تجربة سقوط شركتي سعد والقصيبي!

منذ أن انفجرت الأزمة الائتمانية لشركة سعد القابضة، ثم تبعتها ـ بأيام قلائل ـ أزمة الائتمان لشركة القصيبي، والكل في منطقة الخليج وبالذات في المملكة العربية السعودية يحبس أنفاسه ويستلطف الله سبحانه وتعالى ألا تأخذنا تطورات الأوضاع في هاتين الشركتين العملاقتين إلى ما هو أسوأ.
وبعد مرور أسابيع قلائل بدأت المشكلة تكشّر عن أنيابها، وأخذ الجميع يخشى أن تصبح هذه الأزمة مقدمة لمشكلة حقيقية تطول بعض البنوك والشركات في منطقة الخليج بأسرها!
وكعادتها في مثل هذه الأزمات فقد بادرت حكومتنا الرشيدة واتخذت إجراءات عاجلة وموفقة بتجميد أرصدة هاتين الشركتين حتى لا تتفاقم أوضاعهما، وبعد أيام قلائل اتخذ مصرف البحرين المركزي قراراَ بالقيام بإدارة المؤسسة المصرفية التابعة لمجموعة القصيبي في البحرين، وكذلك اتخذ مصرف البحرين المركزي قراراً بفرض سيطرته على بنك أوال المملوك لمجموعة سعد السعودية.
وساعتئذ قال مصرف البحرين المركزي، إن بنك أوال والمؤسسة المصرفية العالمية لديهما نقص كبير في الأصول مقارنة بخصومهما، وأنه تخالجه الريبة في تصرفات بعض الأشخاص ممن هم على صلة بإدارة البنكين.
ولقد وجد هذا البيان دوياً صاعقاً في الأوساط الاقتصادية في دول الخليج العربية، لأننا إذا رجعنا إلى كارثة الائتمان التي ضربت الاقتصاد الأمريكي ثم الاقتصاد العالمي حتى أصبح أزمة مالية عالمية، لأدركنا أهمية القرار الذي اتخذته الحكومة السعودية تجاه الشركتين، وكذلك قرار مصرف البحرين المركزي بالتدخل في الوقت المناسب.
وإذا كان البعض مازال يقلل من خطورة انعكاس أزمة القروض المالية للشركتين على اقتصادات الخليج، فإن الدوائر الاقتصادية الدولية حذرت من خطورة عجز الشركتين عن تسديد هذه القروض الضخمة على الاقتصاد الخليجي، بل ذهبت مجلة "الإيكونوميست" وصحيفة "الفاينانشيال تايمز" إلى أبعد من ذلك، حيث ظلا ينشران تحليلات دقيقة لما يمكن أن تحدثه هذه الأزمة في اقتصادات دول الخليج. ورغم أن أرقام القروض الائتمانية على الشركتين تناثرت في وسائل الإعلام العالمية حتى وصلت إلى 400 مليار ريال، إلاّ أن مسؤولين في الشركتين قالوا إن هذه الأرقام مبالغ فيها.
نعم كان قرار الحكومة السعودية قراراً حكيماً وصائباً ومتوازناً استطاع أن يضع المشكلة الائتمانية التي تعرضت لها الشركتان الكبيرتان تحت السيطرة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن هذا الملف يضع قضية استصدار نظام للتسوية الواقية من الإفلاس في الأولويات التي يجب أن تعنى بها الحكومة، صحيح أن الحكومة قامت بمبادرة عاجلة للحيلولة دون إعلان إفلاس الشركتين، ولكن هذه الخطوة من الحكومة لم تنطلق من تطبيق نظام يحمي المؤسسات المتورطة في التعثر، بل هي إجراء سلطوي هدفه حماية أموال الناس وحماية الاقتصاد الوطني، وقبل ذلك حماية سمعة الاقتصاد الوطني الذي يتمتع بسمعة عالمية قوية في كل الأوساط المالية الدولية والإقليمية.
ولكن في مقابل ذلك هناك وجهة نظر تقول إن تجميد أموال حسابات الشركتين سوف يترتب عليها تجميد فرص التشغيل التجاري للشركتين، وهذا بدوره سوف يعطل إمكانية تحسين الأداء وتنشيط الموقف المالي، ولا سيما أن الشركتين تقومان بتنفيذ مشاريع كبرى تحتاج إلى سيولة ضخمة، كما هو الحال في مشاريع البنى التحتية والمدن الاقتصادية التي سبق أن ارتبطت بها الشركتان، ولذلك كان يمكن إعطاء البنوك حق تجميد أو عدم تجميد الحسابات، لأن البنوك تستطيع أن تتعامل مع كل مشكلة وكل عميل على حدة، وبطريقة تضمن استرجاع حقوقها وحقوق الآخرين، خصوصاً أن المصارف المحلية سبق وأن تعاملت مع كثير من الشركات المتعثرة والعملاء المتورطين في التعثر بطريقة ناجعة قبل اللجوء إلى تجميد الحسابات.
ولو نظرنا إلى الحل البحريني نجد بأنه يتجه في هذا الاتجاه، حيث قام مصرف البحرين المركزي بتنحية الشركتين من مسؤولية الإدارة وتولى هو إدارة الشركتين حتى يستطيع أن يعيد مسار الشركتين إلى المسار الذي يعيد هيكلتهما وينقذهما من براثن الإفلاس.
ونحن في ضوء ما جرى ويجري، فإننا نستبعد حالة الإفلاس بمعناها الدولي الشامل، ولكن نتوقع أن تخوض الشركتان حالة من حالات التعثر في السداد، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة جدولة المشاريع وإعادة جدولة الديون.
إن مشكلة شركتي سعد والقصيبي وما أشاعته من هلع في أسواق المال والأعمال تعيد ملف تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة، ليصبح هذا الملف مرة أخرى من أهم الملفات المطروحة أمام وزارات الاقتصاد والمالية في دول الخليج، وإذا كان واضحاً أن من أهم أسباب سقوط الشركتين هو غياب الشفافية والإفصاح والمساءلة، فإن من أهم ما يشغل بال الخليجيين هو تسهيل ممارسة الشفافية والإفصاح والمساءلة في كل الشركات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي