوضية أعضاء البرلمان الأوروبي بالعيش في الخيال الاتحادي، الذي يشكلون فيه برلمان ''الدولة الوحدوية'' التي تساوي 27 حكومة وطنية في الاتحاد الأوروبي. وفي الواقع، لا يعرف الناخبون الوطنيون أعضاء البرلمان الأوروبي، وقد انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات الأوروبية في جميع الانتخابات المباشرة. وهناك أيضا صعوبة هيكلية: لا تزال الحكومات الوطنية تعيش في عوالم سياسة الأحزاب الحزبية. والروح السائدة في البرلمان الأوروبي الآن هي روح الإجماع ما بعد الحزبية والروح النقابوية. ويفضل أعضاء البرلمان من يسار الوسط ويمين الوسط والوسط العمل على المستوى الأوروبي، وميزانية أكبر للاتحاد الأوروبي، وزيادة الإنفاق العام، ومزيد من الأنظمة في الاتحاد الأوروبي، وبشكل عام الاستيلاء على السلطة من الحكومات الوطنية والمفوضية.
والدول الصغيرة مستعدة لمنح كثير من سلطة اتخاذ القرار للاتحاد الأوروبي، كما يقول أحد كبار المسؤولين في المفوضية عن معاهدة لشبونة، ولكنها ليست مستعدة ''لتلقي الأوامر من البرلمان الأوروبي''. لذلك، تلوح المشكلات في الأفق بسبب القرار المشترك. ويقول أحد السفراء (من دولة مؤيدة للاتحاد الأوروبي) إن مزيج التصويت بالأغلبية والقرار المشترك قد يكون ''عملية خطرة للغاية''. ويشير إلى أن التقليد المتبع في الاتحاد الأوروبي هو ألا تتحد الحكومات الأعضاء أبدا ضد دولة أخرى لعزلها عند نقطة تمس مصالحها الأساسية, إلا أن البرلمان أقل تحفظا, فعلى سبيل المثال، يفكر معظم حكومات الاتحاد الأوروبي مليا قبل فرض لوائح على مدينة لندن بسبب المعارضة البريطانية الشرسة، لعلمها أنه قد يأتي دورها للدفاع عن مصالحها الوطنية الغالية في المرة المقبلة. لكن عديدا من أعضاء البرلمان الأوروبي لا يترددون في فعل ذلك. وفي كثير من الملفات، يمكن أن تتحسن بسهولة وتيرة صنع القوانين ''بسرعة كبيرة''، كما يقول السفير. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى انزعاج بعض الحكومات الوطنية.
وعلى افتراض أن هذا صحيح، من المتوقع أن نشهد زيادة كبيرة في الطلبات المقدمة للآلة الأوروبية التي لا يزال فيها الإجماع هو القاعدة، أي المجلس الأوروبي، الذي يجمع معا القادة الوطنيين السبعة والعشرين للاتحاد الأوروبي. وبموجب معاهدة لشبونة، سيحصل المجلس الأوروبي على رئيس شبه دائم، ليحل محل نظام الرئاسة الدورية. ويعتقد أن منصب الرئيس الجديد هذا يثير اهتمام توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق.
ومعاهدة لشبونة غامضة بعض الشيء بشأن ما سيفعله الرئيس، إلى جانب تنظيم اجتماعات القمة للمجلس الأوروبي، وتمثيل الاتحاد الأوروبي في الاجتماعات مع قادة العالم. ويشير السفير من بروكسل إلى أن إحدى مهامه غير المكتشفة بعد هي العمل بمثابة حارس بوابة للدول المستاءة من القرارات التي يتم اتخاذها بموجب قواعد الأغلبية، التي ترغب في رفع الملف إلى المجلس الأوروبي الأكثر توافقية. بعبارة أخرى، ربما يصبح الرئيس، الذي سيكون له للمرة الأولى وجود دائم في بروكسل، موزعا لحق النقض الوطني, ولكنه قد لا يصبح كذلك أيضا.
نحو دولة أولية والعودة ثانية
لا يزال كثير من جوانب معاهدة لشبونة غامضا، ولهذا الغموض علاقة كبيرة بماضيها. فقد ولدت من مبادرة مهمة، إعلان لاكن 2001، الذي دعا إلى أن يصبح الاتحاد الأوروبي ''أكثر ديمقراطية وشفافية وفاعلية''، بمساعدة أسس قانونية مبسطة. ولكن مع الأسف تم تحويل هذه العملية إلى اتفاق دستوري متكلف. وأدى هذا بدوره إلى ''معاهدة دستورية''، مليئة ببهارج الدولة الأولية، مثل المادة التي تعلن أن معزوفة بيتهوفن ''نشيد الفرح'' هي النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي، وبما في ذلك الميثاق الشامل للحقوق الأساسية. وضغطت فرنسا وبريطانيا من أجل إلغاء الرئاسة الدورية، لأنهما تعتقدان أن الدول الصغيرة تدير الرئاسة بصورة سيئة، وطرحتا فكرة الرئيس الدائم لإدارة اجتماعات القمة. ولكن ما أثار استياء فرنسا وبريطانيا هو أن ألمانيا كانت تريد وزير خارجية للاتحاد الأوروبي، له خبرة في السلك الدبلوماسي، لكي يمثل الحكومات الوطنية ولكن ليكون أيضا عضوا في المفوضية الأوروبية.
وبما أن هذا الاتحاد الأوروبي، تم جمع الرؤى المتنافسة في فكرة واحدة. فقد تم إيجاد رئيس للمجلس، ولكن تم الحفاظ على الرئاسة الدورية لمعظم المجالس الوزارية. وتم وضع وزير خارجية، وله مقعد في المفوضية ليرأس المجلس الذي يجمع وزراء الخارجية، ولكن تم أيضا منح رئيس المجلس دور في السياسة الخارجية. وما يشغل بال كثيرين في بروكسل الآن هو الكيفية التي من المفترض أن يتم فيها جمع كل هذا معا بصورة مناسبة.
وأثار تكلف الدستور خوف الناخبين بما فيه الكفاية بحيث تم إلغاؤه عام 2005 بسبب الاستفتاءات في فرنسا وهولندا. وفي عام 2007، تم تقسيمه وإعادة تجميعه بوصفه معاهدة لشبونة، وتم حذف الأجزاء المتكلفة مثل النشيد الوطني. وتمت إعادة تسمية وزير خارجية الاتحاد الأوروبي ليصبح الممثل السامي للاتحاد في الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، وذلك لتهدئة مخاوف البريطانيين، وتم إلغاء الإشارة البارزة إلى ''المنافسة الحرة غير المنقوصة'' بناء على طلب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وكان الهدف المعلن هو إيجاد ''معاهدة إصلاحية'' عادية يمكن تجميعها من خلال البرلمانات الوطنية، دون التصويت المزعج للمواطنين الأوروبيين. وساعد بلير على هذه العملية: ففي آخر أعماله كرئيس وزراء ضمن عددا من التنازلات الإضافية الرامية إلى السماح له بالقول إن حكومته لم تعد ملتزمة بوعد إخضاع المعاهدة للاستفتاء.
وحصلت بريطانيا على استثناء أيضا، أو تعتقد أنها حصلت عليه، من ميثاق الحقوق الأساسية. وتمنح معاهدة لشبونة الميثاق قوة قانونية. وهو مليء بأشياء مثل حق الإضراب ''وحق الحصول على الرعاية الصحية الوقائية'', التي قد تكون مكلفة جدا، ولكنها ليست من ضمن هدايا الاتحاد الأوروبي: يملك الاتحاد صلاحيات قليلة في أمور مثل النزاعات الصناعية أو الخدمات الصحية الوطنية. وتقع مسؤولية إيجاد حلول لهذه المشكلات على عاتق محكمة العدل الأوروبية، أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي. وفي بروكسل، الدبلوماسيون وموظفو الاتحاد الأوروبي هم الأكثر حماسا بشأن إيجاد ممثل أعلى للسياسة الخارجية، الذي تجمع وظيفته منصبين قائمين: الأول هو مفوض العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي يوزع المليارات لمساعدة مناطق مثل فلسطين ويدير شبكة من المكاتب التمثيلية الأجنبية ويشرف على المحادثات حول اتفاقيات الشراكة مع دول أخرى. وتشغل هذه الوظيفة Benita Ferrero-Waldner النمساوية. والآخر هو مبعوث السياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين، الذي يشغله Javier Solana. ويعد Solana الرجل الأبرز في ملفات شائكة مثل إيران أو الشرق الأوسط، إلا أن الدول الكبرى لن تسمح له بالتحدث نيابة عنها: خلال الرئاسة الفرنسية العام الماضي، تم تقييد صلاحياته لمدة ستة أشهر. وتزيل معاهدة لشبونة التمييز بين إمبراطوريات Solana و Ferrero-Waldner، ما من شأنه أن يلغي على الأقل التنافس والازدواجية.
