حين لا تهطل الأمطار

حين لا تهطل الأمطار
حين لا تهطل الأمطار

شجع هطول الأمطار الشهر الماضي Haniya، وهو أحد أفراد قبيلة Lambada في جنوب مقاطعة أندرا براديش، على تفقد أرضه التي تبلغ فدانا واحدا (0.4 هكتار). وربما كانت بعض الرقط الخضراء، التي قد تدل على أن الأرض الحمراء شربت ما يكفي من الماء لكي تظهر البراعم، ستشجعه على زراعة القطن. ولكن مع اقتراب نهاية موسم الأمطار الموسمية في أندرا براديش، كان الحقل ولا يزال عطشا وعاريا. وإذا هطلت الأمطار ثانية، قد يزرع Haniya أرضه. ولكن ماذا إذا لم تهطل؟ يجيب الإجابة نفسها الفلاحون الفقراء في الهند وفي دول أخرى فقيرة وجافة، وهي ''الله وحده يعلم''.

وفي قريته، Veeralapalam، تجمع المزارعون من قبيلة Lambada ذوي البشرة الفاتحة. وكان معظمهم قد زرع بعض بذور القطن أو العدس بعد الأمطار. ولكن يجب أن تهطل الأمطار مرة أخرى: لا يستطيع أي منهم الحصول على الري من عشرات الآبار الغارقة على عمق 90 مترا في القاعدة الصخرية البركانية . ومن المتوقع أن يشتري القليل منهم واحدا أو اثنين من الأدوات المكلفة للتنقيب عن مياه الأنابيب، التي جلبها الجيران أنفسهم من جدول قريب بفعل العاصفة. ويقول Saidanayak إنه حتى لو كان يمكن تحمل تكلفتها، إلا أنها لن تكفي لزراعة أرضه البالغة مساحتها فدانا واحدا بالقطن. فهذه الطريقة لن تنجح إذا لم يهطل المزيد من الأمطار، مما سيزيد دينه البالغ 125 ألف روبية (2500 دولار) - وهو مبلغ كبير، حيث يبلغ مهر العروس من قبيلة Lambada 1200 دولار.
وبما أنه ليس لديه محصول أو مال، ولديه ثلاث بنات يجب تزويجهن، سينضم إلى الموجة الوحيدة الموثوقة في أندرا براديش في أيام الجفاف هذه: آلاف الفلاحين الهزيلين المتجهين إلى حيدر أباد، عاصمة الولاية، بحثا عن أجور يومية. وحين سئل عما سيفعله هناك، رفع قبضتيه وحرك رجليه، كما لو أنه يجر عربة - وخففت ضحكته كآبة الأجواء.
ويشاركه كثير من الهنود في مخاوفه تلك. ويعيش نحو 450 مليون شخص من الزراعة المروية بالأمطار، وقد كانت الأمطار الموسمية هذا العام، التي توفر بين حزيران (يونيو) وأيلول (سبتمبر) 80 في المائة من أمطار الهند، هي الأقل منذ عقود. ويعاني نحو نصف مقاطعات الهند البالغ عددها 604 من الجفاف، خاصة في الولايات الأكثر فقرا واكتظاظا بالسكان - مثل بيهار، التي أعلنت الجفاف في 26 من أصل 38 من مقاطعاتها. وتتوقع ولاية أوتار براديش، موطن 185 مليون شخص، أن ينخفض محصول الأرز الرئيسي لها بنسبة 60 في المائة. والتوقعات بالنسبة لمحصول القمح الشتوي منخفضة أيضا، حيث إن الخزانات الرئيسية في الهند، مصدر قنوات الري، أقل من متوسطها الموسمي بنسبة الثلث. ويعني هذا أيضا كميات أقل من المياه للمدن المتعطشة للماء، بما في ذلك دلهي، التي يعيش فيها 18 مليون شخص، والتي يلبي مجلس المياه نحو نصف الطلب فيها في العام الجيد.
