رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سياسات مكافحة تغير المناخ الصينية والطريق إلى كوبنهاجن

لقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة باعتبارها أكبر دولة في العالم مسؤولة عن انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، حيث إنهما معا، مسؤولتان عن نحو 40 في المائة من الانبعاثات العالمية من الغازات الدفيئة، مما يجعل من الضروري أن يلتزما بسقف من الانبعاثات، إذا ما أريد للمعاهدة العالمية الجديدة لتغير المناخ أن تنجح.
في هذا الصدد، صرح الرئيس الصيني يوم الثلاثاء 22 أيلول (سبتمبر) 2009 في خطابه أمام قمة الأمم المتحدة بشان تغير المناخ بأنه يتعين على المجتمع الدولي معالجة تغير المناخ من خلال التنمية المشتركة، ودعا إلى عمل دولي مشترك، وتعهد بمواصلة جهود الصين في هذا المجال. وقد كان هذا الاجتماع تمهيدا لإجراء مفاوضات أوسع نطاقا بشأن قضية تغير المناخ التي ستعقد في كوبنهاجن في كانون الأول (ديسمبر) المقبل. في هذا المجال حدد الرئيس الصيني نقطتين مهمتين: موقف الصين من التفاوض لوضع اتفاق دولي بشأن انبعاثات الغازات الدفيئة، والتدابير الداخلية التي تهدف إلى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة وتشجع استخدام الطاقة النظيفة. في هذا الخصوص حدد أربعة مبادئ لازمة لنجاح الجهود المنسقة للتعامل مع تغير المناخ في جميع أنحاء العالم. مبدأ مسؤوليات مشتركة لكنها مختلفة يجسد توافق المجتمع الدولي، حيث إن التمسك بهذا المبدأ له أهمية حيوية في الحفاظ على التعاون الدولي بشأن تغير المناخ على المسار الصحيح. حيث يتعين على الدول المتقدمة الوفاء بمهمة خفض الانبعاثات التي حددها بروتوكول كيوتو، ودعم الدول النامية في مواجهة تغير المناخ، كما حث الدول النامية على السعي الجاد للتكيف مع تغير المناخ وفقا لظروفها الوطنية، وبدعم مالي وتكنولوجي من الدول المتقدمة.
إضافة إلى ذلك أعلن الرئيس الصيني أربعة إجراءات ستتبناها الصين من أجل تعزيز دمج إجراءات تغير المناخ في خطتها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذه الإجراءات تتمثل في:
أولا، تكثيف جهود الحفاظ على الطاقة وتحسين كفاءة الطاقة ومحاولة خفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون لكل وحدة من إجمالي الناتج المحلى بهامش ملحوظ بحلول عام 2020 من مستوى عام 2005. لكن لم يحدد أهدافا محددة. كذلك لم يحدد أي أهداف لتخفيضات الانبعاثات المطلقة.
ثانيا، تطوير نشاط الطاقة المتجددة والطاقة النووية والسعي إلى زيادة حصة الوقود غير الأحفوري في استهلاك الطاقة الأولية بنحو 15 في المائة بحلول عام 2020.
ثالثا، العمل على زيادة احتباس غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغابات، وذلك بزيادة الغطاء الغابي بواقع 40 مليون هكتار، وزيادة حجم مخزون الغابات بواقع 1.3 مليار متر مكعب بحلول عام 2020 مقارنة بمستويات عام 2005.
رابعا، تعزيز الجهود لتنمية الاقتصاد الأخضر (الاقتصاد منخفض الكربون) وتعزيز البحث والتطوير ونشر التقنيات الصديقة للمناخ.
في الواقع، منذ فترة طويلة والحكومة الصينية تهتم بقضية تغير المناخ باعتبارها مسألة عاجلة لا بد من معالجتها، وفي طرق عديدة كان موقفها أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في هذا المجال. حيث في وقت سابق من هذا العقد قد حددت الصين هدف خفض كثافة استهلاك الطاقة بمقدار 20 في المائة. على الرغم من أن هذا الهدف (بين عامي 2006 و2010) قد واجه بعض التحديات إلا إن الحكومة الصينية في سبيلها لتحقيق ذلك. إذا تحقق هذا بالكامل كما هو متوقع، فإن كمية كبيرة من انبعاثات الكربون قد يتم خفضها. إضافة إلى ذلك، في فترة قصيرة برزت الصين كدولة رائدة في العالم في مجال الطاقة المتجددة، بل هي الآن ثاني أكبر سوق لتوربينات الرياح في العالم، كما إن مصانع الألواح الشمسية فيها تقوم بتوفير جزء كبير من احتياجات السوق العالمي للألواح الشمسية. على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في هذا المجال، لكن مع ذلك، الحاجة الأساسية للتنمية الاقتصادية والمستوى المنخفض نسبيا من نصيب الفرد من استهلاك الطاقة في الصين لا تزالان يعنيان أن الطلب على الطاقة من المؤكد أن يزداد، مما قد يؤدي إلى زيادة في إجمالي انبعاثات الكربون.
