إيصال الزكاة إلى مستحقها .. مسؤولية مَن؟
من المعلوم أنه في الأيام الفاضلة, خصوصا شهر رمضان، تجد أن كثيرا من الناس يفضلون إخراج زكاتهم وصدقاتهم فيه، وهو شهر الخير والجود، وهذا من هدي نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث كان أجود الناس، وأجود ما يكون ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان، فمن الطبيعي أن يكون هذا نهجا لأمته، والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام, وهي تطهير للمال مما قد يشوبه من أي أمر، ومواساة للفقراء والمحتاجين، وإبراز للجانب الاجتماعي الذي يتميز به المجتمع المسلم.
ومع الإقبال الكبير من عموم الناس على الزكاة والصدقة, خصوصا الأثرياء وأهل الخير، فإن هذا أصبح محل استغلال من قبل كثير ممن لا يخاف الله ليأخذ نصيب المستحقين والمحتاجين إلى هذا المال, فتجد أن كثيرا ممن يدعون الفقر والحاجة والعوز يملأون المساجد والأماكن العامة والطرقات وإشارات المرور والأسواق وغيرها، وأبرز ما يدفع هؤلاء هو إقبال الناس الكبير على أوجه الخير. والحقيقة أن الكثير من هؤلاء لا يعرف الكثير من المتصدقين عليهم مدى حاجتهم وعوزهم، وهم في الحقيقة ـ المتسولون - يتجاوزون الأنظمة التي وضعتها الدولة في هذا الخصوص.
ولذلك, كما أن من المهم دفع الصدقة وإخراج الزكاة، ففي الوقت نفسه لا يسقط وجوب الزكاة فقط بإخراجها من المال وإعطائها أي إنسان في هذا الكون، بل من المعلوم أن الزكاة من الواجب إيصالها إلى مستحقيها من الذين ذكرهم الله في كتابه ـ سبحانه ـ بقوله: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" (التوبة: 60)، ولا يسقط وجوبها إلا بالتأكد من إيصالها إلى مستحقيها سواء بإيصالها مباشرة، أو بتوكيل من يثق به، أو بإعطائها إلى الحاكم.
والحقيقة أن إعطاء الزكاة والصدقة إلى غير مستحقها, كما أنه ينتج عنه أن الزكاة تبقى في ذمة الإنسان لا تسقط عنه, إلا أن له سلبيات كثيرة على المجتمع المسلم، ومن ذلك:
أولا: أن يُحرم من الزكاة المستحق فعلا لها، حيث إن هناك كثيرا من الفقراء في المجتمعات المسلمة يمنعهم التعفف عن سؤال الناس والخروج إلى المساجد وأماكن الناس العامة لطلب الصدقة، وهؤلاء من المهم النظر إلى حاجتهم وإيصال ما يستحقونه إليهم، فمن واجب المسلم الاهتمام بشؤون غيره من المسلمين، وهذا جزء من معنى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وقوله "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". ووجود مثل هؤلاء فرصة للمسلم الذي يبحث عن فعل الخير, فلولا وجود الفقير لحرم الكثير من فرص التصدق في أوجه الخير.
ثانيا: أن يتعود جزء من المجتمع على الكسل وعدم العمل ويكون عالة على المجتمع بدلا من أن يسهم في بنائه، ولذلك لما قدم إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلان يسألانه من الصدقة، قال: "إن شئتما أعطيتكما ولكن لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". ولذلك لا بد أن يكون من المعلوم أن الصدقة والزكاة ليستا في الأصل علاجا للفقر لدى المجتمع المسلم، بل علاج الفقر يتم بتوفير فرص العمل والاكتساب للأفراد المقتدرين على التكسب بالوسائل المتعددة، ولكن الصدقة والزكاة هما عبارة عن علاج لحالة استثنائية يمر بها الفرد أو المجتمع المسلم مثل الكوارث التي يترتب عليها الهدم وتعطل معايش الناس، أو للشخص غير المقتدر للحصول على المال بسبب عجز جسدي أو كبر في السن أو المرأة الفقيرة التي تعول أحيانا عددا من الأطفال.
وأخيرا: أنها وسيلة لاستغفال المسلم وذلك بأخذ ماله بغير حق من خلال خداعه بأن طالب الصدقة أو الزكاة من المحتاجين، وقد تسبب ذلك في نشوء عصابات منظمة لهذا الغرض وهو التسول فتختار أماكن تجمع الناس، والقصص كثيرة في مجال وسائل الخداع التي يمارسونها لاستغفال المواطنين وأخذ أموالهم بغير حق.
ولذلك, فإيصال المال إلى مستحقه مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على مخرج الزكاة، فلا بد أن يتأكد من إيصالها إلى مستحقها، كما أنه من الممكن الاستفادة من التوجيهات الحكومية في هذا المقام بمعرفة المؤسسات المعتمدة لديها في أخذ الزكاة والصدقة، كما أن الإنسان يستفيد من أهل الخير المعروفين الموثوقين لتوكيلهم بإيصالها، والأفضل سؤالهم عن المحتاجين المستحقين, وبالتالي يوصلها مخرج الزكاة بنفسه، وهذا في حد ذاته عبادة.