وساد الارتياح في أندرا براديش وولايات أخرى بسبب هطول الأمطار الغزيرة المتأخرة. إلا أن الزراعة المتأخرة تنتج عادة محصولا قليلا. وانتحر نحو 20 مزارعا في أندرا براديش الشهر الماضي، وسيكون هناك المزيد. وعلى بعد مسافة قريبة بالسيارة من حيدر أباد، راقب Koteswara Rao أربعة من طبقة الهندوس المنبوذين وثورين قويين يحرثون أرضه البالغة مساحتها 16 فدانا (14 منها مستأجرة) لزراعة القطن. وإذا لم ينجح الأمر، ستبلغ ديونه أربعة آلاف دولار، وبما أنه من طبقة عليا، لن يتمكن أبدا من العمل كعامل، ''فالانتحار سيكون أسهل''.
ولا يجب أن يموت أحد جوعا على الأقل. فلم يسبق أن تسبب أي من حالات الجفاف الخمس الكبيرة السابقة في فترة ما بعد الاستقلال في الهند بالمجاعة. وبعد عامين مزدهرين، تقول الحكومة إن لديها كميات كافية من القمح والأرز لمنع تضخم أسعار الحبوب بصورة كبيرة. وبما أن الزراعة تشكل 18 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 30 في المائة عام 1990، سيسبب الجفاف أضرارا قليلة نسبيا للاقتصاد الهندي؛ من المفترض أن يواصل نموه بنسبة تزيد على 5 في المائة هذا العام. ومن الأمور المساعدة أيضا الإنفاق السخي على الرفاه الاجتماعي في المناطق الريفية منذ عام 2004، حين فاز حزب الكونجرس بالسلطة في دلهي. وقد استفاد نحو 30 مليون شخص من مشروع الأشغال العامة الرئيسي للحكومة، وهو المخطط الوطني لضمان التوظيف الريفي.
إلا أن الجفاف يؤكد حقيقة كئيبة. فعلم المياه في الهند والفقر المدقع الذي تعانيه وعدد سكانها الهائل تمثل مشكلات كبيرة فيما يتعلق بإدارة المياه التي لم تتقنها أبدا. وهذه المشكلات آخذة في الازدياد. وقد تكون حالات الجفاف المتكررة بصورة متزايدة دلالة على هذا - إذا كان السبب في ذلك، كما يعتقد البعض، هو التغير المناخي. وسيؤدي إلى زيادة حدة مشكلات الهند، حيث يتوقع أن تقل الأمطار الموسمية، التي توفر أكثر من 50 في المائة من الأمطار السنوية في الهند خلال 15 يوما فقط، وأن تصبح غير قابلة للتنبؤ بها. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الذوبان السريع للأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا إلى حرمان الأنهار الكبيرة في شبه القارة الهندية، وهي السند، الجانج وبراهمابوترا، من مصدرها الصيفي. ويهدد هذا بضربة ثلاثية: مواسم جافة أطول، لا تتدفق فيها تلك الأنهار، ومواسم مطيرة أكثر عنفا. ويعني هذا المزيد من الأخبار السيئة بالنسبة لشرق الهند المعرضة للفيضانات، بما في ذلك بيهار، حيث تشرد أكثر من ثلاثة ملايين شخص العام الماضي حين فاض نهر Kosi.
وقد كان مستقبل المياه في الهند مثيرا للقلق حتى دون التغير المناخي. فعلى الرغم من التقلبات الموسمية والإقليمية المخيفة، إلا أنه من المفترض أن يكون لديها مياه وفيرة للاستخدام الزراعي والصناعي والمنزلي. إلا أن معظمها يهطل، خلال وقت قصير جدا، في الأماكن غير المناسبة. وبالتالي فإن المهمة الصعبة التي يجب على الهند القيام بها هي تخزين ما يكفي من المياه؛ وتوجيهها إلى الأماكن الأشد حاجة إليها؛ والأهم من ذلك استخدامها هناك بأكبر قدر من الكفاءة. وأداء الهند سيئ في هذه المهمات الثلاث. ووفقا للتقديرات الرسمية التي تم تقديرها قبل عقد من الزمن، فإنه دون إجراء تحسينات كبيرة، ستفتقر الهند إلى المياه بحلول عام 2050، حين سيبلغ عدد سكانها أقل قليلا من 1.7 مليار شخص.

