ليست حربا شاملة ولا سلاما لائقا
حين قال الجنرال مارتن أغواي، القائد السابق لبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور، التي تعرف باسم UNAMID، إن الحرب في المنطقة الغربية للسودان قد انتهت تقريبا، أثار الكثير من الجدل. ولا يرغب البعض بالاعتراف بتغير طبيعة وحجم العنف في دارفور. ومع ذلك، لا يزال العنف محتدما- ويجب أن تتحمل الأمم المتحدة قسطا من اللوم بسبب فشلها في بذل المزيد من الجهود لوقفه.
وكان الجنرال يصرح جزئيا بما هو بديهي. فقد توفي نحو 300.000 شخص في دارفور جراء العنف الذي اندلع عام 2003 بعد أن هاجم المتمردون قوات الحكومة السودانية. وفي المقابل، توفي هذا العام جراء القتال العرقي في ولاية جونقلي جنوب السودان عدد أكثر من أولئك الذين لقوا حتفهم في دارفور، التي نادرا ما تقع فيها اشتباكات كبيرة. ومن المقبول على نطاق واسع أن معدل الوفيات في دارفور، وهو مقياس مثير للجدل، أدنى مما تعتبره وكالات المعونة الحد الأدنى لحالة الطوارئ. ويجد الدعاة، خاصة في أمريكا، الذين يقولون إن الإبادة الجماعية لا تزال تحدث في دارفور صعوبة في الاعتراف بذلك.
إلا أن الجنرال أغواي اعترف أنه لم يتم بعد إقامة السلام في دارفور، بل إن تشرذم الجماعات المتمردة، أحيانا إلى عصابات من قطاع الطرق، جعل المنطقة أخطر من أي وقت مضى- وأقل قابلية للتنبؤ. فغالبا ما تتم مهاجمة عمال الإغاثة وقوافل الغذاء. ولا يزال القتال منخفض المستوى يوجد لاجئين، بالإضافة إلى غيرهم من اللاجئين في المخيمات المنتشرة في دارفور، والذين يبلغ عددهم 2.7 مليون شخص. وفشلت بعثة UNAMID في وقف العنف.
ولا شك أن ظروفا خارجة عن سيطرة أغواي أعاقت مهمته. فقد وصلت قواته في بداية العام الماضي، ولكنها لا تزال أقل من ثلاثة أرباع القوة المصرح بها البالغ عددها 26.000 جندي ورجل شرطة، أكبر قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة يتم نشرها على الإطلاق. وحصل الجنرال أيضا على دعم لوجستي أقل مما كان يريد. فقد طلب 18 مروحية عسكرية، وهو عدد ضروري في منطقة دارفور الصحراوية النائية، التي تماثل في حجمها حجم فرنسا. ولكنه لم يحصل حتى الآن على أية مروحية. وواجه أيضا عقبات بيروقراطية من قبل الحكومة السودانية.
ومع ذلك، تملك بعثة UNAMID موارد هائلة تحت تصرفها، ولكنها نادرا ما تتدخل لوقف القتال. وقد تمكنت من تعزيز الأمن قليلا في مدن دارفور ولكنها لم توفر أية حماية تقريبا في المناطق الريفية. ولا يزال الأمن ضعيفا حتى في المدن. ففي التاسع والعشرين من آب (أغسطس)، تم اختطاف اثنين من UNAMID في زالنجي. وسأل أحد عمال الإغاثة: ''إذا لم يكونوا قادرين على ضمان أمنهم، فكيف سيتمكنون من حماية الآخرين؟''
وقد كان رئيس المكتب السياسي لبعثة UNAMID، رادولف أدادا، الدبلوماسي من الكونغو الذي استقال أيضا الأسبوع الماضي، غير فعال إلى حد كبير. وقد أخذ آخرون زمام المبادرة في محاولة إنعاش محادثات السلام في دارفور، التي توقفت منذ الفشل التام للمؤتمر الذي تم عقده في ليبيا في تشرين الأول (أكتوبر) 2007. ونيابة عن الاتحاد الإفريقي، يبحث ثابو مبيكي، الرئيس السابق لجنوب السودان، عن سبل، قد تتضمن ما يسمى المحاكم المختلطة، لمقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب في دارفور.
وتتمثل الفكرة في تقديم إطار قانوني بديل قد يلقى قبولا أكبر لدى الحكومة السودانية بدلا من رؤية بعض أعضائها يساقون إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، التي أدانت الرئيس عمر البشير واثنين من كبار رجالاته. ويتوقع أن يقدم مبيكي تقريرا إلى الاتحاد الإفريقي في وقت لاحق من هذا الشهر. ومن المحتمل أن تجعل التسوية بشأن المقاضاة في المحكمة الجنائية الدولية الحكومة السودانية أكثر استعدادا لتقديم تنازلات قد تؤدي إلى تسوية سياسية في دارفور.
وفي الوقت نفسه، تشجع مجموعة من الوسطاء الآخرين، بمن فيهم القطريون والمبعوث الأمريكي الجديد إلى السودان، سكوت غراتيون، الحركات المتمردة المختلفة على حل خلافاتها وتشكيل هيئة تفاوضية أكثر تماسكا. ويتطلب هذا الكثير من الصبر. فالانقسام الكبير للمتمردين إلى فصائل متحاربة في السنوات الثلاث الماضية من أهم أسباب عدم تحقيق تقدم نحو السلام في دارفور. إلا أن الدبلوماسيين يتنقلون الآن بين عواصم مصر وليبيا وقطر والسودان ودول أخرى. ولم تثمر الجهود السابقة عن أية نتائج. ولكن أخيرا، كانت هناك بوادر أمل ضئيلة على الأقل >