أما آن الأوان لإعادة النظر في نظام الإدارة المحلية؟ (2 من 2)
تحدثت في الأسبوع الماضي عن طموحات القيادة السياسية وتطلعات المواطنين في نقل المجتمع لمصاف الدول المتقدمة أو ما وصفه الأمير خالد الفيصل بالعالم الأول، وهي تسمية لها مدلولها الواضح ودعوة صريحة في ألا نركن لما تم إنجازه والاعتراف بأننا ما زلنا في أول السلم بحاجة إلى التطوير وروح المنافسة والسعي لتحقيق مراتب أعلى. من أجل ذلك علينا أولا معرفة أين نحن؟ بتقييم وضعنا بموضوعية وحيادية ومصداقية ومن ثم تحديد وجهتنا وأين نرغب أن نكون؟ وما يجب علينا فعله بنظرة فاحصة ورؤية جادة وتطوير شامل وجوهري يحقق تطلعاتنا وطموحاتنا. وقد يكون تصريح الأمير سلطان بن سلمان في جريدة ''اليوم'' بتاريخ 26 أيلول (سبتمبر) 2009م بأن ''طموحات المملكة تفوق مستوى الأجهزة الحكومية'' يشخص بشكل دقيق المشكلة في التنمية الوطنية ومن أين يجب أن نبدأ؟ فهو يرى أن القطاع الحكومي هو الذي يقود جهود التنمية وليس القطاع الخاص، وبالتالي من أجل الارتقاء بمستوى التنمية يلزم الارتقاء بأداء الأجهزة الحكومية. هذه هي المعادلة التي يجب أن نسعى لتحقيقها من أجل أن نلحق بالعالم الأول. والسؤال الذي يتبادر للذهن: كيف السبيل للارتقاء بأداء الأجهزة الحكومية؟
هناك من يسارع القول في أن التطوير الإداري والتنظيمي داخل الأجهزة وتأهيل العاملين وتدريبهم ووضع الحوافز التقديرية من شأنه رفع إنتاجية المنظمات الحكومية. هذا جزء من الحقيقة وليست الحقيقة الكاملة، فالأمر يتعلق أيضا بالوضع الإداري العام وكيفية صناعة القرار. ولتوضيح ذلك يجب التفريق بين كفاءة الإنتاج وفاعلية الإنتاج. فكفاءة الإنتاج تهتم بالإجراءات والعمليات التي تقود نحو زيادته وخفض التكلفة، بينما الفاعلية تعني ليس فقط إلى أي مدى تم تحقيق الهدف، وإنما هل الهدف الذي يراد تحقيقه مطلوب اجتماعيا ويسهم في التنمية الوطنية؟ ولذا من المهم أن نصعد درجات السلم الحضاري، ولكن الأهم أن نضعه على الحائط الصحيح! هنا تبرز أهمية المجالس النيابية في استشفاف الرأي العام والتعرف على احتياجات المجتمع فهي بمثابة البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح والمرغوب، ودون هذه البوصلة الاجتماعية تصبح المنظمات الحكومية تائهة غير فاعلة حتى إنها قد تنتج أكثر أو أقل من المطلوب، والأدهى والأمر عندما تقدم ما لا يرغبه ولا يحتاج إليه المجتمع. البيروقراطيات العامة تحتاج إلى من يوجهها ويشرع لها ويسن لها القوانين ويضع السياسات العامة لتسير في اتجاهها وتعمل في إطارها. لكن في واقع الحال البيروقراطيات تستحوذ على سلطتي التشريع والتنفيذ، ما يجعلها في مأمن من التقييم والمحاسبة الاجتماعية. ولذا كان الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أمرا ضروريا يضمن تحقيق الصالح العام بحيث تقوم كل سلطة بمراقبة الأخرى بالتساوي. هذا فيما يتعلق بتوزيع السلطة أفقيا، ولكن إعادة الهيكل العام للإدارة العامة يستلزم أيضا توزيع السلطات عموديا أي تطبيق اللا مركزية ليس داخل الأجهزة الإدارية وإنما نقل السلطات للمناطق والمحافظات.
هنا يبرز تساؤل الأمير خالد الفيصل ليبرر لنا لماذا هناك ضرورة في منح المناطق والمحافظات الصلاحيات اللازمة لأداء وظائفها وأدوارها ''أما آن الأوان لإعادة النظر في نظام المناطق وتعزيز الإدارة المحلية بصلاحيات تمكنها من إدارة مشاريعها وتحميل مجالس المناطق المسؤولية، حتى يمكن محاسبتهم على التقصير''؟ فالأجهزة المركزية لا تستطيع لا من الناحية العملية ولا التخصصية الاستمرار في إدارة شؤون المناطق والمحافظات وهي بعيدة يشغلها الهم الوطني وتنوء بالمسؤوليات الجسام والاستراتيجيات العظام (أو هكذا يفترض) فلا تكاد تلتفت للمشكلات والقضايا في المناطق والمحافظات التي تزداد تعقيدا كما ونوعا. إن انتهاج اللامركزية ومنح المناطق والمحافظات الاستقلال الإداري والمالي وتوحيد المرجعيات الإدارية للأجهزة الحكومية في المناطق سيمكن الحاكم الإداري من ممارسة دوره القيادي كمبادر وواضع للسياسات العامة والرؤى المستقبلية ومحرك للموارد وليس كمنفذ ومتابع وإدارة أزمات. لقد أصبح من الضروري أن تكون مهمة مجالس المناطق والمجالس المحلية تنمية اقتصاد المنطقة والاقتصاديات المحلية، وهذا من شأنه خلق بيئة تنافسية بين المناطق والمحافظات تؤدي إلى تحسين الجودة والبحث عن التميز وجلب الاستثمارات والارتقاء بالتنمية المحلية. ولتحقيق ذلك يلزم النظر للخدمات العامة كمدخلات ومحفزات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وليس فقط من أجل الاستهلاك المعيشي اليومي. بمعنى أن قرار تقديم الخدمات والمشاريع العامة يكون مرتبطا بالعائد الاقتصادي على المجتمع المحلي، وإلى أي مدى يلبي احتياجاتهم ويعالج مشكلاتهم. فعندما تكون صناعة القرار أقرب للناس يكون أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة لمتطلباتهم. فهناك - على سبيل المثال - بعض المشاريع على مستوى المناطق والمحافظات كبيرة وضخمة تكلف الكثير تقر مركزيا ولكن لا تمثل أولوية لأهالي المنطقة أو المحافظة ولو أتيحت لهم فرصة إقرار ميزانياتهم لاختاروا مشاريع تجلب لهم منافع أكثر، والأهم يتحملون تبعات قراراتهم بدلا من الوقوف موقف المتفرج وإلقاء اللائمة على الأجهزة المركزية في كل أمورهم دون أدنى مسؤولية. إن المشاريع المركزية تقام على أساس قطاعي، وهذا ما لا يتفق مع طبيعة الشأن المحلي الذي يتصف بالتداخل ودرجة عالية من التعقيد ما يتطلب التعامل معه بنظرة شاملة وتكاملية. وجود السياسات المحلية الشاملة يجنب الوقوع في التأثيرات الجانبية في حال القرارات القطاعية، إذ إن قرار أحد القطاعات منعزلا قد يؤثر في عمل القطاعات الأخرى يصل حد التضاد ما قد يفاقم المشكلة أو يخلق مشكلات جديدة. المجتمعات المحلية لم تعد كما كانت عليه بسيطة يمكن إدارتها من بعيد، بل أصبحت أكثر نضجا وتزخر بالقدرات المحلية التي باستطاعتها إدارة التنمية، كما أن المتغيرات والمعطيات على الساحتين الداخلية والخارجية تتطلب إدارة أكثر مرونة واستجابة وهذا ما تحققه الإدارة المحلية. الزيادة الكبيرة في عدد المدن وعدد سكانها وانتشارها على امتداد مساحة الوطن الكبيرة تدعو لتضييق نطاق الإشراف عبر إنشاء هيئات محلية تكون مسؤولة عن إدارة الشأن المحلي إدارة شاملة لجميع قطاعات المدينة. الإدارة المحلية جذور التنمية الوطنية يلزم رعايتها والاعتناء بها بمنحها الصلاحيات التي تمكنها من أداء مسؤولياتها، وأهم من ذلك مراقبة البيروقراطيات وتوجيهها. من هنا فإن أولى خطوات الطريق نحو العالم الأول هي إصدار نظام للإدارة المحلية يمنح مجالس المناطق والمجالس المحلية الاستقلال الإداري والمالي ويحدد مهام وأدوار الهيئات الوطنية والإقليمية والمحلية وينظم العلاقة فيما بينها.