#2#

وهناك بالفعل دلائل على النزاع الذي من شأن ذلك أن يتسبب فيه. فبعد أن طالبت بصخب منذ عقود بحقوقها في نهر كريشنا، تعمل أندرا براديش وماهاراشترا وكارناتاكا بحماس على بناء السدود والتحويلات، بحيث إن النهر قد لا يتحمل حتى في حال الفيضان. وفي ولاية أوريسا، شيّد 30 ألف مزارع - يتم تخصيص أكثر من 80 في المائة من مياه الهند لهم - سياج حول خزان عام 2007، في محاولة لمنع المصانع من استخدام مياهه. وشهدت ولاية راجاستان الصحراوية احتجاجات مماثلة ضد تحويل المياه إلى مدنها النامية. وفي إحداها، تم قتل خمسة مزارعين بالرصاص من قبل الشرطة.
وتشعر الحكومة بالقلق: يقول A.K Bajaj، رئيس اللجنة المركزية للمياه في الهند، التي توفر الدعم التقني لحكومات الولايات التي تسيطر على مياه الهند: ''سيكون عام 2050 مخيفا للغاية.'' والحل الرئيسي الذي خرجت به هو بناء المزيد من السدود الكبيرة (هناك 390 سدا قيد الإنشاء الآن)، وتحويلات الأنهار، بما في ذلك هيكل من 30 وصلة ستوحد معظم أحواض الأنهار في الهند. وفي الواقع، تحتاج الهند إلى المزيد من مستودعات المياه: تملك 200 متر مكعب للشخص الواحد، مقارنة بألف متر مكعب في الصين. ولكن نظرا لكون معظم البنى التحتية الحالية للمياه فيها متداعية، وبالنظر إلى استخدامها المبذر للمياه، فإن أولوياتها الأكثر إلحاحا هي الترميم والإصلاح.

عبادة الآلهة القديمة
بالنظر إلى أن الهند عرضة للمجاعة في معظم تاريخها، فإن تعلقها بالسدود أمر مفهوم. فقدرتها على إطعام نفسها تعود بالدرجة الأولى إلى إنفاقها السخي على السدود الكبيرة ومشاريع القنوات في الخمسينيات والسبعينيات - مثل سد Bharka الضخم في هيمشال براديش، الذي تم استكماله عام 1963، والذي وصفه رئيس الوزراء حينها، Jawaharlal Nehru، بأنه ''المعبد الجديد'' للهند. وساعد سد Bharka على ري سبعة ملايين هكتار شمال غربي الهند، خاصة البنجاب وهاريانا. ومهد هذا الطريق إلى الثورة الخضراء في الستينيات، حين عزز إدخال البذور الجديدة والأسمدة الكيماوية المحاصيل الزراعية بصورة كبيرة في تلك الولايات وفي المنطقة الساحلية لأندرا براديش - التي تم ريها في القرن التاسع عشر من قبل مهندس بريطاني، هو Sir Arthur Cotton، الذي لا يزال معبودا هناك مثل الآلهة.
