بعد ربع قرن.. ما مصيرنا ومصير كرتنا الأرضية؟
إذا كانت الكرة الأرضية ستتعرض ــ في خلال الـ 20 عاما المقبلة ــ إلى مجموعة من الكوارث الطبيعية والبيئية والاقتصادية المدمرة للكون وأهله وناسه الذين يعيشون فوق قشرته الأرضية، فما هو المستقبل الذي تبحث عنه البشرية؟!
إن مراكز الأبحاث لا تفتر في كل يوم، بل في كل ساعة، وهى تصدر الدراسات التي تقدر بأن الكرة الأرضية التي نسكنها مقبلة على مجموعة من الكوارث المدمرة أولاها ظاهرة التلوث التي أفرزت غاز ثاني أكسيد الكربون المسمم للأرض، ثم الاحتباس الحراري الذي يتزلزل في البحر وينفجر في المدن ويشرد ويقتل ملايين البشر، ثم هناك شح المياه العذبة الذي يدفع الدول إلى خوض حروب المياه، وهناك أزمة الطاقة التي باتت تنذر بالنضوب وضياع الحضارة الإنسانية، أيضا هناك الأوبئة التي بدأت جولة جديدة من الهجوم على الجنس البشرى بهدف تصفية وجوده فوق الكرة الأرضية، أيضاً يتهددنا النقص المريع في السلع الزراعية التي لا تلبى الاحتياجات الحقيقية للإنسان، ناهيك عن الخلافات السياسية التي احتدت وباتت تنذر باندلاع الحروب الصارخة واستخدام أسلحة الدمار الشامل، وأخيراً وليس آخراً انتشار البطالة في كل دول العالم التي ضيعت الأمن والأمان، وأدت إلى انتشار كل أشكال وألوان الجريمة المنظمة وغير المنظمة وأدت إلى انتشار الفساد بكل أطيافه حتى وقع النظام المالي العالمي في أشرس أزمة مالية لم يعرف مثلها منذ أكثر من 50 عاماً.
إذا كان هذا هو حال دنيانا في المستقبل القريب، فما هو حال الكون الوارف الجميل الذي ما فتئنا نتشدق به ونتحدث عنه ووعدنا بتقديمه هدية للأجيال المقبلة؟
لقد قدم العلماء مجموعة من السيناريوهات شديدة القتامة عن مستقبل الكرة الأرضية ونذكر - على سبيل المثال - أن مجلة ''ناشيونال جيوجرافيك'' نشرت تقريراً قالت فيه إن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين خلال القرن الحالي سيؤدى إلى كوارث طبيعية تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولقد ركز التقرير على خمس ظواهر ستتأثر سلباً بزيادة درجة حرارة الأرض نتيجة زيادة انبعاث الملوثات الصناعية من الدول الغربية، أولها المياه، ثم الغذاء، وثالثها اجتياح السواحل وإغراق آلاف المدن، ثم إلحاق الأضرار بأنظمة جميع الكائنات الحية التي تعيش في أجواء الكرة الأرضية.
بالنسبة للمياه من المتوقع أن يتسبب التغير المناخي في إحداث خلل في معدل سقوط الأمطار في العالم وذوبان القطب الشمالي وزيادة منسوب البحر، كما يتوقع زيادة معدلات سقوط الأمطار بنصف الكرة الشمالي، ما قد يهدد باحتمال حدوث فيضانات كارثية تجتاح عديدا من دول الشمال، أمّا نصف الكرة الجنوبي فمن المتوقع أن يحدث العكس فتنخفض معدلات الأمطار، ما قد يؤدي إلى جفاف الأنهار ومعاناة مئات الملايين من سكان الدول النامية من نقص المياه.
