الكلب الذي لم ينبح

الكلب الذي لم ينبح

لا ينتهي أبدا عقد اجتماعات القمة. فبعد اجتماع مجموعة العشرين في بيتسبرج في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر)، انتقلت الضغوط إلى إسطنبول، التي شهدت عقد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ونادرا ما يمل صنّاع السياسة من الحديث عن الحوافز المشوهة في القطاع الخاص- رزم الأجور التي شجعت المصرفيين على التفكير على المدى القصير فقط مثلا. ولكن عليهم النظر إلى أنفسهم أيضا. فالقطاع الخاص مبتلى أيضا بمشكلات حوافز هائلة، ما يساعد على تفسير عدم قدرة المنظمين على تضييق الخناق على التمويل خلال الفقاعة وسبب صعوبة سحب الوعود الضمنية بتقديم ضمانات من الدولة.
ولعل المشكلة الأكبر هي ما يسميه الاقتصاديون ''عدم اتساق الوقت''. والسياسة النقدية هي المثال الأكثر شهرة لهذه الظاهرة. فالبنوك المركزية تحاول تثبيت التوقعات التضخمية عن طريق أن تبدو صارمة. ولكن إذا رفع القطاع الخاص الأجور على أية حال، ستتردد البنوك المركزية في تشديد السياسة والتسبب في البطالة. والمعرفة بأن السياسة النقدية تعاني هذا التضارب مع مرور الوقت تقوّض مصداقية الإعلان الأولي الصارم. وتؤثر المشكلة نفسها في المنظمين الماليين والمشرفين. فلديهم حوافز للإعلان عن سياسة دون عمليات إنقاذ من أجل تشجيع المؤسسات تحت رعايتهم على التصرف بحكمة. ولكن بمجرد أن تضرب الأزمة، يختلف الخيار الأمثل بالنسبة لصنّاع السياسة عن السياسة المعلنة مسبقا: تعرض السلطات عادة الدعم. وتتوقع البنوك هذا السلوك، وبالتالي تزيد مجازفتها.
ويعزز حافزان تشويهيان آخران هذا الميل لعمليات الإنقاذ. الأول هو أن معظم الهيئات الرقابية - باستثناء مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية، التي تضطلع بمهمتين هما تنظم البنوك التي تأخذ الودائع وإدارة صندوق التأمين الخاص بها - لا تعرض رأسمال مؤسستها للخطر. والثاني هو أن سياسة الصبر التنظيمي قد تنقذ الهيئة الرقابية بالإضافة إلى البنك: قد يساعد إخفاء الخسائر في المؤسسات المالية عن الرقابة العامة أيضا على إخفاء الفشل التنظيمي والرقابي.

متلازمة استكهولم
تساعد الحوافز كذلك على تفسير سبب مقاومة الهيئات التنظيمية لتفويض الصلاحيات إلى المؤسسات التي تتجاوز الحدود الوطنية. فقد ترغب الهيئات الرقابية في حماية الصناعة المحلية أو ضمان ميزة تنافسية على المراكز المالية الأخرى. وحتى دون وجود أجندة حمائية، قد تميل الهيئات الرقابية للتحيز للمؤسسات التي تشرف عليها: لأنها تتحدث إلى المؤسسات المحلية على أساس يومي، من المرجح أن تفهم الضغوط التنافسية التي تواجهها تلك البنوك. وتشكل الأجور مشكلة أيضا. ففي معظم الدول، تشمل هياكل المكافآت للهيئات الرقابية الوطنية رواتب متدنية وعدم منح علاوات وإعطاء مكافآت صغيرة لقاء القيام بمهمتها بصورة جيدة. إلا أن الهيئات الرقابية تقع في مشكلات إذا ارتكبت خطأ تقنيا (وتتعرض للمقاضاة من قبل البنوك)، ولكنها تواجه مشكلات أقل إذا ارتكب الجميع الخطأ المادي نفسه وانهار النظام. ومن الأمور غير المساعدة أن يتم مرارا وتكرارا القول للمسؤولين إن الأشخاص الأكثر ذكاء يذهبون إلى حيث يوجد المال - بعبارة أخرى إلى البنوك، لا إلى الهيئات التي تنظمها.
وهذا يعني أن أي برنامج لإصلاح التمويل يجب أن يعالج مشكلة الحوافز المشوهة في القطاع العام، خاصة في مجال الرقابة. ولكن كيف يمكن القيام بذلك؟ تعد العودة إلى الآليات المصممة لحل الحوافز المنحرفة للبنوك المركزية نقطة انطلاق جيدة. ويساعد الاستقلال على الحد من التحيُّز وعدم تناسق الوقت. ومن عناصر الأنظمة النقدية الناجحة الأهداف النظيفة، والحاكم القوي ذو السمعة القوية، والعقوبات على الفشل. وتعتمد أجور بعض محافظي البنوك المركزية على تحقيق الأهداف. ويضطر غيرهم إلى كتابة توضيحات عامة محرجة حين يفشلون في تحقيقها. ويجب تطبيق كل هذه الأساليب على عالم الرقابة المالية.
ويمكن أيضا استخلاص دروس جيدة للمكافآت من قطاع البنوك المركزية. ففي العديد من الدول، يجني المصرفيون المركزيون أكثر مما يكسب موظف الخدمة المدنية. ويحظون في كل مكان تقريبا بتوقعات أفضل لحياتهم المهنية وتقدير أعلى من الجمهور مما تحظى به هيئات الرقابة على البنوك. ومن المستحيل رفع رواتب القطاع العام إلى مستويات رواتب القطاع الخاص (حتى لو انخفضت أجور المصرفيين). ولكن قد تساعد الأجور الأعلى والمكانة العامة البارزة الهيئات التنظيمية على تأدية مهمتها على نحو أفضل.
وسيكون تطبيق دروس السياسة النقدية على الرقابة المالية أسهل إذا كان تنظيم المؤسسات المالية من مسؤولية البنوك المركزية. ومن شأن ذلك أن يساعد أيضا على مواءمة الحوافز بشكل أفضل عند الاستجابة للأزمات، بما أن ميزانيات البنوك المركزية هي التي تتعرض أساسا للخطر. وقد يؤدي إلى تعقيد إدارة السياسة النقدية في الأوقات الأكثر هدوءا، إلا أن مسألة تكليف البنوك المركزية بالحفاظ على الاستقرار المالي واستقرار الأسعار تعد ضرورية الآن لأسباب أخرى أيضا.

