رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اليوم الوطني .. منجزات وتطلعات

سيحل اليوم الوطني هذه السنة في أيام عيد الفطر المبارك، ما يجعل المناسبة أكثر تميزا تختلط فيه فرحة الصائمين بإتمام صيام شهر رمضان واحتفالهم بنعمة الأمن والأمان في بلاد تحكم بشرع الله وبه تعدل. اليوم الوطني فرصة لاستذكار بطولات الوالد المؤسس الملك عبد العزيز والرجال الأوائل من أبناء هذا البلد المخلصين الذين ضحوا بالغالي والنفيس ووهبوا أرواحهم رخيصة من أجل الوطن. وها هم أبناؤه البررة من بعده يسيرون على النهج القويم ذاته من حفظ كرامة الناس وصيانة أعراضهم وأموالهم. وفي كل مرحلة من مراحل بناء الوطن يكون العطاء منسجما مع المعطيات والمستجدات والمتغيرات بحكمة وروية تنم عن عقلية سياسية مستنيرة ورؤية بعيدة المدى وما يحقق المصالح العليا للوطن. هكذا بقيت السعودية كالجبل الأشم شامخة في وجه التحديات على مر السنين صامدة رغم محاولات الخائبين الحاقدين, لأنها اتخذت من لا إله إلا الله محمد رسول الله شعارا ودستورا فحفظها الله بحفظه. وعلى أساس من العقيدة والمبادئ الإسلامية تكونت تلك العلاقة الحميمية بين الحاكم والمحكوم. علاقة وطيدة فطرية ربانية لا تنفك عراها بحادثة الزمان ولا تتأثر بخداع الآخرين والإعلام المغرض.
اليوم الوطني هذا العام يأتي تتويجا لعطاءات كثيرة ومتميزة ومتوالية طالت جميع القطاعات وعمت جميع فئات المجتمع, كان آخرها صدور أمر خادم الحرمين الشريفين بصرف مساعدة تفوق المليار ريال لجميع الأسر التي يشملها نظام الضمان الاجتماعي لمساعدتها على تلبية مستلزماتها الطارئة في شهر رمضان وعيد الفطر المبارك. وهو أمر يعكس حرص القيادة على رفع المعاناة عمن هم أقل حظا، ليس ذاك وحسب ولكن كسياسة لإعادة توزيع الدخل, ومتصلة بذلك زيادة عدد الجامعات وتوزيعها في جميع مناطق المملكة حتى يكون التعليم الجامعي متاحا لجميع أبناء المملكة دون تمييز, ما يحقق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة, الأمر الذي ظل يراود خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله وهاجسه الأول. ولذا لم يكن مصادفة أن يواكب اليوم الوطني الافتتاح الرسمي لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في مدينة ثول كمنجز حضاري كبير ليس للمملكة فحسب ولكن للعالم أجمع, ما يجسد مكانة السعودية ودورها في الإسهام في المعرفة البشرية, وأن تكون هذه الجامعة جسراً للتواصل بين حضارات العالم. وهو ما ينسجم مع جهود الملك عبد الله بن عبد العزيز في نشر ثقافة الحوار والتقارب والتسامح بين الحضارات, التي بدأها في المملكة بإنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني لينتقل بمفهوم الحوار إلى آفاق أوسع تشمل العالم بأسره, فيوجه بتنظيم مؤتمر مدريد للحوار ومن ثم يتحول به إلى الأمم المتحدة ليكون ركيزة في العمل العالمي والتقارب الإنساني بين أمم الأرض. لقد أعاد الملك عبد الله بحنكته وصدقه وطهارة سريرته تثقيف العالم من جديد حول حقيقة الإسلام, وأنه دين رحمة وتسامح وسلام بعدما ألصق به ظلما وعدوانا صفة الإرهاب والقتل والدمار. لم تكن المهمة سهلة إلا أن مصداقية الملك عبد الله وشخصيته الجذابة وعلاقته المتينة بالمؤسسات الرسمية والشعبية كانت القوة التي دفعت بجهود الحوار وحققت الإنجاز الذي عجز عنه كثيرون, ونجح أيما نجاح في تغيير الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين.
اليوم الوطني فرصة للاحتفال بالمنجز الوطني ليس بالمشروع المادي العمراني وحسب, ولكن بقيمنا وثوابتنا الوطنية التي هي مصدر فخرنا واعتزازنا وهويتنا وكينونتنا. لقد أصبح اليوم الوطني أكثر أهمية من أي وقت مضى, فهناك من يريد اختراق الصف وتفريق الاجتماع وزرع الفتنة وقلب الحقائق والعزف تارة على وتر القومية وتارة أخرى على وتر المذهبية. اليوم الوطني عنوان الوحدة والتضامن والإعلان الصريح لحب الوطن حبا يجري في العروق لا يساوم عليه, يبذل من أجله كل غال ونفيس. اليوم الوطني فرصة للتوقف مع النفس والسؤال ماذا قدمت لوطني؟ السؤال لا يستطيع الإجابة عنه سوى أولئك الذين عرفوا قيمة الوطن وقيمة الانتماء وعقدوا الولاء دون شرط أو قيد ودون مقايضة وحسابات معقدة. حب الوطن يعني أن تقبله كله دون تمييز أو مفاضلة أو مقارنة. الوطن ليس خيارا وإنما قدر يسوقه الله ونعمة فضيلة تماما مثل الوالدين, فنحن ولدنا في كنفه وترعرعنا على ترابه وأظلتنا سماؤه فلم نعرف سواه يضمنا تحت لوائه ويجمعنا بعقيدة الإسلام ويصهرنا في بوتقته, فكنا منه وإليه, فنحن الوطن والوطن نحن, وعندما نصل إلى هذا الامتزاج نبذل بلا حساب ونضحي بلا حدود وبذلك تتحقق المواطنة في أعلى درجاتها وأوج تألقها وأرقى مراتبها.
اليوم الوطني ليس مشاعر جياشة وكلمات نقولها أو انتسابا رسميا, وإنما عمل جاد وجهد دؤوب وحرص على المساهمة في بنائه كل من موقعه وحسب استطاعته. الوطن حصيلة ذلك كله, فنحن من شكّله وصنعه والعكس صحيح, إنها دائرة العطاء والتضحية والرؤية المشتركة والتخلي عن الأنانية ليكون الجميع يدا واحدة يشد بعضنا بعضا . إنه المفهوم الحقيقي للوطن تترجمه المواطنة الحقة في أن الكل للواحد والواحد للكل. هذا نراه ظاهرا جليا في العمل التطوعي الذي يتسابق الشباب عليه في كل زاوية من زوايا الوطن في بذل الوقت والجهد والمال من أجل المساهمة في التنمية الاجتماعية وتقديم خدمات جليلة. إنه حقا مجتمع خير لا نود أن يعكر صفوه وأن يشوهه من أراد التفريط، فتقمص ثقافة الآخرين حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه, ولا أولئك الذين أفرطوا على أنفسهم وتزمتوا وتنطعوا في الدين فذهبوا يغالبونه ويضيقون على أنفسهم ويحرمون ويحللون دون علم وتأصيل، ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا. نحن أمة وسط, وهذا هو السر العظيم وراء جاذبية الإسلام الذي شرفنا بحمل لوائه وانطلقت دعوته من بين جنبات وطننا الذي نفخر ونشرف أن نكون جميعنا في خدمة الحرمين الشريفين.
اليوم الوطني دعوة للبحث عن وسائل جديدة للتعبير الجماعي والتصور المشترك في حب الوطن والانتماء إليه وتحقيق المصلحة الوطنية وإدارة المجتمع عبر هيئات محلية منتخبة تكون صوت المواطن وتتيح الفرصة عبر قنوات رسمية للتعرف على الرأي العام وتوثيق العلاقة الحميمة بين الحاكم والمحكوم لتكون أكثر تقنينا ووضوحا وجسرا نعبر إليه لمستقبل واعد. عشت يا وطني دوما عزيزا كريما أكثر قوة ومنعة ووحدة وتوحدا .. وكل عام والجميع بخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي