الاشتباك في المياه المظلمة
من بين عشرات السفن التي تم الاستيلاء عليها أخيرا من قبل القراصنة قبالة شرق إفريقيا، أثار عدد قليل منها اهتماما كبيرا في دولها، مثل سفينة الشحن الألمانية، Hansa Stavanger، التي استولى عليها الصوماليون في نيسان (أبريل). ومع مرور الأيام بطيئة على أسرهم، ذكرت وسائل الإعلام الألمانية أن الطاقم المكون من 24 شخصا مرضى وأنهم في حاجة إلى الدواء والماء.
وفي وقت ما، كان قادة الشرطة الألمانية يتدربون على متن سفينة تابعة للبحرية الأمريكية، على أمل اقتحام السفينة، إلى أن قال مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيمس جونز، إن العملية بالغة الخطورة. وأخيرا، في الثالث من آب (أغسطس)، انتهت الملحمة بعد المفاوضات بين مالكي السفينة في هامبورج وبين القراصنة، الذين تباهوا بحصولهم على 2.75 مليون دولار كفدية. والتفاوض مع القراصنة، ثم دفع الفدية (عن طريق عمليات إنزال جوي غالبا)، هي مهام يعهد بها مالكو السفن بانتظام للشركات الخاصة أو ''الشركات الاستشارية في مجال المخاطر''. وهناك خدمات أمن بحري أخرى أقل إثارة للجدل: تركيب معدات على السفن، مثل الأسلاك الشائكة أو الكهربائية، لتصعيب تسلق القراصنة عليها. وبدأت شركات الأمن بصورة متزايدة أيضا بوضع حراس أمن مسلحين على متن السفن، أو تقديم سفنها الخاصة كسفن مرافقة.
وزادت الأعمال في مجال حماية السفن قبالة ساحل شرق إفريقيا ثلاثة أضعاف في العام الماضي، كما تقول شركة Eos Risk Management في لندن التي تقول إنها صدت ما لا يقل عن 15 هجوما من قراصنة صوماليين منذ كانون الثاني (يناير). وتستخدم شركة Eos عادة دفاعات غير قاتلة، إلا أن رئيسها ديفيد جونسون يقول إن اللاعبين الجدد يندفعون إلى مجال الأمن البحري، مستغلين الإمدادات الوفيرة من الأسلحة في إفريقيا. وأصبحت السفن المسلحة المرافقة، التي توفر الحماية مقابل ربح مالي، أكثر شيوعا بكثير قبالة ساحل شرق إفريقيا. وقد اعتاد خفر السواحل المحلية، حيث توجد، على سفن شركات الأمن الخاصة وهي تبحر في مياههم، كما يقول Stan Ayscue من شركة Securewest International في سنغافورة وفيرجينيا.
ولكن بالنسبة إلى الخبراء الاستراتيجيين الذين يكافحون تناقص أمن بحار العالم - قبالة شرق إفريقيا وفي مناطق خطرة أخرى مثل جنوب شرق آسيا ومياه نيجيريا - فإن توزيع العمل بطريقة حكيمة ومعقولة بين القوات البحرية والشركات الخاصة ليس بالأمر السهل.
وتتصادم، بطريقة واحدة على الأقل، أنشطة الشركات الخاصة مع مخاوف القوات البحرية وقياداتها. فدفع الفدية يشكل تهديدا للقانون والنظام. وقد أعرب روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي، عن أسفه في نيسان (أبريل) لأن مكافحة القراصنة كان سيكون أفضل لو توقف مالكو السفن عن دفع الفدية لاستعادة سفنهم.