سلطة أعلى
الحل لمشلكة التحيز التنظيمي المحلي هو الاعتماد بصورة أكبر على السلطات العابرة للحدود الوطنية. ولكن على الرغم من الضجة في اجتماعات مجموعة العشرين بشأن الدور الموسع لمجلس الاستقرار المالي، وكشف النقاب في الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) عن خطط لإنشاء هيئات تنظيمية أوروبية جديدة، تقاوم السلطات الوطنية حتى الآن أي (تفويض حقيقي) للسلطة للهيئات العابرة للحدود الوطنية.
والحجة المعتادة للدفاع عن الإبقاء على الوضع الراهن هي أنه يجب دفع تكاليف عمليات الإنقاذ من قبل دافعي الضرائب، لذا يجب أن تضطلع البرلمانات بكامل المسؤولية. إلا أن نهج التفكير هذا لا يعترف بأن حقن رأس المال بشكل مباشر لم يكن سوى إحدى الأدوات المستخدمة خلال الأزمة - ولم يكن الأداة الأكثر أهمية في معظم الدول. فقد جاء جزء كبير من عمليات الإنقاذ على شكل قوة تحمل تنظيمية، ما مكّن البنوك من تحقيق أرباح أعلى بسبب تقليص المنافسة، والدعم الضمني من البنوك المركزية. والأهم من ذلك هو أن الميل لعلاج الأزمات المستقبلية باستخدام أساليب ''خارج الميزانية'' زاد أكثر فأكثر. ومن غير المرجح أن يكون أي برلمان مستعدا لتسليم 10 - 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدعم البنوك الفاشلة مرة أخرى (على الأقل على المدى المتوسط).
إن الحاجة لولاية قوية للسيطرة على المؤسسات المالية النظامية على المستوى فوق الوطني مهمة بصورة خاصة بالنسبة للسوق الأوروبية الموحدة. تخيل للحظة أن السلطات الوطنية فقط هي التي تدير سياسة المنافسة في أوروبا. ويمكن القول إن حقيقة أن الاتحاد الأوروبي أزال سياسة المنافسة من المجال الوطني هي السبب الوحيد في الحفاظ على درجة من الاتساق في التعامل مع عمليات الإنقاذ المصرفية في جميع دول الاتحاد الأوروبي. ودون وجود هيئة رقابة من هذا النوع، كان من الممكن أن تتصاعد عمليات الإنقاذ بسهولة لتتحول إلى موجة من الإعانات الانتقامية للشركات الوطنية الكبرى. ولا بد أن يعهد لهيئة رقابة على نطاق أوروبا بمهمة الرقابة المصرفية الأوروبية، على الأقل للمؤسسات النظامية، وذلك على غرار مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية في أمريكا. ويجب أن تكون في منطقة اليورو هيئة خاصة بها على الأقل. وإلى جانب تركيزهم الجديد على الحوافز في القطاع الخاص، ينبغي على صنّاع السياسة خارج أوروبا أيضا إيلاء المزيد من الاهتمام لحوافزهم >

الأكثر قراءة