أمريكا تفقد خطوطها الأرضية
لقد قيل الكثير عن التدهور الحاد للصحف الأمريكية. ووفقا لإحدى الحسابات التي كثيرا ما يتم الاستشهاد بها، فإنه سيتم توزيع آخر صحيفة مطبوعة في الدولة في الربع الأول من عام 2043. إلا أن تلك توقعات إيجابية مقارنة بخدمة أساسية أخرى في الحياة الأمريكية، وهي الهواتف المنزلية. فمشغّلو الاتصالات يشهدون تخلي العملاء عن الخطوط الأرضية بمعدل 700 ألف شهريا. ويقدّر بعض المحللين الآن أن 25 في المائة من الأسر في أمريكا يعتمدون بالكامل على الهواتف المحمولة- نسبة قد تتضاعف خلال الثلاثة أعوام المقبلة. وإذا استمر انخفاض الخطوط الأرضية بالمعدل الحالي، فسيتم قطع السلك الأخير في وقت ما من عام 2025.
وسيكون تأثير هذا الاتجاه أكبر مما يدرك معظم الناس. وبطبيعة الحال، سيصعّب بدرجة كبيرة الحياة على شركات الاتصالات. ولكنه سيضر أيضا بجميع الشركات التي تتطلب خطوطا أرضية، مع ارتفاع الفواتير وتعطل نماذج الأعمال. وما لا يقل خطورة عن ذلك هو أن شبكة الخطوط الثابتة المتهالكة تهدد عمل خدمات الطوارئ، مثل الشرطة والإطفاء. وقد تسارع انخفاض استخدام الخطوط الأرضية، الذي بدأ منذ عدة سنوات، في الأشهر الأخيرة. ففي النص ف الأول من عام 2005 فقط، كانت 7.3 في المائة من العائلات تعتمد بالكامل على الهواتف المحمولة، وفقا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أمريكا، التي تجمع مثل هذه البيانات ،لأنها تستخدم الخطوط الأرضية لإجراء المسوحات المتعلقة بالصحة. وبحلول نهاية العام الماضي، بلغت النسبة 20.2 في المائة- زيادة بنسبة 2.7 نقطة مئوية في النصف الثاني من العام الماضي فقط، وهي أكبر زيادة على الإطلاق.
وقد أدى الركود إلى تسارع التخلي عن الخطوط الأرضية، كما يوضح Stepahne Teral، وهو محلل في شركة Infonetics Research، بما أن الناس تريد توفير المال وبما أنها أكثر استعدادا للتضحية بخطوطها الأرضية أكثر من استعدادها للتضحية بخطوط الهواتف المحمولة. إلا أن المشكلة حادة بشكل خاص في أمريكا نظرا لاتساع رقعة الدولة، الأمر الذي يجعل تشغيل أو تحسين شبكات الخطوط الثابتة مكلفا. وقد جعل هذا، بالإضافة إلى الاضطرابات في صناعة الاتصالات في السنوات الأخيرة، الاتصال بالإنترنت عبر الخطوط الأرضية في أمريكا بطيئا بصورة مزعجة، حتى في المدن، وبالتالي جعل من الأسهل التخلي عن الخطوط الأرضية عنه في أي مكان في أوروبا.ولن يكون هذا مهما كثيرا لولا حقيقة أن العديد من الشركات تعتمد على الخطوط الأرضية. وأول من سيعاني هم المسوّقين على الهاتف، مع أنه لا يمكنهم توقع الكثير من التعاطف. فمن الأصعب الحصول على أرقام الهواتف المحمولة، وفي معظم الحالات يكون اتصال المسوّقين بهم أيضا مخالفا للقانون (مع أن العديد منهم لا يزال يفعل هذا) بما أن مستخدمي الهواتف المحمولة في أمريكا يدفعون الرسوم مقابل تلقي المكالمات بالإضافة إلى إجراء المكالمات.
