الوقود الحيوي في أوروبا .. الواقع والأهداف
في حلقة سابقة تمت مناقشة سياسات الدول الغربية في مجال أمن إمدادات الطاقة، حماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي وأثرها في مستقبل الطلب العالمي على النفط. أحد الجوانب المهمة من هذه السياسات هو التوسع في إنتاج الوقود الحيوي، كبديل للبنزين ووقود الديزل في مجال النقل.
على مدى السنوات العديدة الماضية تم الترويج للوقود الحيوي في أوروبا باعتباره وسيلة لمعالجة أمن إمدادات الطاقة والمخاوف المتعلقة بتغير المناخ، كذلك للمساعدة على زيادة الدخل بالنسبة إلى القطاع الزراعي. هذه الأهداف انعكست في سياسات طموحة من جانب الاتحاد الأوروبي في هذا المجال, حيث وافق رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) 2008 على تنفيذ حزمة من الإجراءات لتغير المناخ وتحديد أهداف للطاقات المتجددة. هذه الأهداف تشمل ما يلي : الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 20 في المائة عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2020؛ تحقيق 20 في المائة من حصة الطاقة المتجددة في إجمالي استهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، والتوصل إلى 10 في المائة كحد أدنى من حصة الوقود الحيوي من مجمل استهلاك البنزين والديزل في مجال النقل في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020.
إن أسواق الوقود الحيوي في أوروبا، خلافا لنظيراتها في كل من الولايات المتحدة والبرازيل، يأتي وقود الديزل الحيوي فيها في المقام الأول. حيث إن إنتاج الإيثانول في أوروبا عام 2008 كان نحو 50 ألف برميل يوميا، مقارنة بـ 150 ألف برميل يوميا من الديزل الحيوي، حسب إحصائيات وكالة الطاقة الدولية IEA. لكن أهداف الوقود الحيوي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على المدى القريب, إضافة إلى عديد من التغيرات التي حدثت أخيرا لمواصفات وقود النقل، توحي بأن الإيثانول في أوروبا يجب أن ينمو بشكل كبير عن المستوى المتدني عليه حاليا. على الرغم من كون وقود الديزل الحيوي لا يزال الوقود المطلوب في أوروبا، كون المصافي هناك تنتج الكثير جدا من البنزين، بينما الديزل المنتج لا يسد الحاجة. لكن، من غير المحتمل أن يكون هناك أبدا ما يكفي من وقود الديزل الحيوي، سواء كانت محلية أو مستوردة، لتلبية الطلب في أوروبا لتحقيق الهدف المتمثل في استبدال 10 في المائة من احتياجاتها من الطاقة في مجال النقل من مصادر الطاقة المتجددة. لذلك في الوقت الحاضر، الإيثانول هو مفتاح النمو في الوقود الحيوي في أوروبا.
على الرغم من أن النمو في صناعة الوقود الحيوي الأوروبية كان كبيرا خلال السنوات الخمس الماضية، حيث ازداد الإنتاج بما يقرب من 40 في المائة خلال تلك الفترة، إلا أن الدول الأوروبية تخلفت دائما عن تحقيق أهدافها المعلنة في هذا المجال. إن الأهداف السابقة للوقود الحيوي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لعام 2010 توقعت الوصول إلى نحو 5.8 في المائة (على أساس محتوى الطاقة) من احتياجاتها من الطاقة في مجال النقل من الوقود الحيوي، أي ما يقرب من نحو 460 ألف برميل يوميا من إجمالي الطلب على الوقود الحيوي، مع افتراض أن الطلب على الوقود لعام 2010 سيكون في حدود 6.4 مليون برميل يوميا. لكن في عام 2008 مجموع الطلب على الإيثانول والديزل الحيوي في أوروبا مجتمعة كان نحو 230 ألف برميل يوميا، أي نحو 3 في المائة فقط (على أساس محتوى الطاقة) من مجموع الطلب على وقود البنزين والديزل في أوروبا مجتمعة والمتمثل في نحو 6.3 مليون برميل يوميا. الإيثانول يمثل نحو 1.4 في المائة من سوق البنزين، في حين أن وقود الديزل الحيوي يمثل نحو 4 في المائة من سوق وقود الديزل في أوروبا، نحو 190 ألف برميل يوميا. هذا يؤكد محدودية دور الإيثانول في أوروبا نسبيا حتى الآن، لأن أسواق الديزل هي تقريبا ضعف حجم أسواق البنزين.