ولكن بالطبع حين تعمل شركات الأمن الخاصة، التي غالبا ما توظف محاربين قدامى في القوات المسلحة الوطنية، بصورة جيدة لمنع القرصنة، تكون هي والقوات البحرية في العالم على الجانب نفسه. وتقول أمريكا على وجه الخصوص إن مكافحة القرصنة تتطلب جهودا مشتركة من قبل الدول ومالكي السفن وغيرهم من أصحاب المصالح الخاصة، بمن فيهم شركات الأمن. وقالت وزارة الخارجية: ''في الظروف الملائمة، يمكن لقوات الأمن المسلحة، سواء كانت خاصة أم عسكرية، توفير رادع فاعل للقراصنة في القرن الإفريقي لسفن معينة تعد معرضة لخطر كبير''. ومن الصحيح تماما أنه من غير المرجح أن تنجح وكالة واحدة وحدها في الحرب ضد القرصنة. وتنظم نحو 15 دولة دوريات بحرية لمكافحة القرصنة في المحيط الهندي من عدة قوات. وقد يبدو هذا كثيرا؛ إلا أن هناك 30 سفينة حربية تعمل في منطقة يقارب حجمها حجم الولايات المتحدة. ويقول Achim Winkler، وهو متحدث باسم القوة البحرية للاتحاد الأوروبي، إن هناك حاجة إلى مئات السفن لضمان أمن المنطقة.
وبالنسبة إلى القوات البحرية، وبالنسبة إلى مقدمي خدمات الأمن الخاص، فإن زيادة القرصنة تؤثر في مصالحها المؤسسية بطرق مربكة. وكما يشير المتشائمون، فإن الحرب ضد القرصنة أعطت القوات البحرية مهمة نبيلة جديدة، ومكنتها من المطالبة بمال من الميزانية، ومجال للعمل عبر الحدود لا يعترض عليه أحد.
وأخيرا، اتفق الأمين العام الجديد لحلف شمال الأطلسي، Anders Fogh Rasmussen، مع المبعوث الروسي للتحالف، Dmitry Rogozin، أن القرصنة مجال يمكن لهما فيه العمل معا. إلا أن روسيا، التي أرسلت مجموعة من سفن البحرية إلى القرن الإفريقي، تقول إنها لن تعمل تحت قيادة حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي.
وفي هذه الأثناء، اشترك المبعوث الروسي في الأيام الأخيرة فيما قدمه على أنه مهمة كبيرة لمكافحة القرصنة: أسر ثمانية أشخاص على متن سفينة شحن مملوكة لروسيا تسمى Arctic Sea، قبالة جزر Cape Verde، التي زعم طاقمها أنه تم خطفهم، لفترة وجيزة على الأقل، في بحر البلطيق في نهاية تموز (يوليو). وقد شككت دول أخرى في هذه القصة.
وإلى جانب القوى الكبرى مثل روسيا، فإن الحرب على القرصنة تجتذب الدول الصغيرة. فعلى سبيل المثال، قالت كرواتيا أخيرا إنها ستنضم إلى قوة بقيادة الاتحاد الأوروبي، بعد التعهد باحترام ''حقوق الإنسان'' للقراصنة.
ويطرح جون بايك، من شركة Global security.org الأمريكية الاستشارية، وجهة نظر صارمة في كل هذا. ''تبحث كثير من القوات البحرية عن شيء لتفعله - وهناك كثير من السفن في العالم المجهزة للحروب البحرية الكبيرة، التي لن تحدث''. إلا أن بعض أفراد القوة البحرية يقولون إن التعامل مع الصوماليين الحفاة بالأسلحة ليس هو الاستخدام الأمثل للسفن الحربية الكبيرة. ويقول جيسون ألديرويك، المحلل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن: ''هم يشعرون بأن التصدي لقارب صغير بسفينة تكلف مئات الملايين أمر غريب''. كما أن السفن الحربية ليست ملائمة دائما لهذه المهمة. وقد يحتاج الزروق البحري إلى 20 دقيقة لإرسال مروحية إلى سفينة تجارية قريبة معرضة للخطر. وهذا وقت كاف ليستولي القراصنة على السفينة؛ وحالما يحدث هذا، ليس هناك طريقة سهلة لاستعادة السيطرة.
ومن الأفضل دائما ردع هذا التصرف، أو على الأقل وقف الهجمات في مراحلها الأولى ويجب أن يلعب القطاع الخاص (كل من مالكي السفن ومستشاري الأمن) دورا في هذه المجالات. وشجعت أمريكا أيضا الدول الصغيرة التي لها مكاتب تسجيل كبيرة للشحن، مثل ليبيريا وبنما وجزر مارشال وجزر البهاما بتكليف السفن باستخدام وسائل حماية حكيمة.