ولكن، في جميع أنحاء العالم، إذا لم تكن هناك صيانة مكلفة لمنع ترسب الطمي في الخزانات وتسرب المياه من القنوات، تصبح السدود الكبيرة ومخططات الري غير فاعلة ومدمرة للبيئة. ودوائر الري في الولايات في الهند، التي تكون غالبا فاسدة وتفتقر إلى التمويل وتضم عددا كبيرا جدا من الموظفين - توظف دائرة الري في أوتار براديش مثلا أكثر من 100 ألف شخص - لا توفر أي صيانة على الإطلاق في الغالب. ونتيجة لذلك، تشير التقديرات إلى أن الهند تفقد كل عام ما يعادل ثلثي المخزون الجديد الذي تجمعه بسبب ترسب الطمي. ويؤدي سوء التخطيط، الناتج في الكثير من الأحيان عن المنافسات بين الولايات، إلى تبديد المزيد من المياه. وهكذا فإنه بين الأعوام 1992 و2004، بنت الهند 200 مشروع ري كبير ومتوسط الحجم- وتقلصت المساحة المروية من هذه المخططات بمقدار 3.2 مليون هكتار.
وقرية Veeralapalam هي مثال على ذلك، وتقدم صورة عن الخاسرين في الاقتصاد السياسي الذي تكون فيه المياه هي العملة الرئيسية. فقد تلقت منذ الستينيات كميات من المياه غير المنتظمة في قناة صغيرة، في نهاية نظام قبالة نهر كريشنا، ولكنها جافة الآن منذ عام 1985 بسبب التسرب أعلى القناة، وأيضا، كما يقول مزارعو Lambada، بسبب الاستخدام غير القانوني من قبل أعضاء المجتمع الأكثر تفضيلا. وقد أعيد حفر القناة العام الماضي بموجب المخطط الوطني لضمان التوظيف الريفي، ولكن لا يبدو من المحتمل أن تحصل على المياه.
وعلى بعد أميال قليلة من قرية Ulisaipalam التي يسكنها الهندوس من الطبقة العليا، هناك مياه، ولكن هناك أيضا المزيد من المشكلات. فعلى سبيل المثال، يزرع P. Venkat Reddy بذور الأرز الداكنة في الفدانين من أرضه المروية ولكن غير المستغلة. وحين تكون هناك مياه في القناة، لمدة تصل إلى أربعة أشهر كل عام، تغمر المياه الأرض، وتصبح مناسبة فقط للأرز. ولكن في السنوات الأخيرة، لم تكن في القناة كميات كافية من المياه لجني محصول كامل من الأرز - مما أجبر Reddy على استكمالها بالمياه الجوفية. فهو يضخ المياه الجوفية، بالكهرباء التي يتم توفيرها مجانا للمزارعين في أندرا براديش، من بئر محفورة على عمق 45 مترا في أرضه.
ومنذ السبعينيات، حين أصبحت مضخات المياه ذات الأسعار المعقولة متوافرة ووصلت الكهرباء إلى المزيد من الأماكن، فعل الملايين من الأشخاص الشيء نفسه. وتعد الهند أكبر مستهلك في العالم للمياه الجوفية، حيث يوجد نحو 20 بئر تنقيب توفر المياه لأكثر من 60 في المائة من المساحة المروية. وبما أنها في متناول المزارعين تماما، فهي أكثر إنتاجية بثلاثة أضعاف من قناة الري. وفي عام 2002، بلغت قيمتها، وفقا لأحد التقديرات المتحفظة، ثمانية مليارات دولار سنويا بالنسبة للاقتصاد الهندي - أكثر من أربعة أضعاف ما تنفقه الحكومات المركزية وحكومات الولايات على مخططات الري.
وقد غير الري بالمياه الجوفية حياة ملايين الأشخاص. وأسهم أيضا في معالجة مشكلات التشبع بالمياه والملوحة، التي تسببها القنوات. ولكن في كثير من الأماكن، بما فيها البنجاب وهاريانا الإنتاجيتين التي يحصل مزارعوها الأكثر ثراء أيضا على الكهرباء مجانا أو بسعر مخفض، فإن نسبة استخراج المياه الجوفية غير مستدامة. وقد تم تحديد نحو ثلث كتل المياه الجوفية في الهند عام 2004 بوصفها ''خطرة أو شبه خطرة أو يتم استغلالها بإفراط''. وتشير تقديرات البنك الدولي أنه يتم إنتاج 15 في المائة من الغذاء في الهند عن طريق ''تعدين''- أو الاستخراج غير المتجدد- للمياه الجوفية، بما في ذلك 18 في مقاطعات البنجاب البالغ عددها 20. وتظهر خرائط الأقمار الصناعية التي نشرتها وكالة ناسا الأمريكية الشهر الماضي أن طبقات المياه الجوفية في شمال غرب الهند انخفضت بمقدار قدم سنويا بين الأعوام 2002 و2008: أي خسارة بمقدار 109 كيلو مترات مكعبة (26 ميلا مكعبا) من المياه، أو ثلاثة أضعاف حجم أكبر خزان صناعي في أمريكا.
ويؤدي هذا إلى تراكم المشكلات. فمع جفاف آبار التنقيب، كما يحدث في طبقات المياه الجوفية في جنوب وسط الهند على أساس شهري، قد يتم حرمان المزيد من الفقراء من المياه الصالحة للشرب. ويفتقر 220 مليون شخص في الهند حاليا إلى المياه الصالحة للشرب. وعلى أية حال، ليست جميع المياه الجوفية في الهند صالحة للشرب؛ وهي تزداد تلوثا في بعض المناطق. وسيتم افتقاد احتياطات المياه الجوفية في الهند حين يؤدي التغير المناخي إلى جعل مصادر المياه السطحية نادرة. وسيؤدي نضوبها إلى زيادة الوضع سوءا، خاصة مع انخفاض الينابيع، التي يمكن أن توفر مقدارا ضئيلا من المياه الجارية خلال مواسم الجفاف الطويلة.

ضخ المياه واللعنة المصاحبة له
ويجد البعض أعذارا لمثل هذا الدمار قائلين إن مزارعي الهند لا يفهمون المياه الجوفية. ولكنهم يعرفون ذلك حين تبدأ بالنضوب، كما تبين من الاجتماع المرتجل في قرية بنجابي في Lubana Tedu. وقال Jarnail Singh، مزارع الأرز: ''ستتحول البنجاب إلى صحراء قاحلة، مثل ولاية راجاستان.'' وحين بدأ Singh بضخ المياه الجوفية عام 1973، لزراعة أرضه البالغة مساحتها 14 فدانا بالأرز بدلا من القطن، تطلب ضخ المياه من عمق 1.5 متر محرك بقوة ثلاثة أحصنة. وتقبع المياه الجوفية على عمق 20 مترا الآن، لذا فهو يحتاج إلى مضخة بقوة 15 حصانا لري أرضه المزروعة بالأرز. ويقول Singh: ''نحن نعرف أن المياه بدأت بالنضوب، ولكننا لن نغير أساليبنا إلا إذا أرغمتنا الحكومة''.
ولكنها بدلا من ذلك تشجعه على الاستمرار بضخ المياه. وإضافة إلى الحصول على المياه والكهرباء مجانا - سبع ساعات من الكهرباء يوميا - يعلم Singh أن الحكومة ستشتري كل الأرز الذي يستطيع زراعته، ''بسعر الحد الأدنى من الدعم'' المحدد مسبقا. ومقابل هذه الحزمة، فإن جهود البنجاب للحفاظ على المياه الجوفية، خاصة عن طريق الطلب من المزارعين عدم زراعة الأرز قبل الأمطار الموسمية، ضعيفة للغاية.
وتدرك حكومات الولايات أن هذا ضرب من الجنون، حيث يتم منح أكثر من ربع الكهرباء في الهند مجانا أو بسعر مخفض للمزارعين. ونتيجة لذلك، فإن مرافق الطاقة في الولايات مفلسة. إلا أن السياسيين لا يرغبون في تنفيذ الإصلاح لأسباب مفهومة. وفي الآونة الأخيرة، حاول اثنان من كبار الوزراء فرض رسوم على المزارعين مقابل الكهرباء، في أندرا براديش ومادهيا براديش، ولكن تم طردهما من المنصب. ولن يرتكب رئيس وزراء هاريانا، التي ستجري انتخابات في تشرين الأول (أكتوبر)، الذي ينتمي لحزب المؤتمر هذا الخطأ. وهو يطالب بـ 200 مليون دولار من الحكومة المركزية في الهند بقيادة حزب المؤتمر كمساهمة لإعانات الكهرباء المستخدمة في الزراعة في هاريانا.
وهذه الإعانات لا تقتصر على المزارعين. فعديد من الحكومات البلدية تسعّر المياه بأقل من سعر التكلفة، وبالتالي تكافح من أجل تزويدها. فمن المفترض مثلا أن يكون لدى دلهي، التي تغطي إيرادات مجالس المياه فيها 40 في المائة فقط من التكاليف التشغيلية، الكثير من المياه. فهي تسحب 220 لترا لكل مواطن، أي أكثر من باريس. إلا أن نصف هذه الكمية يختفي من الأنابيب بسبب التسرب. ولإصلاح هذه الأنابيب، يجب أن يحفر العمال، الذي لا يملكون خرائط تبين الهياكل التحت أرضية، ويتفحصون الشبكة المتشابكة من الأنابيب والكابلات.
وبالطبع، تحصل منطقة جنوب دلهي الفاخرة على أفضل إمدادات المياه مقابل بضع مئات من الروبيات شهريا. وحين تجف الصنابير فيها، يضخ المحليون، بمن فيهم النخبة السياسية والبيروقراطية في الهند، المياه الجوفية - بصورة غير قانونية غالبا. ووفقا لأحد التقديرات، توفر آبار التنقيب 40 في المائة من مياه العاصمة؛ ويتم استنزاف المياه الجوفية في جنوب دلهي، التي تكمن وراء مكاتب الهيئة المركزية للمياه الجوفية في الهند، بمعدل ثلاثة أمتار سنويا. إلا أن الآبار الأنبوبية، التي تكلف نحو 600 دولار، ليست خيارا بالنسبة لفقراء دلهي، بمن فيهم أربعة ملايين شخص من سكان الأحياء الفقيرة. ولزيادة الإمدادات، عليهم شراء المياه، ذات النوعية المشكوك فيها وبأسعار باهظة، من مافيا للمياه لها صلات مع شخصيات كبرى.
وفي شهر حزيران (يونيو) الحارق، قام سكان ضاحية Sangam Vihar الفقيرة في جنوب دلهي، بأعمال شغب لأنهم لم يحصلوا على أية مياه لمدة أسبوعين. ويقول Vishnu Sharma، أحد سكان هذه الضاحية البالغ من العمر 36 عاما، إنه في الأوقات العادية، يحصل هو وعائلته، في أوقات غير متوقعة، على نحو ساعة ونصف من مياه الأنابيب الطينية كل أسبوع. ويقول إنهم يدفعون مقابل هذه المياه دولارين - و20 دولارا أخرى، أو ربع أجره من المصنع الذي يعمل فيه، لبائعي المياه من القطاع الخاص الذين يتعاونون مع مسؤولي مجالس المياه الفاسدين.'' ويقول بغضب: ''لماذا إذن نتكبد عناء تقديم الشكاوى؟''.
من يمكنه أن ينكر أنه يجب أن يدفع سكان دلهي الأثرياء المزيد من المال للحصول على المياه لكي يتمكن سكان المدينة الفقراء من الحصول على المزيد من المياه؟ طبعا الأغنياء هم الذين ينكرون ذلك. وفي عام 2005، أوقفت المنظمات غير الحكومية المحلية محاولة برعاية البنك الدولي لإصلاح مجلس المياه. فإلى جانب القلق بشأن عملية تقديم عطاءات العقود، كانت تلك المنظمات تشعر بالغضب أيضا لأنها اكتشفت أنه لقاء الحصول على مياه نظيفة على مدار الساعة، يجب أن تدفع الأسر المستهدفة نحو 20 دولارا شهريا - أو ما يدفعه Sharma للمسؤولين المحليين الفاسدين.
دفع مبلغ أكبر واستخدام كمية أقل
ولجعل المزارعين يستخدمون كمية أقل من المياه، عليهم دفع المال، أو دفع المزيد من المال، مقابل الحصول على الكهرباء. وكلما طال انتظار حكومات الولايات لتطبيق هذا الأمر، ارتفعت تكلفة ضخ المياه الجوفية، وزادت صعوبة تنفيذ الإصلاح. كما إن التسعير وحده ليس الحل الشافي. فوفقا لدراسة البنك الدولي، يدفع المزارعون بالفعل الكثير من المال للحصول على كهرباء مدعومة ولكن سيئة النوعية. وفي هاريانا، ينفق المزارعون الذين يحصلون على الكهرباء 25 في المائة من دخولهم عليها وعلى إصلاح محركات المضخات المحروقة؛ وينفق أولئك الذين لا يحصلون على الكهرباء 31 في المائة من دخولهم على الديزل. ولفرض رسوم أعلى على المزارعين مقابل الكهرباء، يجب أن تحسّن المرافق الإمدادات. ويجب أن يتعلم المزارعون استخدام المياه بشكل أكثر كفاءة.
وأحد الحلول الممكنة هو بيع المياه الجوفية للمدن، كما فعل المزارعون خارج Chennai. وهناك حل آخر وهو الحفاظ على إنتاج الغذاء في الهند عن طريق نشر استخدام البذور الحديثة وغيرها من التكنولوجيات - مثل النظام المحسن لزراعة الأرز الذي يستخدم نصف كمية المياه والذي زاد المحاصيل في تاميل نادو وأندرا براديش. ومن الأفضل نقل الزراعة التجارية لقصب السكر والأرز، اللذين يحتاجان إلى كميات كبيرة من المياه، إلى المنطقة الشرقية، إلى الأجزاء الفقيرة المرتوية في بيهار وغرب البنغال. ولكن للأسف، يبدو هذا غير متصور في الوقت الحالي بسبب المقايضات السياسية والتطوير الهائل للبنية التحتية الذي يتطلبه تحقيق ذلك.
ويحتاج المزارعون في المناطق القاحلة التي تعتمد على الأمطار لمساعدة من نوع آخر. فحتى لو حصلوا على الكهرباء - التي لا يحصل عليها 400 مليون هندي - فهم لا يستطيعون دفع ثمنها. كما لن يكون ضخ المياه الجوفية أمرا مرغوبا فيه تماما من قبلهم إلا إذا تمكنوا من زراعة محاصيل مناسبة، مثل البقول والدخن، وريها بشكل حكيم. وفي المناطق الجافة، حيث يمكن أن يؤدي الإسراف في استخدام المياه من قبل أحد المزارعين إلى جفاف عديد من الآبار، تم إقناع المزارعين بتبادل المعلومات حول هطول الأمطار ومستويات المياه الجوفية والمحاصيل، وبالتالي تنظيم أنفسهم بصورة جماعية. وتشمل إحدى المحاولات لتحقيق ذلك في أندرا براديش 25 ألف مزارع. ويجب أيضا أن يكون لدى الهند المزيد من السدود. وليس من الضروري أن تكون تلك السدود كبيرة؛ وفي الواقع، بالنظر إلى مشكلات الصيانة وإعادة التوطين، من الأفضل ألا تكون كبيرة. ولهذه الأسباب وغيرها، يبدو أن معظم الخبراء يريدون أيضا إلغاء فكرة ربط أحواض الأنهار. وفي معظم الأماكن، سواء الريفية أم الحضرية، من الأفضل لحكومات الولايات في الهند التركيز على بناء وترميم ملايين مخازن وصهاريج المياه الصغيرة أو المستودعات المائية الصغيرة جدا، وجعل الحكومات المحلية مسؤولة عنها. ولكن ليس هناك للأسف حل بسيط لأزمة المياه المعقدة في الهند >

الأكثر قراءة