أما آن الاوان لإعادة النظر في نظام الإدارة المحلية ؟ (1 من 2)

هذا التساؤل الكبير والمهم طرحه الأمير خالد الفيصل في مقاله ''العالم الأول على أرضنا.. فماذا نحن فاعلون؟'' في جريدة ''الوطن'' السعودية 22 أيلول (سبتمبر) 2009. تساؤله يعكس تجربته الثرية والطويلة في العمل الإداري المحلي وفكره السياسي المستنير ورؤيته الثاقبة العميقة، وهو يأتي أيضا في سياق قضيته الأولى وهمه الشخصي والرسمي في الانتقال بالمجتمع السعودي نحو درجات أعلى من التحضر الإنساني والتقدم الصناعي والتطور الاقتصادي والرقي الثقافي ليكون في مصاف دول العالم الأول. ولعل شعاره الذي أطلقه في مشروع استراتيجية التنمية الإقليمية لمنطقة مكة ''نحو العالم الأول'' يختزل الطموحات والتطلعات ويصلح أن يكون شعارا وطنيا ورؤية مشتركة وإطارا للعمل التنموي يستحث ويوجه جميع الهيئات والمؤسسات والأفراد نحو الأداء المتميز وتميز الأداء إجراء ونتيجة، وقبل ذلك تهيئة المناخ الإداري العام بإعادة هيكلة نظام الإدارة العامة وتطوير عملية صنع القرار العام لتكون أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة لمتطلبات المجتمع. حديث الأمير خالد وإن خاله البعض أمنيات استهوته أو بدا كأحلام بعيدة المنال، إلا أنه في الواقع يمثل نقطة تحول رئيسة في الفكر الإداري السعودي وأسلوب جديد في التعاطي مع الشأن العام ويؤسس لثقافة الشفافية والمصارحة في إطار ثوابتنا الوطنية والتطوير من خلال قيمنا الأصيلة وتنبيه لإعادة النظر في أولوياتنا الوطنية وترتيب أوراقنا وتوظيف إمكاناتنا للانطلاق نحو مستقبل واعد ليس كخيار بل ضرورة تحتمها المتغيرات والمستجدات من حولنا. فالأحلام والرؤى هي أول الطريق في أي مشروع تنموي، هي البوصلة التي تدلنا على الاتجاه الصحيح، هي ذلك البصيص من الأمل الذي يلوح في الأفق يجتذبنا من بعيد لنسارع الخطى في اتجاهه، هي ما يجعلنا نعمل في الحاضر من أجل المستقبل، هي ما يجعلنا مبصرين واعين مدركين أين نحن تنمويا؟ وأين نرغب أن نكون؟ هي المحفز لعمل الأفضل والتفاني والتنافس والتكامل لجعل الحلم حقيقة. وكأني بلسان حال الأمير خالد يقول نحن من يجب أن نصنع مستقبلنا ونشكله وليس الأحداث والظروف فلا نكون متواكلين عاجزين غير مبادرين!
المجتمعات المتقدمة الناضجة هي وحدها التي تحلم وتتطلع دوما إلى المستقبل وتبحث باستمرار عن أوضاع أفضل وتجتهد لتحقق أحلامها وأمانيها الوطنية. تلك المجتمعات لا تستطيع التوقف والتغني بالمنجزات التي حققتها لأنها تعلم علم اليقين من لا يتقدَم يقدُم، وتعلم أن عليها مسابقة الآخرين بل الزمن لتحتل مكانا في مقدمة الصفوف لتكون أكثر قوة ومنعة واحتراما وتقديرا. هذه الأمنيات والغايات تتطلب وعيا وتفكيرا وإفصاحا وشجاعة لتتحول إلى رأي عام ومن ثم تحتل أولوية في أجندة العمل الحكومي ليندفع الجميع متعاونين متكاتفين في تحقيق المصلحة الوطنية المشتركة التي تعود بالنفع على الجميع. هذا في ظني ما أرادنا الأمير خالد الفيصل أن ننتبه إليه والرسالة التي رغب أن يبعثها إلينا جميعا في أننا بحاجة لإعادة تثقيف المجتمع بتصحيح مفاهيمه وتغيير تصوراته وتعديل فكر وميول وسلوك أفراده لنسير ''نحو العالم الأول''. ''العالم الأول'' يعني التزام المهنية العالية والانضباط واحترام الوقت والعمل بالقانون