استراتيجية الابتكار القابلة للتطبيق
في عالم الأعمال اليوم، أصبح الابتكار ضرورة لا غنى عنها للتصدر والريادة والأسبقية والتطور بلا شك والنمو والازدهار، وهو مفتاح التقدم والنجاح في عصرنا الحديث.
ومع ذلك، فإن مفهوم الابتكار وتطبيقه ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب استثمارات عديدة من ذلك الاستثمار في الوقت والموارد البشرية والمادية وغيرها، كما أنه من المهم والضروري جدا أن تكون هناك استراتيجية لهذا الابتكار، وتكون واقعية وقابلة للتطبيق، أي أن تكون قابلة للتنفيذ والنجاح في ظل الإمكانات والبنية التحتية والظروف والأحداث السوقية وغيرها، وقد تحدثت في مقال سابق بعنوان "تطوير استراتيجية الابتكار وريادة الأعمال"، عن مبادرة إنشاء مركز وطني موحد للابتكار وريادة الأعمال يعنى بتطوير استراتيجية وطنية للابتكار، ووضع خطط وقواعد ولوائح لآليات الدعم التي تضمن الاستدامة وتوجه البحث العلمي لتحقيق المرجعية والشمولية والترابط لتحقيق ابتكارات وأفكار مخطط لها قابلة للتنفيذ والاستفادة منها على أرض الواقع، ولعلي في هذا المقال أتناول موضوع كيفية وضع استراتيجية للابتكار بشيء من التفصيل وتكون قابلة للتنفيذ على مستوى المنظومات بمختلف أنواعها.
تختلف الخطط الاستراتيجية باختلاف نوع المنظومة ورؤيتها وأهدافها، ويجمع بين تلك الاستراتيجيات ما يسمى بالاستراتيجية التقليدية التي يمكن تعريفها بأنها عملية التخطيط الممنهجة طويلة الأمد وتستخدم لتحديد الأهداف والاتجاهات الرئيسة التي توجه النشاط التنظيمي للمنظومة، وتشمل تخطيطا شاملا ودقيقا، إضافة إلى إدارة تفصيلية محكمة، إلا أن تطبيق منهجيات هذه الاستراتيجية على الابتكار، في كثير من الأحيان يشكل عائقا أكثر من أن يكون مساعدا، حيث إن هناك عوامل عديدة يجب مراعاتها عند وضع استراتيجية ابتكار قابلة للتطبيق، ولعل أهم هذه العوامل، أن تكون هذه الاستراتيجية متسقة مع أهداف واستراتيجية المنظومة بشكل عام، كما يجب أن تكون هذه الاستراتيجية أيضا قابلة للتنفيذ ضمن الميزانية المعتمدة وفي حدود قدراتها البشرية والمادية، ويجب أن تكون هذه الاستراتيجية في مقابل ذلك كله مرنة بما يكفي للتكيف مع جميع التغيرات والمتطلبات في مجالاتها المختلفة، ومن خبرتي في هذا المجال أجد أن هناك بعض المبادئ الأساسية التي يمكن أن تساعد أي منظومة على وضع استراتيجية لابتكاراتها قابلة للتطبيق، ومن تلك المبادئ: التركيز على الابتكار الداخلي والخارجي، حيث يتضمن الابتكار الداخلي تطوير الأفكار الجديدة داخل المنظومة، كما يتضمن الابتكار الخارجي التعاون مع الشركاء الخارجيين، مثل الجامعات والشركات والمراكز البحثية وغير ذلك، ويجب أن تشمل الاستراتيجية توازنا بينهما، ومن المبادئ، تحديد الفرص، إذ لا بد من التحديد قبل البدء في بناء أو تطوير استراتيجية الابتكار، فمن المهم تحديد الفرص التي يمكن أن يستفاد منها من خلاله، ويكون ذلك من خلال إجراء بحوث متكاملة لتحديد الاحتياجات والاتجاهات في مجال المنظومة، كما يجب أن تكون هناك دراسة واضحة خاصة بتقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بالابتكار قبل تنفيذ أي خطة استراتيجية.
ومن الأمثلة على بعض استراتيجيات الابتكار القابلة للتطبيق، شركة أبل شملت استراتيجية الابتكار لديها التركيز على الابتكار الداخلي من خلال فريق بحث وتطوير قوي، كما تعاونت مع عديد من الجامعات والشركات الأخرى لتبادل الأفكار، ومن الأمثلة أيضا، شركة تويوتا، حيث ركزت في استراتيجيتها على الابتكار المستمر لتحسين جودة منتجاتها وعملياتها، واستثمرت بشكل كبير في البحث والتطوير، لتطوير تقنيات نوعية جديدة، وهناك أيضا شركة تسلا، ركزت على الابتكار في مجال السيارات الكهربائية وتعاونت مع بعض الحكومات لتعزيز البنية التحتية للسيارات الكهربائية.
ولعل من أهم الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد المنظومات على وضع استراتيجية ابتكار قابلة للتطبيق، تكمن في تشكيل فريق الابتكار، الذي يجب أن يتكون من مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة، بما في ذلك الإدارة العليا، وموظفي البحث والتطوير، بحسب مجال المنظومة، الذي يقوم بإجراء البحوث الداخلية والخارجية لتحديد الفرص التي يمكن أن يستفاد منها من خلال الابتكار ولتحديد الاحتياجات والاتجاهات السوقية في مجالها وتخصصها، كما يقوم هذا الفريق بتطوير رؤية واضحة للابتكار في المنظومة وتحديد أهداف محددة قابلة للتطبيق والقياس، أضف إلى ذلك تطوير الأساليب والأنشطة داخل تلك المنظومة تساعدها على تحقيق رؤيتها وأهدافها، كما أنه من الضروري وضع خطة للتنفيذ تحدد الخطوات اللازمة لتنفيذ الاستراتيجية، كما يجب على المنظومة قياس وتقييم أداء استراتيجيتها بشكل دوري ومنتظم.
وأرى أن مفتاح الإبداع الناجح لا يكمن في التخطيط الشامل والإدارة التفصيلية، بل في تعزيز بيئة تشجع على الاستكشاف وتطبيق الحلول الابتكارية الإبداعية، ومفهوم الابتكار بحد ذاته يتطلب إيجاد بيئة تسمح بالتجريب والتعلم من حالات الفشل والاستفادة منها، وتعد استراتيجية الابتكار البسيطة القابلة للتطبيق مناسبة تماما لهذه البيئة، وبدلا من وضع خطة تفصيلية محددة، يجب أن تكون هذه الاستراتيجية مرنة وقابلة للتكيف، وهي خصائص تعد حاسمة في مشهد الابتكار المتغير باستمرار، ومن خلال مراجعة هذه الاستراتيجية وتحديثها بشكل مستمر، فإنها تسمح بدمج رؤى وتغييرات جديدة في هذه البيئة، وهي تعد جزءا أساسا وركيزة من ركائز النجاح في عصرنا الحاضر، التي من خلالها يتم تشجيع الإبداع وتطوير ثقافة الابتكار لأي منظومة وتمكنها من تحقيق التميز التنافسي وتحقيق النجاح.