حكايات كئيبة جديدة
إن الصدق سلعة نادرة في العالم النووي السري، الذي تعقد فيه باكستان، كوريا الشمالية، إيران، وسورية وربما دول غيرها - إضافة إلى الأرجنتين، البرازيل، ليبيا، وجنوب إفريقيا في الماضي - صفقات للحصول على المعدات والتكنولوجيا والمواد اللازمة لبرامجها النووية غير المشروعة. إلا أن صانع السوق السوداء الشائنة في كوريا الشمالية وباكستان، عبد القادر خان، قرر بصورة منفصلة وبفخر أن يخبر العالم المزيد من المعلومات حول انتهاكاتهما النووية. وعلى النقيض من ذلك، هناك صمت مثير للقلق من إيران وسورية، الدولتين اللتين وضعتا في دائرة الضوء الأسبوع الماضي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هيئة المراقبة النووية التابعة للأمم المتحدة، بسبب أنشطتهما النووية المشتبه بها.
ورفض إيران للرد على أسئلة المفتشين بشأن الأدلة المتزايدة عن الأنشطة المتعلقة بالأسلحة النووية، أو قبول عرض المحادثات حول طموحاتها النووية من أمريكا، الصين، وروسيا وثلاث دول أوروبية، لا يبشر بالخير على صعيد الجهود الدبلوماسية المبذولة للحد من انتشار الأسلحة النووية. وفي اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، سيقدّر وزراء خارجية الدول الست استعداد إيران للتعاون قبل اتخاذ قرار بشأن فيما إذا كان يجب البدء في المهمة الصعبة، المتمثلة في محاولة الاتفاق على المزيد من العقوبات. وليس لديهم الكثير لإحراز تقدم.
وبعد تعرض إيران لضغوط من قبل روسيا والصين، اللتين تماطلان بشأن فرض المزيد من العقوبات، لإظهار الحد الأدنى للاستعداد، قدمت إيران عرضها المقابل في التاسع من أيلول (سبتمبر). ويقول الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجّاد، إن الشيء الوحيد خارج الأجندة هو الشيء الذي يريد الجميع أن يكون في قمة الأجندة: أي تعليق النشاط النووي الإيراني، خاصة تخصيب اليورانيوم والأعمال المتعلقة بالبلوتونيوم، إلى أن تتمكن إيران من إعادة بناء الثقة (التي لم يتبق منها الكثير الآن على أية حال) بأن برنامجها النووي سلمي، كما تزعم. وبهذا المعدل، ستفشل الجهود الدبلوماسية المبذولة في غضون بضعة أشهر.
وفي الوقت نفسه، يفند تفسير خان ادعاءات إيران بالبراءة، وذلك في مقابلة له الشهر الماضي مع ''Islamabad Tonight''، برنامج الحوار التلفزيوني في باكستان، الذي يشرح فيه الكيفية التي سعت فيها إيران سرا في الثمانينيات للحصول على مساعدته في التكنولوجيا النووية. وقال ''إننا'' كنا نتمنى أن تحصل إيران على مثل هذه التكنولوجيا، ملمحا إلى الدعم الرسمي للصفقات التي تم عقدها في النهاية من خلال شبكته. وأضاف: ''ستؤدي قدرة إيران النووية إلى تحييد قوة إسرائيل''.
وقد جاءت عدة أدوات أخرى من معدات الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، وربما المواد الانشطارية اللازمة لصنع قنبلة، والتي قدمها خان ورفاقه إلى ليبيا مع تصميم لرأس نووي. وبعد الإمساك بها متلبسة عام 2003، سلمت ليبيا التصميم والمعلومات التي ساعدت على كشف شبكة خان. فهل جعل خان صفقاته مع إيران وكوريا الشمالية جذابة بالطريقة نفسها؟ لا أحد يعلم. وقد أدى القبض على شركائه في سويسرا إلى تسليم نسخ رقمية من رأس حربي أكثر تطورا من الذي تم تقديمه إلى ليبيا.
وتتفاخر كوريا الشمالية الآن بأنها استكملت تجارب تخصيب اليورانيوم، ما يمنحها على الأرجح دفعة أخرى من المواد الانشطارية (اختبرت بالفعل قنبلتين أساسهما البلوتونيوم). ويبعث ذلك على الإحباط، ولكنه ليس مفاجئا. ففي عام 2002، اعترف مسؤولون في كوريا الشمالية سرا إلى الأمريكيين بما ينوون فعله (قبل أن ينكروا ذلك علانية لاحقا). ولكن لا أحد يعلم مدى التحقق الذي حققوه.
ولم يؤكد خان أو ينفي - كان كل ما كان على استعداد لقوله هو كلمة ''ربما''، و''في الوقت الحالي'' - أنه زوّد كوريا الشمالية بمثل هذه المعدات. ولكنه لمّح إلى أن كل ما فعله كان يحظى بدعم الدولة. إلا أن الجنرال برويز مشرّف، الرئيس الباكستاني السابق، كشف بالفعل أن خان زوّد في التسعينيات كوريا الشمالية بنحو 20 جهاز طرد مركزي، ومعها تعليمات حول كيفية تشغيلها.
وعلى أية حال، فإنه حتى مع خروج خان من الصورة واعتقال بعض أعضاء شبكته، إلا أن هناك مجالا للمساعدة المتبادلة بين زبائنه. فمن المعروف أن كوريا الشمالية بنت سرا مفاعلا نوويا لسوريا، من النوع الذي استخدمته لتصنيع البلوتونيوم لصنع قنبلتها الخاصة بها؛ ولكن تم تدمير هذا المفاعل في غارة جوية إسرائيلية عام 2007.
ويفتح ادعاء كوريا الشمالية (على افتراض أنه صحيح) بأنها قادرة الآن على تخصيب اليورانيوم الباب لاحتمالية مخيفة أخرى. فمن الصعب تشغيل أجهزة الطرد المركزي. ومن المرجح أن كوريا الشمالية احتاجت إلى المساعدة في تركيبها وتشغيلها. ومن المعروف بالفعل أن كوريا الشمالية وإيران تتعاونان بشكل مكثف في تطوير صواريخ ذات قدرة نووية. فما الذي سيمنعهما إذن من مساعدة بعضهما بعضا في برامجهما النووية؟ تمتلك كوريا الشمالية البلوتونيوم والمهارات اللازمة لتصنيع الرؤوس الحربية. وبما أنها تتقن فن حفر الأنفاق، فهي قادرة على مساعدة أية دولة ترغب في إخفاء نشاطها النووي من الأقمار الصناعية. وفي الوقت نفسه، تملك إيران مهارات تخصيب اليورانيوم التي كانت كوريا الشمالية تفتقر إليها في السابق. فلا عجب إذن أن تعتقد إيران أن بوسعها الاستمرار في التخصيب >