وسيكون لدى الرئيس الجديد مهمة قوية ومستحيلة, وربما تتضمن 150 اجتماعا كبيرا سنويا، داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. وسيتحدث أيضا باسم الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة، حين تتفق الحكومات على موقف للسياسة الخارجية (لا يزال الإجماع هو القاعدة في مجال السياسة الخارجية). وهناك أيضا مهمة إدارة السلك الدبلوماسي وقضاء ساعات طويلة على الهاتف للتحدث مع قادة العالم. وقد تتطلب الوظيفة وجود نواب يملكون نفوذا حقيقيا: لم تتحدث لشبونة عن هذه النقطة. وبموجب المعاهدة، قد تضغط الدول الأعضاء الأكثر حماسا لتحقيق تعاون دفاعي بين بعضها بعضا. ويثير هذا ذعر كثيرين في بريطانيا، الدولة التي تعد لا غنى عنها لبناء قوة دفاع أوروبية فاعلة.
ترياق للأنانية؟
على المدى القصير، ستؤدي لشبونة إلى كثير من المشكلات بقدر المشكلات التي من المفترض أن تحلها. وربما يستغرق الأمر 20 عاما لتقبل التغييرات التي ستحدثها في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كما يقول أحد كبار المسؤولين. وحتى مع ذلك، من المرجح أن تقدم المساعدة في المناطق التي تملك فيها أوروبا النفوذ بالفعل، إما لأنها إحدى الجهات المانحة الكبيرة (كما هو الحال في إفريقيا)، وإما لأن الدول المعنية، مثل دول البلقان، تتوق للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وستستمر دول الاتحاد الأوروبي الكبرى في إدارة سياساتها الخارجية. وقد يصبح رئيس المجلس مجرد رئيس للقمة، أو قد يكون الوجه العالمي لأوروبا: فالأمر يعتمد على من يتم تعيينه لشغل هذا المنصب. وفي المقابل، فإن الشخص الذي سيتم تعيينه سيقول كثيرا عن طموحات الاتحاد الأوروبي في العالم.
وستتحد القوة الإضافية للبرلمان الأوروبي مع التصويت بالأغلبية لتجعل من الصعب على الدول المعارضة تقييد دول أخرى. وأنصار الفيدرالية مقتنعون بأن هذا سيساعد على تسريع التكامل الأوروبي. وينظر المتشككون إلى أوروبا الحالية، وإلى الاتجاهات المتزايدة نحو الأنانية الوطنية حتى في الدول التي كانت مثالية في السابق مثل ألمانيا، ويتساءلون عيما إذا كانت لشبونة لا تتماشى مع الواقع السياسي الحالي حتى قبل أن يتم إقرارها.
وأخيرا، تتضمن معاهدة لشبونة بعض الدعوات غير المختبرة كليا لكي تشترك البرلمانات الوطنية والمواطنين في إدارة الاتحاد. وسيتم السماح لمليون مواطن عادي من عدد ''كبير'' من الدول بالطلب من المفوضية الأوروبية ابتكار فكرة لعمل الاتحاد الأوروبي في مجال معين. وسيتم السماح للبرلمانات الوطنية أيضا بالاحتجاج إذا اعتقدت أن أي قانون مقترح للاتحاد الأوروبي غير ضروري. وإذا كان نصف البرلمانات الوطنية البالغ عددها 27 غير راض، وكانت أغلبية الحكومات الوطنية (أو أغلبية أعضاء البرلمان الأوروبي) موافقة، يجب حينها إلغاء الإجراء، وهذه مهمة صعبة. إن أوروبا بمثابة تجربة، وغالبا ما تكون محبطة، وفقا لأحد كبار المسؤولين. ودفاعا عنها، كما يقول، ''فهي أفضل منظمة فاعلة في العالم تحاول التعامل مع حقيقة أن السياسة محلية والاقتصاد عالمي''. ولشبونة هي محاولة مليئة بالعيوب لمساعدة أوروبا على سد هذه الثغرة. ومن الأفضل أن تنجح، لأنه ليست هناك رغبة لوضع معاهدة جديدة، ولن توجد هذه الرغبة لسنوات عديدة مقبلة >