تقديرات متباينة لوضع العرض والطلب في السوق النفطية
تشير مختلف التوقعات لوضع الطلب على النفط إلى تراجع يتراوح بين مؤسسة وأخرى، مع إعطاء دور ولو محدود لتأثير الأسعار المرتفعة التي شهدتها السوق خلال العامين الماضيين على استهلاك النفط.
وفي الوقت الذي لعبت فيه الأجواء الباردة في أوروبا وبعض المناطق الآسيوية دورا في دعم ارتفاع الأسعار، إلا أن اعتدال الطقس في أمريكا الشمالية أسهم إلى حد ما في التقليل من آثار موجة البرد التي شهدها النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وذلك وفق ما جاء وبدرجات متفاوتة في التقارير الصادرة هذا الشهر لكل من الوكالة الدولية للطاقة التي ترعى شؤون المستهلكين من مقرها في باريس، ومن المنتجين عبر منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك)، إلى جانب إدارة معلومات الطاقة، وهي الذراع الإحصائي والمعلوماتي لوزارة الطاقة الأمريكية والمركز العالمي لدراسات الطاقة، وهو مركز مستقل أسسه ويديره وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني في لندن.
إلى جانب ذلك، تقول تقارير هذه المؤسسات إن التوترات السياسية والاضطرابات الأمنية خاصة في أقطار نيجيريا، العراق، وإيران تظل مصدر قلق للمتعاملين خوفا من انقطاع الإمدادات، ولو أن ارتفاع حجم المخزونات خاصة الأمريكية أسهم إلى حد كبير في توفير عنصر طمأنينة للسوق.
الوكالة الدولية للطاقة قلصت من حجم توقعاتها بالنسبة للطلب على النفط بسبب موسم الشتاء المعتدل إلى حد ما في أمريكا الشمالية، رغم البرودة التي ضربت أوروبا وأجزاء من دول الاتحاد السوفياتي سابقا.
ويشير تقرير الوكالة الصادر في العاشر من الشهر الجاري إلى تراجع في حجم الطلب وبصورة طفيفة من 1.09 مليون برميل يوميا إلى 1.06 مليون خلال العام الماضي، وكذلك من 1.83 مليون برميل إلى 1.78 مليون هذا العام. ويضيف التقرير أن معدل نمو الطلب في الصين الذي بلغ 1.2 في المائة خلال الربع الأول من العام الماضي ارتفع إلى 3.9 في المائة خلال الربع الثاني ويتوقع له أن يبلغ 5.8 في المائة خلال هذا العام.
من ناحية ثانية، أشار التقرير إلى تراجع في معدل الإمدادات العالمية بنحو 135 ألف برميل يوميا الشهر الماضي إلى 84.6 مليون بسبب بعض العقبات في روسيا وبحر الشمال، مع استمرار جزء من إنتاج خليج المكسيك مغلقا.
وتوقع التقرير أن يرتفع حجم الإمدادات من خارج "أوبك" من 50.15 مليون برميل يوميا العام الماضي إلى 51.45 مليون هذا العام، وبلغت الإمدادات من الدول الأعضاء في "أوبك" 29.2 مليون برميل متراجعة 65 ألفا من إنتاج كانون الأول (ديسمبر) الماضي. ويتوقع التقرير أن يبلغ الطلب على نفط "أوبك" هذا العام 28.6 مليون برميل، بزيادة 200 ألف عن العام الماضي، وأن حجم الطاقة الإنتاجية الفائضة سيزيد اسميا إلى 2.7 مليون برميل، مليون منها بنهاية العام، ونصفها سيتم تأمينه خلال فصل الصيف.
"أوبك" من جانبها وفي تقريرها الصادر في السابع عشر من هذا الشهر تتوقع أن يبلغ معدل النمو على الطلب هذا العام 1.6 مليون برميل يوميا، أو 1.9 في المائة إلى 84.6 مليون، أي أقل من تقديرات التقرير السابق، مضيفة أن الطلب سيرتفع في كل المناطق ما عدا بعض أجزاء من أوروبا. الإمدادات من خارج "أوبك" بلغت العام الماضي 50.1 مليون برميل بزيادة 200 ألف عما كان عليه الوضع في 2004. ويتوقع التقرير أن يبلغ حجم الإمدادات من خارج المنظمة هذا العام 51.5 مليون برميل، بزيادة 1.4 مليون عن العام الماضي، مضيفا أن إجمالي إنتاج المنظمة خلال الشهر الماضي بلغ 29.6 مليون برميل يوميا بتراجع 169 ألفا عن الشهر الأسبق.
بالنسبة لإدارة معلومات الطاقة، فإنها تتوقع أن يتراوح سعر البرميل من نوع ويست تكساس خلال هذا العام نحو 65 دولارا للبرميل بسبب موجة البرد التي ضربت أجزاء رئيسية من أوروبا، وعدم الوضوح بشأن حالة الإمدادات خاصة من نيجيريا، العراق، وإيران، وضعف الطاقة الإنتاجية الفائضة، الأمر الذي سيشكل عامل ضغط يرفع الأسعار إلى أعلى بنحو تسعة دولارات مقارنة بأسعار العام الماضي، لكن التقرير الذي يتناول وضع العرض والطلب على المدى القصير يتوقع تراجعا في معدلات الأسعار إلى 61 دولارا للبرميل العام المقبل. وفيما يتعلق بالطلب، ترى الإدارة على غير الآخرين زيادة بنحو 400 ألف برميل إلى 1.6 مليون هذا العام عن العام السابق وذلك بسبب الانتعاش الأمريكي.
أما المركز الدولي لدراسات الطاقة، فيرى أن عامل نمو الطلب سيكون المجهول الأكبر خلال هذا العام، إذ إن المعلومات المتوافرة عن العام الماضي تشير من ناحية إلى حدوث تأثير لمعدلات الأسعار العالية، وهو ما يظهر في تراجع في الطلب من نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا عام 2004 إلى ما يزيد قليلا عن المليون برميل العام الماضي، والمركز يتعامل بتحفظ وحذر مع الأرقام المتفائلة بشأن الزيادة على الطلب.
ويرى المركز أن معدلات الطلب لم يحدث عليها تغيير يذكر مما كانت عليه العام الماضي، إذ يتوقع له أن ينمو بنحو 1.3 مليون برميل يوميا، كما ستتصاعد الإمدادات من خارج "أوبك" بنحو 2 في المائة إلى مليون برميل، الأمر الذي يجعل الطلب على نفط "أوبك" في حدود 29.3 مليون برميل. لكن المركز يرى أن الطلب سيتجاوز العرض خلال الربع الأول من هذا العام بنحو 60 ألف برميل، الأمر الذي سينعكس على وضع الأسعار خلال النصف الأول من هذا العام ويجعل خام "برنت" يستقر عند 56 دولارا للبرميل.
على أن وضع المخزونات سيظل يمثل هاجسا خاصة في الربع الثاني بعد أن يتم ملؤها بنحو 1.9 مليون برميل، وهو ما يوفر ضمانا عند حدوث انقطاعات ويدفع بالمخزونات في الربع الثالث أن تكون غطاء للاستهلاك لفترة 77 يوما من 75 في الفترة المقابلة من العام الماضي، وهو عامل سيدفع بالأسعار إلى التراجع. وإذا أرادت "أوبك" الحفاظ على معدل الأسعار فوق 50 دولارا للبرميل، فإن خفض الإنتاج يصبح أمرا لا مفر منه.