وبالنسبة لمعدل إنتاج المحاصيل الزراعية، فسيؤدي التغير المناخي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية للمحاصيل الزراعية بصورة تهدد بنقص الغذاء في كل أسواق العالم، ونتيجة لارتفاع درجة الحرارة واحتراق الغابات ونقص المياه مع نقص الغذاء، فإن كل ذلك سيؤدي إلى زيادة الأمراض وانتشار الأوبئة بين الناس، وهو كما يظهر الآن من انتشار بعض الفيروسات وبعض الأمراض التي بدأت تفترس الأفراد والجماعات في مناطق كثيرة من العالم، ولذلك فستتعرض الحالة الصحية لسكان الأرض للأمراض الفاتكة والقاتلة.
وفي الآونة الأخيرة بدأت الولايات المتحدة تسرب بعض التقارير التي تقول إن احتياطي المياه في العالم سينخفض بنحو 50 في المائة، كما أن حجم المواد الغذائية سينخفض بنسبة 50 في المائة، والطاقة المتاحة ستنخفض بنسبة 30 في المائة من احتياجات الاقتصاد العالمي، كما أن صحيفة ''نيويورك تايمز'' نشرت أخيرا تقريراً عن التغير المناخي العالمي، وأوضحت الصحيفة أن درجة الحرارة آخذة في الارتفاع فوق كوكب الأرض وستعرض الكوكب لكوارث محدقة، وإن هذه التغيرات المناخية ستفرض تحديات استراتيجية جديدة على الولايات المتحدة، ومنها إمكانية التدخل العسكري للتعامل مع الهجرات الجماعية والأوبئة المتوقع انتشارها في كل دول العالم، وهنا يذكر التقرير أن ارتفاع مستوى البحار نتيجة لذوبان الجليد المصحوب بالزوابع الكبرى سيكون له تأثيرات جيوسياسية عميقة على امتداد العالم يترتب عليها حتماً انتشار الفقر وتدهور البيئة وتصدع كثير من الحكومات.
والآن، إذا كان العالم قد عرف الصورة البشعة التي ستتعرض لها البشرية، فهل يطرح العلماء حلولاً لمنع حدوث كل هذه الكوارث؟
نقول رغم اعتراف الجميع بأن سلسلة الكوارث التي تحيق بالبشرية لن تستثني أحداً إلاَ أن المواجهة لا تتناسب مع حجم المخاطر، ولذلك، فإن الأمل يطل على استحياء، وهنا يجدر بنا أن نحذر بأنه إذا لم تكن هناك مبادرات حاسمة، فإن معظم مناطق العالم ستشهد تقلبات مناخية تنذر بكوارث طبيعية ضحاياها بالملايين، وبينما يختلف المتفاوضون على موائد المفاوضات، فإن الحقائق المناخية على الأرض تكسب أرضاً وسماوات دون حدود.
إن أهم الحلول المطروحة في مواجهة كارثة الاحتباس الحراري هو فكرة نشر سحب بيضاء في مواجهة أشعة وحرارة الشمس للحد من آثارها في تدفئة المحيطات، وما يترتب على ذلك من تداعيات ترفع معدلات الاحتباس الحراري. والفكرة تتلخص في أن تجوب محيطات العالم نحو من ألف سفينة يتم تشغيلها بطاقة الرياح النظيفة ذات التكاليف البسيطة، وتكون مهمتها الأساسية امتصاص المياه، ثم دفعها بقوة هائلة عبر أنابيب طويلة في صورة قطرات صغيرة لتصل إلى عنان السماء مكونة أعداداً هائلة من السحب البيضاء، وظيفة هذه السحب البيضاء تحويل نحو 1 أو 2 في المائة من أشعة الشمس بعيداً عن سطح المحيطات، ومن ثم تسهم هذه السحب في تحجيم آثار الاحتباس الحراري من جراء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولا شك أن أبرز ما يميز هذه المبادرة بساطتها من ناحية وتواضع تكلفتها من ناحية أخرى.
وبعد، قبل أن نختم مقالتنا هذه، هل يمكن أن ننتظر من علمائنا الأفاضل ما يشعرنا بأننا جزء فاعل في هذا العالم، نشارك في أفراحه وأتراحه، أم أننا نظل فاغرين أفواهنا ننتظر من الغير أن يغرقنا في المشكلات ثم يعدنا بالبحث عن حلول لها!!