وقد بدأ الخط الفاصل بين السفن التجارية السلمية والسفن البحرية يصبح أقل وضوحا بالفعل. فهذه الأيام، يستخدم مزودو الأمن البحري العاملون قبالة ساحل شرق إفريقيا دائما تقريبا الأسلحة، كما يقول Didier Berra، المحارب القديم في الجيش الفرنسي الذي يعمل مع شركة Secopex للأمن البحري التي مقرها Carcassonne في فرنسا. ويضيف Berra أن استخدام القوة العنيفة نادرا ما يكون ضروريا. فغالبا ما يستسلم المهاجمون حين يتم إطلاق رشاشات عيار 12.7 ملم في الماء، التي تسبب كثيرا من رذاذ المياه. ويقول رئيس شركة أمن أوروبية أخرى إن عديدا من الجماعات تتحايل على حظر الأسلحة في الميناء عن طريق إلقائها من القارب إلى البحر. إلا أن عرض القوة العسكرية ضروري على نحو متزايد لأن القراصنة أصبحوا لا يهتمون بالدفاعات ''غير القاتلة'' مثل خراطيم المياه والانفجارات الصوتية، كما يقول David Schewitz، التي تساعد شركته في كاليفورنيا، RSB International، على حماية السفن.
وبدأت القوات البحرية أيضا بوضع البحارة على متن السفن التجارية، وهو أمر نادر حتى الآن إلا إذا كانت الشحنة عسكرية. فالبحرية الفرنسية مثلا ترسل بحارة لحماية سفن صيد التونا للدولة في المياه حول Seychelles. ويقلل هذا، بشكل هامشي على الأقل، فرص الشركات الخاصة؛ تكون القليل من الحالات لعبة صفرية يكون فيها غالب ومغلوب.
وعلى أية حال، لا تستطيع شركات الأمن الخاصة أن تفعل أكثر من معالجة أعراض القرصنة. ولا بد من بذل مزيد من الجهود على الشاطئ. ولعل تتبع مكان تخبئة الفدية، التي يقال إنها في بنوك في الخليج، بداية جيدة. ومن الأفكار الأخرى إيجاد طرق جديدة للإبقاء على مالكي القوارب الصومالية الشباب. فالصوماليون الذين كانوا يصيدون السمك في السابق يقولون إنه تم طردهم من قبل سفن الصيد الأجنبية. وفي النهاية، من غير المرجح أن تتوقف القرصنة في الصومال إلى أن تتم معالجة انعدام الاستقرار المزمن الذي يسببه زعماء الحرب المتنافسون والمقاتلون الإسلاميون. ولكن لا يوجد لدى أي من الخارجيين علاج شاف. فقد قصفت القوات الأمريكية المقاتلين الإسلاميين في جنوب الصومال، وتؤيد روسيا ضرب القواعد الساحلية للقراصنة، وليس من المحتمل أن يؤدي أي منهما إلى إقامة الاستقرار. ويعني عدم وجود دولة فاعلة في الصومال أنه ليس هناك قدرة محلية على مراقبة وحراسة المياه الوطنية. وفي العام الماضي، وقعت ''الحكومة الفيدرالية الانتقالية'' صفقة مع Secopex ستشكل الشركة بموجبها قوة بحرية وطنية صغيرة. وتشير تقديرات Secopex إلى أنها ستحتاج إلى 20 سفنية حربية سريعة. إلا أن الصفقة فشلت. فقد كانت الحكومة مفلسة وغير منظمة.
وعبر إفريقيا، في نيجيريا، تكمن منطقة خطرة أخرى على السفن. فوفقا لشركة GEOS الفرنسية، فإن المتمردين الذين يشنون هجمات باستخدام أسلوب القراصنة على الشحنات في منطقة دلتا النيجر مسلحون جيدا ويملكون معلومات عن الأهداف، عن طريق علاقاتهم في عالم النفط والشحن. إلا أن الدولة شبه العاملة في نيجيريا تساعد على إبقاء القرصنة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. وتحمي GEOS عملاءها من السفن بمساعدة قارب للشرطة النيجيرية أو سفينة حربية صغيرة للبحرية.
وقد سمح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لسفن البحرية بالدخول إلى المياه الصومالية لملاحقة القراصنة. إلا أن أعالي البحار أصبحت أكثر خطرا مما كانت عليه، ولا يبدو أن الحكومات أو أصحاب المصالح الخاصة قادرون على جعلها أكثر أمنا >