الموضوع المهم في الإجراءات التي ستتبناها الصين هو اعتماده معيار كثافة الكربون (انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون لكل وحدة من إجمالي الناتج المحلى) وليس كميات انبعاثات الكربون المطلقة. حيث إنه بصورة عامة، طالما لا يزال هناك نمو اقتصادي، إن خفض كثافة الكربون سوف لا يؤدي بالضرورة إلى خفض إجمالي الانبعاثات في الصين. كثافة الكربون في الصين في انخفاض مطرد في البلاد منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. حيث إن كثافة الكربون في الصين اليوم ما يقرب من ثلث مستواها في عام 1980، ويرتبط هذا الانخفاض في كثافة الكربون مع زيادة الكفاءة الذي تحقق في عملية تحول الصناعي السريع في الصين، الذي تم خلالها استبدال التكنولوجيات القديمة الواطئة الكفاءة بتقنيات أحدث وأكثر كفاءة. غير أن هذا الانخفاض السريع توقف في عام 2003، عندما بدأت الطفرة الصناعية في الصين. من عام 2003 إلى 2006 ارتفع معدل كثافة استهلاك الطاقة وبالتالي ارتفعت كثافة انبعاثات الكربون، مما دفع الحكومة إلى تعيين حد من كثافة الطاقة المستهدفة لفترة مدتها خمس سنوات تنتهي في عام 2010. حتى الآن يبدو أن الصين في طريقها لتحقيق تخفيض 20 في المائة مقارنة بمستويات عام 2005 بحلول نهاية هذا العقد، كما أسلفنا. لكن على الرغم من انخفاض كثافة الكربون، إلا أن الانبعاثات الإجمالية لغاز ثاني أوكسيد الكربون استمرت في الارتفاع. حيث إن إجمالي الانبعاثات من استخدام الوقود الأحفوري، المصدر الرئيس لانبعاث الكربون، كانت قريبة من سبعة آلاف مليون طن متري في عام 2008، أي بزيادة خمسة أضعاف تقريبا من 1.400 مليون طن متري في عام 1980، حسب الإحصائيات الرسمية. لتقييم أهداف الحد من كثافة انبعاثات الكربون، التي تحدث عنها الرئيس الصيني في خطابه أمام قمة الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، على انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، أجرت أخيرا إحدى مراكز أبحاث الطاقة المتخصصة دراسة تحليلية بهذا الخصوص. هذه الدراسة افترضت ثلاثة أهداف (سيناريوهات) محتملة لخفض كثافة انبعاثات الكربون استنادا إلى أداء الصين السابق في هذا المجال: المرجعي، الهدف الجديد والهدف الكبير. وقد افترضت هذه الأهداف خفض كثافة استهلاك الطاقة (كثافة انبعاثات الكربون) بمقدار 1.8 في المائة، 3.6 في المائة و5 في المائة سنويا على التوالي بين عام 2010 و2030. بموجب هذه الأهداف الثلاثة هناك انخفاض واضح في كثافة الكربون للاقتصاد الصيني. لكن مع ذلك، مجموع انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون في الصين ستواصل نموها في ظل جميع الأهداف الثلاثة. حتى بالنسبة للهدف الكبير، مجموع الانبعاثات سوف لن تبدأ بالاستقرار حتى أواخر الفترة. حسب هذه الدراسة، ألأهداف التي وضعها الرئيس الصيني مهمة وفاعلة، مما لا شك فيه ستجنب كميات كبيرة من الانبعاثات من الصين. لكن السؤال المهم هنا: هل هذا الخفض سيكون كافيا لتلبية توقعات البلدان الصناعية في هذا المجال؟
مما لا شك فيه هو إن الصين هي أكبر دولة في العالم مسؤولة عن انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون ولكن في الوقت نفسه هي أكبر دولة مخفضة له. هذه الحقيقة ستضع الصين في موقع مهم في مفاوضات المناخ الدولي التي ستعقد في كوبنهاجن في وقت لاحق من هذا العام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي