الغوص في العمق
المروية الإسرائيلية، أو السرديات الإسرائيلية التي سعى ويسعى العدو الصهيوني إلى جعلها حقائق تاريخية وواقعية تتعرض مع كل أزمة إلى هزة جديدة، فالانفتاح الإعلامي والاتصالي سهل على من يناقشون هذه السرديات أو ينقضونها، إيصال أفكارهم وأسئلتهم، أو تعريفنا بمؤلفات وكتب عميقة ومهمة تناقش هذه السرديات وترد على معظم حججها. ربما تكون السجالات الإعلامية ممثلة في التصاريح، أو المناوشات في وسائل التواصل الاجتماعي مؤثرة نسبيا، لكن تأثيرها وقتي، وتذهب أدراج الرياح مع كل هذا الزخم الاتصالي الذي ترتكز فكرته الأساس على الاستهلاك اللحظي. في المقابل نجد أحيانا ما يحتاج إلى التوقف عنده، قراءته بهدوء وتمعن، ثم التفكير في كيفية الاستفادة منه في الجزء الثقافي المتعلق بهذه الحرب، الحرب بين المحتل وبين أصحاب الأرض، بل بينه وبين المحيط الإسلامي والعربي برمته. الجزء الثقافي من الحرب له أهمية قصوى، وهو الجزء الذي لم يهمله العدو ومن يدعمه، فهناك كثير من الإنتاج الثقافي والفني والترفيهي وغيره مما يدعم هذه السرديات بطريقة ذكية، أو فلنقل بطريقة مهنية محترفة، وبعمل مؤسساتي يمتاز بالمثابرة والصبر حيث العمل يجري منذ نصف قرن، ولا يزال جاريا. اليوم تزداد أهمية الالتفات الجاد نحو مقابلة السرديات الإسرائيلية بالسرديات العربية والفلسطينية، مقابلة الباطل بالحق، أو مقابلة الكذب بالصدق، الذي يجب أن يكون صدقا وليس نوعا من "بروباجاندا" تشبه مثيلتها الإسرائيلية التي نجحت في تسليع نفسها كسلعة إعلامية تم ويتم تسويقها للعالم.
في هذا الشأن من المهم الانتباه إلى المفكرين والمثقفين والأكاديميين في الغرب والشرق ممن انعتقوا من الانحياز إلى السردية الغربية الاستعمارية عموما، ومن مساندة إسرائيل كفكرة يحاول داعموها أن يجعلوها حقيقة، ويعملون على صنع تاريخ وثقافة خاصة بها مليئة بالثغرات التي يحاولون تغطيتها. الأهم من وجهة نظري الانتباه إلى الإنتاج البحثي الأكاديمي، والمؤلفات الفكرية التي ينتجها من يدينون باليهودية، أو يحملون الجنسية الإسرائيلية ممن ينتقدون "فكرة" إسرائيل، ويدرسون عميقا الفلسفة التي يقوم عليها هذا الكيان الغاصب، ويردون عليها وعلى من يناصرها بالحقائق التاريخية ويكشفون بشكل علمي رصين المنطق الضعيف لهذه الفلسفة الذي لا يتسق مع العقل ولا مع أي دين ولا أخلاق. في هذه الحرب يجب علينا الغوص عميقا في الثقافة اليهودية والإسرائيلية، وإبراز ومناقشة مؤلفات من يخرجون من العباءة الصهيونية، لأن هذا ما يبقى، وهو ما يؤثر فعليا وإن كان على المدى الطويل.
القراءة فعل مسالم لكنها جزء من الحرب.