والإنتاجية والبحث المستمر عن الأفضل. لا شك أن المهمة صعبة وسر صعوبتها أولئك الذين لا يؤمنون بالتطوير ويخشون التغيير ولا يثقون بقدراتهم ولا تتعدى أمانيهم دائرة مصالحهم الشخصية ولا يرون أبعد من أنوفهم، انشغلوا بمتطلبات الحاضر ونسوا استحقاقات المستقبل. والسبب سيطرة البيروقراطيات على صناعة القرار العام حتى غدت، وهي جهات تنفيذية، تشرع وتنفذ في آن واحد دون رقابة اجتماعية عبر مجالس نيابية توجهها وتحاسبها. والنتيجة بيات بيروقراطي فلا ضغوط اجتماعية توقظهم من سباتهم العميق ولا متابعة تزيل عنهم أكوام الأوراق الروتينية التي تخفي كل شيء وتحجب عنهم كل شيء! لكي لا يُرون ولا يَرون وليستمروا بذات النهج الرتيب البطيء والركود والجمود المميت! هذا الوضع أفرز قيم بيروقراطية عليلة وسلوكيات سلبية سرت في المجتمع وتجذرت فيه وتشربها الناس فأفسدت قيمهم التقليدية وأخلاقياتهم الأصيلة. من تلك القيم البيروقراطية السلبية التي تفشت بين الناس ''عمل القليل والمطالبة بالكثير!''، حتى صار كثير من الموظفين والتجار والطلاب وغيرهم يسعون لأخذ مالهم وما ليس لهم وبأي طريقة كانت طالما استطاعوا اختراق الإجراء الروتيني وجعله يعمل لصالحهم! وترى ذلك واضحا في تصرفات الناس حتى في الطرقات والشوارع العامة وكيف أن بعضهم يغتصب الطريق اغتصابا ولا يراعي حقوق الآخرين. أما الوقوف في الصف وانتظار الدور فهذا ما لا يطيقونه بل يعتبرونه فيه خدش لكرامتهم وإذلال ما بعده إذلال بل غباء وضعف!
والسؤال الذي يدور في الذهن ويختلج في الصدر ماذا عسانا نفعل لنتغير للأفضل ونكون أكثر تحضرا ونحقق حلم الأمير في بلوغ العالم الأول. لعلنا نستخدم الأسلوب ذاته الذي استخدمه في مقاله بطرحه أسئلة قصد منها استفزازنا واستنفارنا لعلنا نعود إلى أنفسنا ونفتش عن إجابات في داخلنا ونستكشف الأشياء من حولنا، أو لربما كانت أسئلته استنكارية تعجبية بعدما ضاق ذرعا بالوضع الإداري المتأزم من عجز البيروقراطيات العامة عن مجاراة المتغيرات والمستجدات فكانت عقبة كؤودا وحملا ثقيلا على المجتمع وعائقا للتنمية بدلا من أن تكون السلم الذي نرتقيه نحو فضاءات أوسع وأعلى من التقدم. والحقيقة أن المتغيرات من حولنا تسلبنا إرادتنا وتضعفنا والبيروقراطيات لا تحرك ساكنا. التغيير أمر حتمي لا مفر منه  حتى وإن غرزت البيروقراطيات رأسها في التراب وتظاهرت بعدم وجوده! إن التعامل مع التغيرات واحتوائها بل جعلها لصالحنا أمر في غاية الأهمية، وأفضل طريقة لإدارتها هو صناعتها! ولكن كيف لنا أن ندير التغيير من خلال بيروقراطيات جامدة. الإجابة نجدها في الأسئلة التي طرحها الأمير خالد الفيصل وعلى أنها جميعها مهمة تتناول جوانب متعددة من نظامنا الإداري العام، إلا أن السؤال المتعلق بتطوير نظام الإدارة المحلية هو في اعتقادي الأكثر أهمية حين يتساءل '' أما آن الأوان لإعادة النظر في نظام المناطق وتعزيز الإدارة المحلية بصلاحيات تمكنها من إدارة مشاريعها وتحميل مجالس المناطق المسؤولية، حتى يمكن محاسبتهم على التقصير؟. والحقيقة أن هذا التساؤل يثير قضية جوهرية تتعلق بحقيقة أن الأجهزة المركزية لا تستطيع لا من الناحية العملية ولا التخصصية الاستمرار في إدارة الشؤون المحلية. وللحديث صلة نكمله الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي