مرحلة انتقالية فوضوية

مرحلة انتقالية فوضوية

في مطلع هذا العام، حين كان Yukio Hatoyama يستعد لشغل منصب رئيس وزراء اليابان، دعا مستشاري حملته وطلب منهم إلغاء أحد أهم شعارات الحزب على أساس أنه مبسط جدا، وهو ''حياتك اليومية تأتي أولا''. وقد توسلوا إليه لعدم التخلي عنه.
وتقول Mariko Fujiwara، من وكالة Hakuhodo الدعائية التي تقدم المشورة لـ Hatoyama، إن هذه العبارة ترتبط باثنين من الشواغل الرئيسية التي تقلق الناخبين اليابانيين، أي قلقهم بشأن مستويات معيشتهم وشعورهم بأن الأمور من حولهم التي كانوا يعتقدون أنها ''من الأساسيات اليابانية'' بدأت بالانهيار. وتضيف أنه من الضروري أن يستمر الحزب الديمقراطي الياباني الذي يترأسه Hatoyama بإخبار الناخبين أنه يشعر بألمهم. وفي النهاية استسلم Hatoyama.
ومن الشائع جدا استخدام الشعارات في السياسة. إلا أن لهذا الشعار، الذي يتكرر كثيرا في حملة شهر آب (أغسطس) الانتخابية، دورا كبيرا في تفسير السبب الذي جعل الناخبين اليابانيين، الذين تراكمت إحباطاتهم على مدى عقود من الزمن، يهدمون أخيرا السلالة المتداعية التي حكمتهم طوال نصف القرن الماضي.
وقد استغرق بناء هذه الشجاعة وقتا طويلا. فالدولة تعاني منذ انفجار فقاعة الاقتصاد في اليابان قبل 20 عاما الركود الاقتصادي والقيادة الخاطئة وسوء الإدارة البيروقراطية وفضائح الفساد وتراجع البورصة. وطوال هذه الفترة، باستثناء 11 شهرا عام 1993-1994، تمسك الحزب الليبرالي الديمقراطي بالسلطة بالتعاون مع الشركات الكبيرة والبيروقراطيين وغيرهم من أصحاب المصالح، تماما كما فعل منذ انتخابه أول مرة في الحرب الباردة عام 1955.
ولكن لم يعد الأمر كذلك. ففي معركة وحشية، خسر الحزب الليبرالي الديمقراطي ما يقرب من ثلثي المقاعد التي فاز بها في مجلس النواب في البرلمان عام 2005، التي بلغ عددها حينها 480 مقعدا. وفاز الحزب الديمقراطي الياباني بهامش كبير، حيث حصل على 308 مقاعد، ما يجعله أكبر حزب في مجلسي النواب والشيوخ (رغم أنه لا يزال بحاجة إلى دعم مختلف أحزاب التحالف الصغيرة).

الغضب من الآلة
لقد اضطر العشرات من أنصار الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى التقاعد. وخسر رئيس وزراء سابق ووزير مالية سابق منصبيهما. وكان نحو نصف الذين تم انتخابهم في الحزب الديمقراطي الياباني عن طريق التصويت مرشحين للمرة الأولى، وكان متوسط أعمارهم أقل من 46 عاما. وكانت نسبة العشر فقط من أولئك الذين تم انتخابهم للحزب الليبرالي الديمقراطي من الوجوه الجديدة في هذه المناصب.
لقد كانت الانتخابات بمثابة مظاهرة احتجاج سياسي. ويقولGerald Curtis، الخبير المخضرم في مراقبة الحملات الانتخابية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا: ''كان الأمر أشبه بموجة حماسية مناهضة للحزب الليبرالي الديمقراطي تجتاح الشعب''. وتثير هذه المشاعر المناهضة للحزب الليبرالي الديمقراطي ذهولا أكبر بالنظر إلى شكوك الناس بشأن الحزب الديمقراطي الليبرالي غير المجرّب، الذي تم تشكيله من أربعة أحزاب سابقة تراوح بين أحزاب محافظة ماليا وأحزاب اشتراكية.
وكانت الانتخابات الأخيرة تتويجا لعقود من التغير الاجتماعي، التي تعلم فيها الناخبون العيش في ظل رعاية الحزب الليبرالي الديمقراطي وسياسة المحسوبية التي يتبعها. فبدلا من الطرق والجسور التي لا تؤدي إلى أي مكان، يريدون أطباء وممرضات وفرصا اقتصادية. ويقول Curtis: ''إنها نهاية ما يسمّى سياسة الآلة''.
ولكن قد يكون هناك شيء أعمق يحدث الآن أيضا. فوفقا لبعض التقديرات، كان ضرر الأزمة الاقتصادية هذا العام، من حيث القيمة الاسمية، على النمو مماثلا للضرر الذي تسبب به زلزال كانتو الكبير، الذي دمّر معظم مناطق طوكيو ومدينة Yokohama المجاورة عام 1923. وهناك دلائل على وجود ما يصفه بعضهم بـ ''أزمة هوية جماعية'' في اليابان. فالتفاوت في الدخل والأعداد المتزايدة من أصحاب المعاشات التقاعدية الفقراء وفقر الأطفال يتناقض مع نظرة اليابانيين لمجتمعهم الذي يعتزون به. وعند النظر خارج حدودهم، يرى اليابانيون تفوق الصين على دولتهم، مع أنها تتمتع الآن بالازدهار نفسه الذي مرت به اليابان من الخمسينيات حتى الثمانينيات. والسؤال المهم هو فيما إذا كان لدى الحزب الديمقراطي الياباني، والمجتمع ككل، الرغبة في مواجهة انعدام الأمن هذا وإعادة بناء أمة قادرة على الازدهار في عالم معولم. ويميل اليابانيون في كثير من الأحيان إلى العودة إلى الماضي، حين كانت دولتهم قوية واقتصادهم آمن. فهل سيكون لدى الحزب الديمقراطي الياباني الشجاعة الكافية في السنوات المقبلة لرسم مستقبل اليابان، أم أنه سيتشبث بالحنين المضجر إلى الماضي؟
لكي يعرف اليابانيون الأمور التي سارت على نحو خاطئ، ليس عليهم الذهاب إلى أبعد من أقرب حديقة إليهم. ففي الصباح الباكر، وسط الضباب المتصاعد، يمكنهم رؤية أجساد تغفو مفترشة الأرض وقد وضعوا رؤوسهم تحت مظلات مفتوحة ورتبوا أحذيتهم بعناية عند نهاية حصيرة النوم. فهؤلاء هم جيش المشردين المتزايد في اليابان، وهم شباب طردوا من العمل جراء الركود الأخير وبالتالي غير قادرين على دفع إيجارات المنازل؛ وهم أيضا رجال في منتصف العمر، الذين يقول بعضهم إنهم لا يستطيعون تحمّل عار جلب مشكلاتهم إلى المنزل.
وتحظى مدينة Hamamatsu الساحلية في جنوب غرب طوكيو بنصيبها من الدمار الاجتماعي. فقد تم تسريح العمّال أسفل سلسلة التوريد حالما شهدت الشركات الوطنية مثل ياماها وسوزوكي انخفاض طلبيات التصدير العام الماضي. وشملت عمليات التسريح عن العمل عديدا من البرازيليين من أصول يابانية، الذين سافروا إلى اليابان لأن المصانع كانت بحاجة إلى عمالة رخيصة بدوام جزئي بدلا من توظيف عمال يابانيين مرتفعي الأجور بموجب عقود كاملة. ويعيش البرازيليون العاطلون عن العمل مع بعضهم بعض إذا لم يتمكنوا من دفع الإيجار، وتمنح الكنيسة الطرود الغذائية لأولئك الأشد احتياجا. وفي إحدى الكنائس الكاثوليكية أخيرا، كانوا يصنعون الحساء للتشارك به مع أولئك الذين أنفقوا، مثلهم، آخر مدخراتهم. ومن ضمن هؤلاء، هناك يابانيون مشردون لا يستطيعون، على عكس البرازيليين، اللجوء للأصدقاء أو العائلة للحصول على مأوى.
وحقيقة أن البرازيليين العاطلين عن العمل يعملون في مطابخ الحساء لإطعام اليابانيين المشردين تثير صدمة كبيرة في اليابان، كما أنها تتناقض بشدة مع نظرة بعض الغربيين للدولة، أي أنه على الرغم من 20 عاما من الركود الاقتصادي لم يتأثر الجيش الياباني كثيرا بالأزمة وليس لديه الرغبة في إصلاح الاقتصاد والمجتمع.
وفي الواقع، لا يزال كثير من اليابانيين فخورين بالإنجازات الاقتصادية التي حققتها الدولة منذ أواخر الخمسينيات فصاعدا، حين بدأت ذكريات الفقر المدقع والتضخم المفرط في السنوات التي أعقبت الحرب مباشرة بالتلاشي، شرعت اليابان، تحت ظل الحزب الليبرالي الديمقراطي الجديد القوي، في ''خطة مضاعفة الدخول'' التي نجحت نجاحا باهرا. فقد ارتفع معدل الادخار، ما وفر كثيرا من المال للاستثمار. وأصبح التلفزيون والغسالة والثلاجة الأدوات الثلاث الأساسية المقدسة للحياة العصرية بنظر المستهلكين. وتعهد العمال بالولاء مدى الحياة للشركات الناشئة سريعة النمو مثل هوندا وسوني، وكانوا يعيشون غالبا في منازل توفرها لهم الشركة بأسعار زهيدة. ومنذ ذلك الحين تتشبث الدولة بالاعتقاد القائل إن المجتمع أصبح مكونا من الطبقة الوسطى على جميع الأصعدة بحيث لم يعد للطبقة نفسها أي معنى تقريبا.
ومع ذلك، بعد تحوّل سنوات الازدهار في الثمانينيات إلى العقد الضائع في التسعينيات، بدأ تفاوت الدخول المتزايد والبطالة والتفكك الاجتماعي بتشويه هذه الصورة الجذابة. وأدى الركود الذي بدأ أواخر العام الماضي إلى تفاقم المشكلة بصورة حادة، ما دفع معدل البطالة من 5 إلى 7 في المائة - وهي نسبة منخفضة حسب المعايير الدولية ولكنها نسبة قياسية في اليابان. وكان أول من تم طردهم من العمل، كما يعلم البرازيليون جيدا، هم أولئك الذين يشغلون وظائف غير نظامية أو بدوام جزئية ويجنون أقل بنسبة 40 في المائة من أولئك الذين يعملون بموجب عقود كاملة. وإلى أن حدث الانهيار، كانت أعدادهم تتزايد باستمرار، من 16.4 في المائة عام 1985 إلى 33.7 في المائة عام 2007. وقد أدى هذا إلى تضخم أعداد الطبقة الدنيا الاقتصادية التي لا تشعر بالأمان.
ووفقا لـ Sawako Shirahase، المتخصصة في علم الاجتماع في جامعة طوكيو، فإن أكثر من يعاني هم اليابانيون الشباب - خاصة النساء. وليس هناك إحصاءات جديدة تبين أثر الركود الأخير، ولكن قبل أن يبدأ كان أكثر من نصف القوة العاملة من الإناث يعملن كعاملات غير نظاميات. وتجني نصف النساء المسنات اللواتي يعشن وحدهن دخلا سنويا تحت خط الفقر البالغ مليوني ين سنويا (21.500 دولار). وقد انخفض حتى معدل الزواج - 65 في المائة من النساء في العشرينيات من العمر لا يزلن عازبات. وتعتقد Shirahase أن ذلك يعود جزئيا إلى أنهن لا يجدن شبان ذوي إمكانات جيدة لتأسيس عائلة.
وقد أوجد هذا ما يسميه بعضهم ''مجتمع فائزين وخاسرين''. فقد يولّد تفاوت الدخول شعورا صحيا بالمنافسة، لكن في الاقتصاد المنظم إلى حد كبير مثل اليابان، الذي لا توجد فيه منافسة حرة وتنعدم فيه الفرص المتساوية، قد يكون من الصعب أيضا تجنب عدم المساواة.

الحرس القديم
وبالنسبة لأولئك القابعين في أسفل سلم الدخل، لطالما كان الحزب الليبرالي الديمقراطي الأمل الأخير. فقد كان يمكن الاعتماد عليه في معظم فترات ولايته لتوفير مشاريع الأشغال العامة حين تتعثر نسبة التوظيف، أو لدعم الأسعار للمزارعين. وكان السياسيون القادرون على إقناع البيروقراطيين الوطنيين الأقوياء بإنفاق المال في مناطقهم الانتخابية يعتبرون أبطالا محليين.
ولكن حتى هذا الأمر أصبح أقل تأثيرا. فقبل أسبوع من الانتخابات، كان المزارعون في Sekigahara في وسط اليابان شاكرين للحزب الحاكم. فقد تلقوا حصادة أرز جديدة بقيمة ستة ملايين ين، مطبوعا على جانبها اسم المحافظة. ولكن جميعهم من كبار السن، بعضهم في الثمانين من العمر، الذين أصبحت حياتهم أكثر مشقة لأن أطفالهم غادروا منذ وقت طويل إلى المدينة الأكثر إشراقا. وتحدث عديد منهم بحنين عن السياسات الزراعية للحزب الديمقراطي الياباني.
واستمر الناس بالتصويت للحزب الليبرالي الديمقراطي مرارا وتكرارا بسبب قدرته على توفير الدعم، سواء على شكل شعور بالازدهار بين الطبقة الوسطى أو إعانة جاءت في الوقت المناسب. ومع ذلك، بدأ الناخبون يفقدون الثقة بالمجتمع الذي أوجدته تلك السياسات، كما يقول Jeff Kingston، رئيس قسم الدراسات الآسيوية في جامعة Temple في طوكيو. ويضيف: ''تحدث كثير من الأمور التي تشوه صورة الحزب الليبرالي الديمقراطي وتعكس صورة الدولة. ويتساءل الناس بالقول (هل هذا هو نوع المجتمع الذي نريده؟) الجواب هو لا''. ولعل الشيء نفسه صحيحا حين ينظر اليابانيون إلى الخارج. ففي معظم تاريخهم كانوا يشعرون بالراحة والسلوان من إغلاق الباب في وجه العالم. ولكن لم يعد هذا ممكنا بسبب العولمة والأهمية الجيوسياسية لمنطقتهم واحتمالية حاجتهم لجلب مزيد من العمال الأجانب مع تقلص أعداد سكانهم. وستتنازل اليابان قريبا عن مكانتها بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم لمصلحة الصين؛ يسعى المصدّرون الكبار إلى الخلاص من أزمتهم عن طريق الطلب الصيني، وليس عن طريق المستهلكين الأمريكيين.
وستجد اليابان صعوبة في استيعاب العالم الخارجي. فقد استفادت في هذا الانفتاح من خلال الصادرات إلا أن حدودها لا تزال مقدسة. وفي الحملة الانتخابية، اضطر الحزب الديمقراطي الياباني إلى التخلي عن خطته ببدء محادثات التجارة الحرة مع أمريكا، وذلك تحت ضغوط المزارعين. ولا يزال شعار ''صنع في اليابان'' شعارا قويا بالنسبة للمستهلكين والمنتجين على حد سواء؛ تمكن أحد المسؤولين الزراعيين في وسط اليابان من وضع أرقام دقيقة للمحتوى المزروع محليا للإفطار الياباني التقليدي، بما في ذلك الأرز والأعشاب البحرية، مقارنة بالإفطار الغربي بالكعك والحليب: 64 في المائة إلى 15 في المائة. ولكن من المؤسف بالنسبة له أن الإفطار الغربي يزيد شعبية.
ولدى اليابانيين الكثير جدا من الأسباب التي تجعلهم يشعرون بالاستياء من الحزب الليبرالي الديمقراطي بحيث إنك قد تعتقد أن في إخراجه من السلطة عن طريق التصويت شفاء لهم. ولكن ليلة الأحد، لم تصح أبواق السيارات ولم تتجمع الحشود. وحتى الحزب الديمقراطي الياباني أحبط موظفي التلفزيون حين أخبرهم أنه لا يستضيف حزبا منتصرا. (لو تجمعت الحشود لانهمرت عليهم الأمطار على أية حال بسبب الإعصار الذي تعرضت له طوكيو). وكان مؤشر Topix منخفضا تماما كالمزاج العام الذي ساد في المدينة.
