الإصلاح خلال الأوقات الصعبة
كان العام الماضي صعبا على رجال الأعمال وعلى صنّاع السياسة الداعمين لقطاع الأعمال، حيث تراجعت المبيعات، وارتفعت المديونية العامة، وتعمقت المشاعر المناهضة للأعمال. ويقول محمود محيي الدين، وزير الاستثمار المصري: ''إنها ليست مجرد أزمة اقتصاد، بل أزمة فكر اقتصادي، وأزمة تثير حيرة عديد من الإصلاحيين''.
ومع ذلك، يوحي تقرير Doing Business السنوي للبنك الدولي، الذي يتتبع التغييرات في التنظيمات التي تؤثر في الأعمال، أن الحكومات تعاملت مع العاصفة على نحو جيد. فخلال العام حتى حزيران (يونيو) 2008، أدخلت 131 دولة 287 إصلاحا لدعم الأعمال، أكثر بنسبة 20 في المائة من الإصلاحات التي تم إدخالها خلال الـ 12 شهرا الماضية وأكثر من الإصلاحات التي تم إدخالها في أي عام منذ أن بدأ البنك الدولي إجراء المسح عام 2004.
وتشكل الاقتصادات ذات الدخل المنخفض والمتوسط المنخفض ثلثي العمل، حيث تبين أن رواندا الرائدة في العالم في مجال تنفيذ الإصلاح المرة الأولى التي تحصل فيها دولة في إفريقيا جنوب الصحراء على هذا الشرف. وكانت دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى الأكثر نشاطا في تنفيذ الإصلاحات بحسب المنطقة للعام السادس على التوالي (أدخلت 26 من أصل 27 حكومة هناك الإصلاحات). ولم تكن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا متخلفة كثيرا وراءها (17 من أصل 19 دولة)، وحسنّت 17 دولة مرتفعة الدخل تنظيمات الأعمال فيها.
ومن المشجع أن الإصلاحات، كما يبدو، معدية. فالدول تحاول تقليد الدول الرائدة في مناطقها. فقد لاحظ عديد من الحكومات الإفريقية مثلا نجاح اقتصاد موريشيوس الذي تم تحريره. وتستجيب أيضا للمنافسة. فقد أدخلت ألمانيا قوانين لتسهيل إنشاء شركات مساهمة، وألغت التنظيمات القديمة، لأن كثيرا من الشركات الألمانية كانت تستفيد من السوق الأوروبية الموحدة وتقوم بعمليات اندماج في بريطانيا. ومن المذهل أنه بالنظر إلى الضغوط المالية على الحكومات، لم ترفع سوى دولة واحدة معدل الضرائب على الشركات، وهي ليثوانيا، من 15 في المائة إلى 20 في المائة.
ما مدى أهمية هذا الإصلاح؟ إنه صفقة جيدة، وفقا لمجموعة متزايدة من المؤلفات الأكاديمية (هناك حتى الآن 405 مقالات في المجلات الأكاديمية و1143 ورقة عمل مخصصة لدراسة تأثير إصلاحات ممارسة الأعمال). وتقليل الحواجز أمام الدخول مرتبط بقطاع غير رسمي أصغر حجما. وفي الشركات غير الرسمية الأجور أقل ومعدلات النمو أقل وسجلات السلامة سيئة، وهي لا تدفع عادة ضرائب وتقع فريسة للفساد. ويؤدي خفض تكلفة ممارسة الأعمال إلى ارتفاع معدلات النمو وإقامة المشاريع.
وتبين إحدى الدراسات أنه في الدول الفقيرة قد يؤدي تقليل بمقدار عشرة أيام للبدء بنشاط تجاري إلى زيادة بنسبة 0.4 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وتظهر دراسة أخرى أن الأشخاص الذين لديهم ملكية رسمية لعقاراتهم يستثمرون أكثر بنسبة 47 في المائة في شركاتهم.
وغالبا ما يتطلب الأمر صدمة لإطلاق عملية الإصلاح. فعديد من الدول التي عصفت بها الحروب الأهلية، بما في ذلك رواندا، أفغانستان، وسيراليون، أدخلت قوانين جديدة للشركات. وهناك كثير من الأمور المشتركة بين أفضل الإصلاحيين. فإصلاحاتهم جزء من أجندة شامل لتعزيز القدرة التنافسية، وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، نفذت مثل هذه الدول الرائدة في تحديد الوتيرة، مثل رواندا، مصر، كولومبيا، وماليزيا، ما لا يقل عن 19 عملية إصلاح. وهي لا تتوقف أبدا. وتنفذ هونج كونج وسنغافورة إصلاحات جوهرية كل عام.
ويعزز استعداد الحكومات على مواصلة الإصلاح في مثل هذه الأوقات الصعبة احتمالات الانتعاش، فالقوانين الحكيمة لا تسهّل فقط إنشاء شركات جديدة، بل تساعد أيضا الشركات الراسخة على تغيير الاتجاه والشركات المتداعية على إعلان الإفلاس.
ولكن لا يوجد سبب يدعو للشعور بالرضا عن النفس، فالشركات في الدول منخفضة الدخل تكافح أعباء قوانين أكبر بضعفين منها في الدول مرتفعة الدخل. ومعدل الشركات المسجلة حديثا لكل شخص بالغ في الدول المتقدمة أكبر بعشرة أضعاف عنه في دول إفريقيا والشرق الأوسط. ولا يزال نحو ثلثي عمال العالم يعملون في القطاع غير الرسمي. وأحدث تقرير عن التقدم للبنك الدولي، على الرغم من تفاؤله، هو تذكير بالطريق الطويل الذي لا يزال يجب قطعه لوضع قوانين أعمال سليمة >