وتسبب الأعداد المتزايدة من الناس الذين يستخدمون الهواتف المحمولة فقط مشكلة أيضا لشركات الاستطلاعات. وقد تجاهلهم معظم المستطلعين حتى أوائل العام الماضي. إلا أن مركز Pew للأبحاث والصحافة، الهيئة التي تدرس الرأي العام، تقول إنه عن طريق إقصاء ''مستخدمي الهواتف المحمولة فقط''، قلل مستطلعو الآراء هامش أصوات باراك أوباما على جون ماكين في الانتخابات الرئاسية بواقع نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية. والاتصال بمستخدمي الهواتف المحمولة فقط أكثر تكلفة بنسبة ضعفين مقارنة بغيرهم، خاصة لأن الهيئات مثل مركز Pew تقدم المال لأولئك الذين يتم شملهم في المسح عن طريق الهواتف المحمولة لتعويضهم عن رسوم المكالمة التي سيدفعونها. والأسوأ من ذلك هو أن مستطلعي الآراء لا يعرفون الكثير عنهم. فهم عادة في أواخر الثلاثينيات من عمرهم، ويجنون أقل من 50 ألف دولار سنويا، وعازبون ويتنقلون بصورة أكثر من المعتاد. ولكن حتى مع السيطرة على هذه العوامل لا يزال لديهم أفضليات تصويت مميزة، كما يقول Brian Schaffner، الأستاذ في جامعة Massachusetts Amherst. ووفقا لحساباته، فإن 49 في المائة من المجيبين عن طريق الخطوط الأرضية كانوا يميلون لأوباما في حزيران (يونيو) 2008، إلا أن النسبة بلغت 65 في المائة بين مستخدمي الهواتف المحمولة فقط. ويتكهن أن السبب في ذلك قد يكون أن مستخدمي الهواتف المحمولة فقط ''أكثر استعدادا للمغامرة بتجربة شيء جديد''.وهناك أيضا مشغّلو الاتصالات أنفسهم. والمثير للدهشة هو أن الشخصيات المهمة في الصناعة لا يبدون شديدي القلق بشأن فقدان الخطوط الأرضية، سواء لصالح مشغّلي الهواتف المحمولة أو لشركات الكابل، التي تملك الآن 20 في المائة من سوق الخطوط الأرضية. ويقول المتحدثون باسمهم إنهم توقعوا ذلك واستثمروا في شركات جديدة. فشركة Verizon مثلا تخدم نحو 20 مليون عميل للخطوط الأرضية في شمال شرق أمريكا، ولكنها أيضا أكبر مشغّلة هواتف في الدولة ولديها 87.7 مليون مشترك وتستثمر المليارات في شبكات الألياف الضوئية الجديدة التي تصل إلى 2.5 مليون منزل. وقد باعت Verizon أقسام من شركات الخطوط الأرضية التي تملكها في ثلاث ولايات وتتفاوض على فعل الشيء نفسه في ولايات أخرى.
ومع ذلك، لا تزال Verizon وشركة AT&T، منافستها الرئيسية، شركتي اتصالات سلكية في الغالب، كما يقول Craig Moffett، وهو محلل مع شركة Bernstein Research. ووفقا لحساباته، تولّد شركات الخطوط الأرضية للشركتين أكثر من 50 في المائة من الإيرادات، وحصة أعلى من التكاليف. وقد تخلصت الشركتان وشركة Qwest، ثالث أكبر شركة في أمريكا لتشغيل الخطوط الأرضية، من آلاف الوظائف وأعلنت عن حالات تسريح أخرى لتخفيض التكاليف. إلا أن الخسارة المتسارعة للخطوط الأرضية ستفرض ضغوط متزايدة على هوامش الأرباح، كما يقول Moffett، حيث إن التكلفة الثابتة المرتفعة لإدارة الشبكة موزعة على عدد أصغر من العملاء. ومن المحتمل أيضا أن تؤدي إلى ارتفاع الفواتير على العملاء الأسرى مثل الشركات مع مقاسم الهواتف التي لا تستطيع التخلي عن خطوطها الأرضية بهذه السهولة.
ويقول Moffett إنه حتى لو تمكنت Verizon و AT&T من التغلب على ''مشكلة السلكية'' فلن تختفي المشكلة. فمعظم مشغّلي الاتصالات ليس لديهم أعمال في مجال الهواتف المحمولة يمكنهم اللجوء إليها. فشركة Fairpoint، التي استحوذت على بعض أعمال Verizon في مجال الخطوط الأرضية، تبذل جهودا جبارة لذلك. وقدمت Hawaiian Telcom طلب إفلاس في كانون الأول (ديسمبر)، خاصة لأنها كانت تخسر عملاء الخطوط الأرضية بسرعة كبيرة. ويثير هذا المصير مسألة ما سيحدث لالتزامات المعاشات التقاعدية الضخمة غير الممولة للصناعة. فالالتزامات المستقبلية لشركتي AT&T و Verizon معا كبيرة جدا بحيث تعادل التزامات ''جنرال موتورز'' قبل إفلاسها أخيرا.
ولن يكون على المنظمين اتخاذ قرار فقط بشأن إذا ما كان عليهم تقديم الدعم أو إنقاذ شركات الخطوط الأرضية. فعليهم التأكد أيضا أن يستمر تقديم السلع العامة عبر شبكة الهاتف القديمة. ولا يعمل برنامج تعقب المكالمات الذي يستخدمه رجال الإطفاء وخدمات الإسعاف والعديد غيرهم من ''المجيبين الأوائل'' إلا على الخطوط الأرضية. ومخطط الدعم البيني الذي فرضته الحكومة لضمان أن يحصل أي شخص يريد خط هاتف على خط موجه بالدرجة الأولى نحو الخطوط الأرضية. ومع انخفاض عدد الخطوط، سيزيد الدعم اللازم لتوفير الخطوط للمناطق النائية والعملاء الفقراء. ويقول Moffett إن الخطر يكمن في أن يفرض المنظمون ضرائب جديدة على الخدمات اللاسلكية وخدمات النطاق العريض. وسيتم حينها استخدام الإيرادات من الخدمات الجديدة لإبقاء البنية التحتية المتهالكة على قيد الحياة- وصفة لانخفاض النمو. ويقول إنه في تلك المرحلة ستكون ''مشكلة السلكية'' مشكلة الجميع.