ولعل أحد أسباب ذلك هو تشوش مشاعر الناخبين بشأن الحزب الديمقراطي الياباني. ففي استطلاعات الرأي التي سبقت التصويت، كان هناك الكثير من الشكوك المتعلقة ببرنامج السياسة للحزب بقدر الشكوك نفسها المتعلقة ببرنامج السياسة للحزب الليبرالي الديمقراطي. إلا أن اللامبالاة تصيب السياسية بشكل عام أيضا. فإذا سألت الاقتصاديين أو علماء الاجتماع أو رجال الأعمال عما يجب على الحكومة إصلاحه سيردون عليك برفع أكتافهم بلامبالاة. فعلى سبيل المثال، يستطيع Ichiro Shiraki، وهو رجل أعمال ناجح يوظف عشرات النساء المسنات في وسط اليابان اللواتي يغلفن بسكويت الأرز بالأعشاب البحرية، أن يرى نتائج الشيخوخة في كل مكان حوله. ولكن إذا سألته عما يجب على الحكومة فعله لتقديم المساعدة ستجد الارتباك يرتسم على وجهه. وهو يقول: ''هذه هي وظيفة السياسيين وليست وظيفتي''.

من الرئيس
ويعود هذا التردد إلى زمن طويل. وكما تقول Fujiwara، المسؤولة التنفيذية عن الدعاية، فإنه حتى أخيرا كان اليابانيون يحمّلون الصناعة، وليس الحكومة، مسؤولية العناية بالناس؛ فالشركات توفر الأمن الوظيفي والدخل والفوائد؛ ومهمة الحكومة هي ضمان بقائهم في أعمالهم. وتضيف بالقول: ''أدرك الناس غريزيا أنهم ليسوا في حاجة إلى مناقشة الآيدولوجيا طالما أن الاقتصاد يعتني بهم''.
وقد أوجد هذا مواطنين يدلون بأصواتهم، ولكنهم لا يهتمون كثيرا بما يفعله السياسيون فعليا بالسلطة. ويأسف Masaru Tamamoto، المعلق الاجتماعي، على عدم وجود جدل اجتماعي بين جمهور الناخبين وبين الأحزاب السياسية أيضا، ومن الصعب إحداث تغيير. ويشير إلى أنه لم يسبق أن شهدت اليابان ثورة الشعب؛ كانت التغييرات الكبيرة في التاريخ، مثل استعادة ميجي عام 1868، أمورا حدثت تدريجيا بقيادة أعضاء ساخطين من نخبة الساموراي. وحين ظهرت جماعات الاحتجاج اليسارية المتشددة في الستينيات، سرعان ما تم قمعها بسبب علاقات الحرب الباردة لليابان مع الغرب. ولطالما كانت الدولة أيضا فخورة بالبيروقراطيين فيها - يعود تاريخهم أيضا إلى الساموراي الذين أغمدوا سيوفهم وأصبحوا مثقفين منذ عام 1600 فصاعدا. وإلى أن انكشفت الفضائح الأخيرة بشأن تعاملهم مع نظام المعاشات التقاعدية، كان الناس يلجأون إليهم لتوجيه الدولة على وجه صحيح.
وجمهور الناخبين غير المبالي هذا ينطوي على مخاطر بالنسبة لمستقبل اليابان. ويشير Curtis من جامعة كولومبيا إلى أن كل من الحزب الديمقراطي الياباني والحزب الليبرالي الديمقراطي لا يملكان مجموعة أساسية من الأنصار. ويساعد هذا على تفسير سبب تقلب الناخبين. وهو يقول: ''لو انتهى الأمر بالسياسة اليابانية بأن تصبح تحولا من حزب إلى آخر، فقد تجد اليابان نفسها على طريق منحدر لا رجعة عنه''.
هل سيكون الحزب الديمقراطي الياباني إذن قادرا على إثارة حماس الناخبين بما فيه الكفاية لإقناعهم بضرورة التغيير؟ كانت طموحات الحزب تبدو ضئيلة في الحملة الانتخابية، حيث كان يفضل سياسة دفتر الشيكات على السياسات الجذرية. فقد وعد بتقديم إعانات للأطفال وبناء مدارس ثانوية مجانية وضمان الحد الأدنى من المعاشات التقاعدية - غالبا دون أن يشرح بوضوح كيف سيدفع تكاليف كل هذا. إلا أن Curtis يقول إنه يتوقع أن تكون الإعانات الفعلية في العام الأول أقل بكثير من المبالغ الرئيسة التي وعد بها الحزب. وهو يعتقد أن قادة الحزب الديمقراطي الياباني أكثر تشددا من الناحية المالية مما يوحي برنامجهم. وقد يكون الحزب الديمقراطي الياباني أكثر جرأة في مجال آخر من السياسة. فالحزب يريد إنهاء سيطرة البيروقراطيين على خزائن الدولة عن طريق إنشاء مكتب للاستراتيجيات، قريب من مكتب رئيس الوزراء، وذلك لوضع الميزانية. وفي الواقع، فإن البيروقراطية في حاجة إلى الإصلاح. فإداراتها تعمل غالبا في عزلة، وبالتالي نادرا ما يتم حل المشكلات التي يتم تناقلها بين الوزارات. ويُخشى أن تفتقر حكومة Hatoyama إلى الخبرة الإدارية؛ فليس لديها سوى القليل من الأشخاص الذين سبق لهم أن شغلوا مناصب وزارية. ولا يمكنها تنفير وزاراتها بسرعة كبيرة، خاصة لأنها في حاجة إلى مساعدتها لتنفيذ السياسة وإخراج اليابان من الركود. وثالثا، قدم الحزب وعودا على المدى الطويل لتقليل اعتماد الاقتصاد على الصناعات التصديرية، التي ترتبط بصورة وثيقة مع الحزب الليبرالي الديمقراطي، عن طريق تحفيز الطلب المحلي. وهذا هدف نبيل فشل الحزب الليبرالي الديمقراطي مرارا في تحقيقه. ويقول Peter Tasker من شركة Arcus Research الاستشارية في طوكيو: ''كان الهدف من التركيز على السياسة الضريبية هو تقديم تخفيضات للشركات على الاستثمار، في حين زادت الضرائب بصورة معتدلة على قطاع الأسر''. إلا أن الحزب الديمقراطي الياباني لم يوضح تماما الكيفية التي يعتزم بها إحداث هذا التحول. وقد انتهت تجربة اليابان الأخيرة للإصلاح الاقتصادي الجريء بصورة سيئة. وكانت إحدى الشخصيات التي تعرضت لأشد الانتقادات في الانتخابات هي جونيشيرو كويزمي، الموالي لأمريكا الذي قاد اليابان من عام 2001 حتى عام 2006. وقد حقق فوزا ساحقا للحزب الليبرالي الديمقراطي عام 2005 ووعد بتخصيص خدمة البريد، وحقق بعض التقدم في مجال تحرير سوق العمل. إلا أن الأزمة أضرت بتراثه. فقد أخبر الناخبين أنه لن يتم تحقيق أية مكاسب إذا لم يكن هناك ألم. إلا أن الطريقة التي صور بها الحزب الديمقراطي الياباني فترة ولايته في الحملة الانتخابية هي أنه كان هناك الكثير من الألم ولكن دون تحقيق أية مكاسب.

من تحت الأنقاض
ومع ذلك، لم يمنع تراث كويزمي السياسيين الإصلاحيين في المناطق. وكان أحدهم هو هيروشي ناكادا، عمدة Yokohama، المدينة المتاخمة لطوكيو، إلى أن استقال من منصبه أخيرا، الذي شغل منصب العمدة لفترة طويلة جدا، مقدما كشوفات كاملة لحسابات الحكومة لناخبيه. وظلت مستويات تأييده مرتفعة حتى النهاية، مع أنه خفض ميزانية المدينة. ولكنه يشعر بالقلق أيضا على مواطنيه، إذ يقول: ''يشعر الناس بالحيرة. فقد فقدت اليابان الشعور بالهوية''.
ومن السهل انتقاد اليابان بعد كل خيبات الأمل هذه - ونسيان أن معدل الادخار فيها لا يزال مرتفعا ومعدل الجريمة منخفضا وأن لديها صناعات ذات تكنولوجيا عالية والقدرة على الحس الخلاق. والغريب بشأن اليابان هو أنها أحيانا تهيم على غير هدى لسنوات أو عقود أو حتى قرون من الزمن، ثم تثور في موجة من الإبداع والتجديد. وقد يكون الوقت الحالي هو إحدى هذه اللحظات، حين تؤدي الإطاحة بسلالة سياسية عظيمة إلى إطلاق العنان لمستويات عميقة من العمل المدني. إلا أن هذا لن يحدث إلا إذا أصبح الحزب الديمقراطي الياباني جريئا بما فيه الكفاية لقيادة الطريق >

الأكثر قراءة