لكن مع قيام الاتحاد الأوروبي بوضع أهداف جديدة إلى عام 2020 لحصة الطاقة المتجددة من إجمالي استهلاك الطاقة بما فيها التوصل إلى 10 في المائة كحد أدنى من حصة الوقود الحيوي من مجمل استهلاك البنزين والديزل في مجال النقل، بدأت الدول الأعضاء بالفعل تنفيذ التزاماتها على المدى القريب بخصوص نسب مزج الوقود الحيوي (الإيثانول) مع البنزين. هذه الالتزامات بنسب المزج تهدف إلى ضمان حصة للوقود الحيوي في الأسواق، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الحد من الإعفاءات الضريبية والإعانات الأخرى على الوقود الحيوي. فرنسا والمملكة المتحدة، على سبيل المثال، فرضت عقوبات مالية ضد موردي الوقود الذين لا يوفون بهذه الالتزامات، كما أن غيرها من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تحذو حذوهما في المستقبل القريب.
إن مجمل هذه الأهداف الجديدة تنطوي على التوسع الكبير في استخدام الوقود الحيوي التقليدية في أوروبا على مدى السنوات العديدة المقبلة. تحقيق هذه الأهداف يعني زيادة في استخدام الإيثانول أو وقود الديزل الحيوي التقليدي على حد سواء، خصوصا أن الجيل الثاني من الوقود الحيوي المشتق من المواد السليلوزية ليس مجديا اقتصاديا بعد، كما إن الآفاق المستقبلية لإنتاجها على نطاق واسع لا تزال غير مؤكدة بعد وتواجه تحديات كبيرة.
على الرغم من أن أوروبا بشكل متزايد تعتمد على وقود الديزل في مجال النقل، إلا أن أهداف الوقود الحيوي من غير المرجح أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك وقود الديزل الحيوي. بدلا من ذلك، الإيثانول لديه قدرة أكبر على النمو في وقود النقل في السوق الأوروبية وذلك لسببين رئيسيين. الأول، توفير كميات إضافية من وقود الديزل الحيوي التقليدية من المرجح أن تكون محدودة، سواء في أوروبا أو في غيرها من أسواق العالم الرئيسية. إذا كانت أوروبا قادرة على تحقيق أهدافها لعام 2020 والوصول إلى 10 في المائة من أنواع الوقود المتجددة بالاعتماد على وقود الديزل الحيوي المنتج محليا، فإنها تحتاج إلى إمدادات أكثر من 500 ألف برميل يوميا من وقود الديزل الحيوي استنادا إلى الطلب الأوروبي المتوقع على وقود الديزل بحلول 2020 والمقدر بنحو 4.6 مليون برميل يوميا، أي أن إمدادات وقود الديزل الحيوي يجب أن تزداد أكثر من 200 في المائة من مستويات الإنتاج الحالية. استيراد وقود الديزل الحيوي من مناطق أخرى من العالم هو احتمال وارد. لكن، مجموع وقود الديزل الحيوي في السوق العالمية خارج أوروبا يقدر فقط بـ 55 ألف برميل يوميا عام 2008، ما لا يقل عن نصف هذه الكمية في الولايات المتحدة. كما أن هناك كثيرا من التحديات والمعوقات التقنية واللوجستية تحول دون التوسع في الإنتاج أوروبيا وعالميا.
أما السبب الثاني فيعود إلى تغير مواصفات وقود البنزين في أوروبا، حيث سمحت التشريعات الجديدة بنسب مزج عالية من الإيثانول قد تصل إلى 10 في المائة. كما حددت هذه التشريعات عقوبات في حالة عدم تحقيق الأهداف المطلوبة وذلك لتشجيع ودفع الاستثمارات اللازمة لزيادة نسب المزج. مواصفات البنزين في أوروبا في السابق كانت تحدد نسبة خلط الإيثانول بنحو 5 في المائة حجما. حيث إن الافتقار إلى البنى التحتية المتخصصة في أوروبا أعاق زيادة نسبة الإيثانول لإدماجها في البنزين. لكن الزيادة الكبيرة في نسبة مزج الإيثانول مع البنزين سيؤدي إلى تفاقم الخلل في أسواق وقود النقل الأوروبية، حيث إن أوروبا لديها فائض كبير ومتزايد من البنزين، الزيادة الكبيرة في مزج الإيثانول من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم هذا الوضع من خلال إضافة إمدادات إلى أسواق البنزين المتخمة. إضافة إلى ذلك هذه الزيادة الكبيرة في نسبة مزج الإيثانول سيكون لها تداعيات كبيرة على صناعة التكرير الأوروبية حيث على المصافي في أوروبا تغيير مكونات البنزين لاستيعاب الزيادة في خلط الإيثانول, كما يمكن أن يؤدي هذا إلى انخفاض الربحية.