الجغرافيا السياسية لأمريكا اللاتينية
إذا سارت الأمور وفقا للخطة، سيتم بحلول عام 2012 إرسال أول شحنات من النحاس من Toromocho، وهو منجم في جبال الأنديز في البيرو، عن طريق القطار والشاحنات إلى رصيف جديد بقيمة 70 مليون دولار في ميناء Callao. وسيتم شحنها من هناك عبر المحيط الهادئ إلى الصين. ويتم بناء المنجم بتكلفة تبلغ 2.2 مليار دولار من قبل شركة Chinalco الصينية العملاقة للمعادن. وسيكون المنجم والميناء الرمزين الأبرز للتجارة والاستثمار المزدهرين اللذين يحولان الصين بسرعة كبيرة إلى شريك اقتصادي بارز للبيرو وغيرها من دول أمريكا اللاتينية.
وفي الأشهر الستة الأولى من هذا العام، أصبحت الصين أكبر سوق تصديرية للبرازيل للمرة الأولى (أحد أسباب ذلك هو انخفاض الصادرات التصنيعية للبرازيل بصورة حادة في فترة الركود). وخلال يومين من المحادثات في بكين في أيار(مايو) بين الرئيس البرازيلي، لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ونظيره الصيني، هيو جينتاو، تم التوقيع على اتفاقية سيقرض بموجبها بنك التنمية الصيني وشركة Sinopec الصينية للنفط شركة Prtrobras البرازيلية للنفط التي تسيطر عليها الدولة مبلغ عشرة مليارات دولار مقابل ما يصل إلى 200 ألف برميل من النفط يوميا من النفط الخام لمدة عشر سنوات من الحقول الجديدة للدولة في أعماق البحر. وقبل أسابيع من ذلك، عرضت الصين على الأرجنتين اتفاقية لمقايضة العملة تنطوي على استخدام اليوان بقيمة عشرة مليارات دولار، وإقراض جامايكا التي تعاني ضائقة مالية مبلغ 138 مليون دولار لتمكينها من تجنب التخلف عن سداد الديون. واشترت الشركات الصينية حصصا في حقول النفط في الإكوادور وفنزويلا، وتتحدث عن بناء معمل تكرير في كوستاريكا. وهذا الأسبوع، يقال إن شركة البترول الوطنية الصينية وشركة CNOOC، وهي شركة نفط أخرى، قدمتا عرضا بما لا يقل عن 17 مليار دولار لشراء حصة بنسبة 84 في المائة في شركة YPF، أكبر شركة نفط في الأرجنتين، التي تملكها شركة Repsol الإسبانية.
#2#
وليست الصين وحدها التي بدأت بالاهتمام بصورة أكبر بأمريكا اللاتينية. فهناك أيضا الهند وروسيا وإيران، من نواح مختلفة. ودفعت هذه التطورات البعض إلى إعلان نهاية عقيدة مونرو- إصرار أمريكا المعتاد، الذي عبر عنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823م، بأن أي تدخل من قبل الغرباء في نصف الكرة الخاص بها ''خطر على السلام والسلامة لدينا''. ولم يتم الأخذ بعين الاعتبار أنه لطالما كانت هيمنة Yanqui محل نزاع من قبل القوميين في أمريكا اللاتينية وكذلك أوروبا، وأيضا أن الولايات المتحدة (وأوروبا) لا تزالان تجارا ومستثمرين في أمريكا اللاتينية أكثر من الصين، ناهيك عن الهند أو روسيا. والواضح أن هناك عناصر فاعلة جديدة وقد تكون قوية في المنطقة.وكان وصولها يتزامن مع، ونتيجة جزئية أيضا لتطورين آخرين. الأول هو التراجع النسبي للتفوق الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من السلطة دون منازع في نهاية الحرب الباردة. ويقول Jose Antonio Garcia Belaunde، وزير الخارجية في البيرو: ''بدأت مراكز القوى بالتحوّل، والقرن الحادي والعشرين يتعلق بالمحيط الهادئ.'' وبصورة أكثر تحديدا، كان يعتقد على نطاق واسع أن الولايات المتحدة تحت رئاسة جورج بوش أهملت أمريكا اللاتينية بسبب أولويات أكثر إلحاحا في مناطق أخرى، خاصة ''الحرب على الإرهاب''. وساعد هذا الإهمال غيرها على التسلل.
والعامل الثاني هو أن عديدا من دول أمريكا اللاتينية أصبحت أكثر ثقة بنفسها وعازمة على تأكيد استقلالها الدبلوماسي. ويعود ذلك أيضا لكونها حققت الاستقرار الاقتصادي وبنت ديمقراطيات أكثر قوة، أو لأنها انتخبت حكومات يسارية تسعى، لأسباب أيديولوجية، إلى حلفاء جدد. وينطبق كلا العاملين على البرازيل، التي تسعى تحت رئاسة الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا إلى الاضطلاع بدور أقوى باعتبارها قوة إقليمية لها أهمية عالمية.
وقد أثار تنوع العلاقات الاقتصادية لأمريكا اللاتينية سؤالا ملحا لدى البعض: هل يدل هذا علºى تغييرات جغرافية سياسية؟ في الولايات المتحدة، يخشى بعض الجمهوريين أن يشكل الثقل الاقتصادي المتنامي للصين خطرا سياسيا. وأشارت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، إلى أن الصين وإيران تحققان مكاسب ''مقلقة'' في المنطقة. إلا أن عديدا من الأمريكيين اللاتينيين يفضلون اعتبار توسع علاقات الصين إلى منطقتهم باعتباره فرصة. والمنطقة، بقيادة البرازيل، بدأت إقامة تحالفات ''جنوبية جنوبية'' مع الصين والهند وروسيا وجنوب إفريقيا لإجراء تغييرات فيما يعتبرونه جميعهم نظاما اقتصاديا عالميا غير عادل.
ولكن بالنسبة لأمريكا اللاتينية، هناك مسألتان أخريان قد تكونان على القدر نفسه من الأهمية، إن لم يكن أكثر أهمية. الأولى هي إذا ما كان تحول الصين والهند نحو التصنيع يساعد تنميتها الاقتصادية أم يعوقها. والثانية إذا ما كان من المحتمل أن تقوّض العلاقات الاقتصادية والسياسية المتنامية مع دول غير ديمقراطية مثل الصين وروسيا وإيران التزام أمريكا اللاتينية بالديمقراطية الذي فازت به بشق الأنفس.
من السفن الشراعية إلى الأقمار الصناعية
إن العلاقات الاقتصادية بين أمريكا اللاتينية وآسيا ليست جديدة. فمن الستينيات من القرن الخامس عشر حتى عام م1815، كان أسطول من السفن الشراعية الإسبانية الضخمة يقوم برحلة ملحمية سنوية من ميناء Acapulco المكسيكي إلى مانيلا في الفلبين، حاملا الفضة واللوازم ويعود بالحرير والخزف الصيني اللذين كان الأثرياء يتهافتون على شرائهما في المكسيك والبيرو المستعمرتين. وفي السبعينيات من القرن التاسع عشر، ظهرت اليابان كقوة تجارية واستثمارية وجهة مانحة مهمة. إلا أن عنصر المفاجأة ونطاق العلاقة مع الصين (وإلى حد أقل بكثير الهند) جديدان.
والتأثير الأول، والأكبر حتى الآن، هو التأثير غير المباشر. فقد أدى الطلب الصيني والهندي على المواد الخام إلى رفع أسعار السلع (التي تنتجها دول أمريكا الجنوبية بكثرة) إلى مستويات غير مسبوقة. ولعب هذا دورا مهما في تسريع معدل النمو الاقتصادي للمنطقة إلى نسبة 5.5 في المائة منذ منتصف 2003 إلى منتصف 2008. وثانيا، نمت تجارة الصين مع أمريكا اللاتينية إلى متوسط سنوي بلغ نحو 40 في المائة منذ عام 2003- أسرع من مجمل تجارتها. وأصبحت الصين الآن سوقا كبيرة لدول مثل البرازيل وتشيلي والبيرو.
وأثار صعود الصين كثيرا من الكآبة في أمريكا اللاتينية قبل عقد من الزمن. وبما أن متوسط الأجور في الصين يبلغ نسبة الخمس إلى الخمسين بالنسبة لمتوسط الأجور في أمريكا اللاتينية، كان يعتقد أنه سيتم القضاء على كثير من صناعة التصنيع في المنطقة التي تتطلب عمالة كثيفة. ولهذا السبب وضعت دول أمريكا اللاتينية مزيدا من إجراءات مكافحة الإغراق ضد الصين في منظمة التجارة العالمية أكثر مما وضعت الولايات المتحدة.
وبعد مرور عقد من الزمن، كان بعض هذه المخاوف مبررا، إلا أن الصورة أكثر إيجابية. واكتشف الباحثون في البنك الدولي مكاسب صافية واضحة للمنطقة من توسع الصين. ويرجع هذا إلى حد كبير إلى تأثير السلع، ولكن أيضا لأن المصدّرين في أمريكا اللاتينية استفادوا من زيادة ثراء دول أخرى عن طريق التجارة مع الصين. ولم يجد البنك أيضا أي دليل على انتقال الاستثمار الأجنبي المباشر من أمريكا اللاتينية إلى الصين. وعلى الرغم من أن أمريكا اللاتينية تعاني عجزا تجاريا مع الصين، إلا أنها تستورد بصورة متزايدة الآلات، التي تساعدها على التنافس في أسواق أخرى.
وقد تركز الألم في دول معينة وصناعات محددة. وعلى الرغم من أن الدول المصدّرة للسلع مثل تشيلي والبيرو والبرازيل حققت مكاسب واضحة، إلا أن أداء المكسيك ودول أمريكا الوسطى كان أسوأ. وبالنسبة للمكسيك، إحدى الدول التصنيعية الأبرز في المنطقة، تعد الصين منافسا، خاصة في السوق الأمريكية، في صناعات تراوح بين المنسوجات و الإلكترونيات. وبين الأعوام 2000 و 2005، تضاعفت حصة الصين من مستوردات الملابس لأمريكا لتصل إلى 26 في المائة في حين انخفضت حصة المكسيك من 14 في المائة إلى 8 في المائة. إلا أن بعض منتجي المنسوجات المكسيكيين كافحوا ذلك، إما عن طريق استغلال قربهم الأكبر من السوق الأمريكية وإما عن طريق تحسين جودتهم.
لقد تم القضاء على جميع مصنّعي الأحذية والألعاب البرازيليين تقريبا، أو أنهم انتقلوا إلى الصين. ويقول Roberto Giannetti da Fonseca من اتحاد الصناعات في سان باولو: ''من المستحيل منافسة الصين في هذه القطاعات.'' ويشير إلى ارتفاع ضرائب العمل وأسعار الفائدة في البرازيل بوصفها من العوائق. إلا أن علاقات أمريكا الجنوبية الجديدة مع الصين ساعدتها على الخروج من الركود العالمي وهي سالمة نسبيا. ويشير Marcelo Carvalho من بنك مورجان ستانلي الاستثماري إلى أن الطلب الصيني على السلع أسهم، كما يبدو، بصورة كبيرة في تسريع النمو الاقتصادي وتعزيز العملة وتخفيض التضخم وأسعار الفائدة في البرازيل.
وفي الوقت الذي ازدهرت فيه التجارة، إلا أن الاستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية هي أقل حتى الآن مما يبدو للعيان. والوضع معكوس في حالة الهند، التي لا تزال تجارتها مع المنطقة متواضعة ولكن التي بدأت شركاتها بتنفيذ استثمارات كبيرة في مجال البرمجيات والمستحضرات الصيدلانية وبرامج الأعمال والموارد الطبيعية. ومن العوامل غير المساعدة هو أنه في عام 2004، اقتبس خطأ عن الرئيس الصيني، هيو جينتاو، في زيارته الأولى من أصل زيارتين إلى المنطقة، بالإعلان عن استثمارات مقررة يبلغ مجموعها 100 مليار دولار على مدى عشر سنوات. (ولكنه قال في الواقع إنه يأمل أن تبلغ التجارة بين الطرفين هذا الرقم بحلول عام 2010، وأن يتضاعف الاستثمار الأجنبي، وكلاهما أمر مرجح.)
ضخ النفط الفنزويلي
تركزت الاستثمارات الصينية حتى الآن بصورة كبيرة في التعدين والنفط. (الاستثناء المبكر وغير المعتاد هو المشروع المشترك مع البرازيل، الذي يعود تاريخه إلى الثمانينيات، لإنتاج الأقمار الصناعية للاتصالات، الذي توفر فيه الصين 70 في المائة من التمويل والتكنولوجيا.) ومشروع Toromocho هو أحد ثلاث استثمارات كبيرة في مشاريع النحاس في البيرو. وقد أصبحت الشركات الصينية أكبر المستثمرين الأجانب في صناعة النفط في الإكوادور.
ولكن لعل الأكثر إثارة للجدل هو حصة الصين في فنزويلا تحت رئاسة هيوجو شافيز. فقد أقرض بنك التنمية الصيني ثلثي رأسمال الصندوق المشترك بقيمة 12 مليار دولار الذي قد تستفيد منه الشركات الصينية لمشاريع الاستثمار في فنزويلا. ويحتمل أن تكون معظم تلك المشاريع في النفط، تدير شركة CNPC الصينية عديدا من حقول النفط الصغيرة وتستثمر في رمال القطران في Orinoco.
ولطالما كانت الولايات المتحدة السوق الخارجية الرئيسة للنفط الفنزويلي. وتوفر فنزويلا نحو 10 في المائة من مستوردات النفط الأمريكية، وتمتلك شركة Petroleos de Venezuela، شركة النفط المملوكة للدولة، شركة Citgo، شركة توزيع النفط الأمريكية التي تملك عدة معامل تكرير معدة بصورة خاصة لمعالجة النفط الخام الثقيل والمليء بالكبريت للدولة. ولطالما كان هذا الاعتماد المتبادل مصدر إزعاج لشافيز، وقد قال مرارا إنه يريد تحويل النفط الفنزويلي إلى الصين (مع أن تكاليف النقل ستكون أعلى بكثير). وحتى الآن، زادت صادرات النفط الفنزويلي إلى الصين من مستوى ضئيل إلى 398 ألف برميل يوميا. إلا أن شركة Petroleos de Venezuela أعلنت أنها تريد زيادة التدفق إلى 500 ألف برميل يوميا بحلول كانون الأول(ديسمبر). ولا يمكن تحقيق هذا إلا عن طريق خفض الشحنات إلى الولايات المتحدة.
وفي إفريقيا، أدت الاستثمارات الأكبر للصين في النفط والتعدين إلى اتهامها من قبل بعض الجهات بأنها أنشأت جيوبا استعمارية جديدة. ولكن في أمريكا اللاتينية، المنطقة الأكثر تطورا، فإن الصين ليست سوى واحدة من عديد من المستثمرين الأجانب. وبعد بداية متعثرة، يبدو أن الشركات الصينية أصبحت أكثر استجابة للمخاوف المحلية. خذ البيرو مثلا. فقد كان أول استثمار صيني من قبل شركة Shougang، التي اشترت منجم خام الحديد عام 1992. وجلبت 350 موظفا صينيا، واكتسبت سمعة سيئة بسبب المشكلات المستمرة مع قوة العمل في البيرو. وفي المقابل، كما يشير Luis Chang، سفير البيرو السابق إلى بكين ومستشار للشركات الصينية، فإن في مشروع Toromocho هناك ثلاثة مديرين صينيين ، أما الرئيس التنفيذي فهو كندي.
و Chang هو واحد من نحو ثلاثة ملايين من البيرو الذين يزعمون أنهم من أصول صينية، وهي أكبر جالية من نوعها في أمريكا اللاتينية. (تم جلب نحو 100 ألف عامل صيني لا يملكون مهارات إلى البيرو بصفة عمّال بين الأعوام 1849 و 1875، واندمجوا بصورة جيدة.) وأصبحت البيرو الدولة الثانية في أمريكا اللاتينية بعد تشيلي التي توقع اتفاقية للتجارة الحرة مع الصين. ويأمل Garcia Belaunde أن يشجع هذا على زيادة الاستثمارات الصينية، خاصة في قطاع البنية التحتية للنقل الذي يحتاج بشدة إلى ذلك، مثل ميناء Callao وموانئ أخرى.إلا أن نمط التجارة والاستثمار حتى الآن يعزز مخاوف بعض الأمريكيين اللاتينيين بأن تتسبب الصين في إعادة تخصص المنطقة في السلع، كما حدث في القرن التاسع عشر، على حساب الصناعة. وفي حين أن صادرات الصين إلى المنطقة تشمل مجموعة واسعة من السلع المصنّعة، إلا أن مستورداتها تتركز بصورة كبيرة في قليل من السلع. ويشكل فول الصويا وخام الحديد ثلثي صادرات البرازيل إلى الصين، ويشكل النفط الخام 10 في المائة. (على النقيض من ذلك، أغلب صادرات البرازيل إلى الولايات المتحدة هي سلع مصنّعة.) وليس بالضرورة أن يكون هذا التخصص ضارا بحد ذاته، ولكن بما أن عديدا من فروع الصناعة التصنيعية الصينية تتفوق على نظيراتها الأمريكية اللاتينية، قد تبدأ حكومات أمريكا اللاتينية بفرض مزيد من الضغط لتحسين القدرة التنافسية لشركات المنطقة، وإحدى الوسائل لذلك هي السياسة الصناعية.
الأعمال والسياسة
ويصر المسؤولون الصينيون على القول إن توثيق علاقاتهم مع أمريكا اللاتينية مدفوع بأمرين: المصلحة الدبلوماسية المشتركة في عالم متعدد الأقطاب، وعلاقات المنفعة المتبادلة الاقتصادية والتجارية. ويقول Qiu Xiaoqi، سفير الصين إلى برازيليا: ''نحن لا نسعى للحصول على نفوذ خاص. وقد أكدنا (للولايات المتحدة) أن علاقاتنا مع أمريكا اللاتينية لا تشكل تهديدا على أي أحد.'' كما أن من مصلحة الصين أن نصف الدول الصغيرة الأربع والعشرين في جميع أنحاء العالم التي لا تزال تعترف بتايوان بدلا من الصين هي في أمريكا اللاتينية والكاريبي.
وعلى الرغم من سلسلة الزيارات الرئاسية والوزارية في كلا الاتجاهين، وتزايد الفضول المتبادل، إلا أن الصين وأمريكا اللاتينية ليستا مقرّبتين. فليس هناك رحلات مباشرة بين الدولتين. ومعظم الصينيين لا يعرفون شيئا عن المنطقة (لا يتحدث Qiu اللغة البرتغالية مع أنه أحد الدبلوماسيين الصينيين القلائل نسبيا الذين يتحدثون الإسبانية). ولكن عاجلا أو آجلا، من المؤكد أن يكون لتطوير المشاركة الاقتصادية للصين في أمريكا اللاتينية تشعبات جغرافية سياسية، ستلزمها على اتخاذ قرارات معينة. ويعود هذا إلى التطورات السياسية في أمريكا اللاتينية، خاصة نشوء حكومات مناهضة تقريبا للولايات المتحدة في بعض الدول.
وتسعى فنزويلا تحت رئاسة شافيز إلى توثيق العلاقات، ليس فقط مع الصين بل أيضا مع روسيا وإيران. وخلال الحرب الباردة، موّل الاتحاد السوفيتي كوبا لمدة تقارب ثلاثة عقود، ودعم الحركات والحكومات اليسارية في جميع أنحاء المنطقة. وفي العام الماضي، أصبح ديميتري ميدفيديف أول رئيس روسي منذ تلك الأيام يزور أمريكا اللاتينية. وأرسلت روسيا أيضا أسطولا بحريا صغيرا إلى الكاريبي للقيام بمناورات مشتركة مع فنزويلا وكوبا. وكانت تلك بادرة انتقامية بعد أن أرسلت الولايات المتحدة سفنا لدعم جورجيا بعد حربها القصيرة مع روسيا في الصيف الماضي.
ويتركز اهتمام روسيا في أمريكا اللاتينية على مبيعات الأسلحة. وبين الأعوام 2005 و 2008، اشترى شافيز أسلحة روسيا بقيمة 4.4 مليار دولار، بما في ذلك 24 من طائرات Sukhoi المقاتلة. وحين انخفض سعر النفط العام الماضي، وقلل ثروة شافيز، عرضت روسيا توفير خط ائتمان بقيمة مليار دولار لتنفيذ مزيد من صفقات شراء الأسلحة. وفي هذا الشهر، قال شافيز إنه سيسعى للحصول على ''كتائب من الدبابات'' من روسيا في زيارته المقبلة إلى موسكو، ردا على اتفاقية تسمح لأمريكا باستخدام قواعد عسكرية في كولومبيا المجاورة. إلا أن صفقة الشراء الأكثر إثارة للقلق هي 100 ألف بندقية كلاشينكوف آلية وخط إنتاج لتصنيع المزيد. ويخشى المسؤولون الكولومبيون أن تحصل القوات المسلحة الثورة الكولومبية على بعض هذه الأسلحة.
وقد بذل شافيز جهودا كبيرة للتودد لنظيره الإيراني، محمود أحمدي نجّاد. وفي عام 2007 في طهران، انضم للإيرانيين في الإعلان عن ''محور الوحدة'' ضد الولايات المتحدة. وكان هناك حديث عن تعاون نووي. وكانت فنزويلا وكوبا، إلى جانب سورية، الدول الوحيدة التي دعمت البرنامج النووي الإيراني في تصويت عام 2006 في الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. وقام أحمدي نجّاد بزيارتين إلى أمريكا اللاتينية، بما في ذلك نيكاراجوا والإكوادور وبوليفيا، وكذلك فنزويلا في كل من الزيارتين. وفتحت حكومته سفارات في تشيلي وكولومبيا والإكوادور ونياكارجوا وأوروغواي. وبموجب برنامج استثمار ترعاه الحكومتان، ستقوم شركات إيرانية بتصنيع جرارات وسيارات في فنزويلا، وبناء مساكن للفقراء.
وعرضت إيران هذا الشهر على بوليفيا قرضا بقيمة 280 مليون دولار، إضافة إلى إنفاق 200 مليون دولار على بناء مصنعين للأسمنت وثلاثة مصانع حليب. ووعد أحمدي نجّاد أيضا بتقديم مساعدات لنيكاراجوا بقيمة مليار دولار، وأعلنت إيران عن خطط للاستثمار في صناعة النفط في الإكوادور. ولكن كما هو الحال في عديد من الاستثمارات التي يعلن عنها شافيز، لا يبدو أنه تم توزيع كثير من المال.
ويبدو أن رعاية إيران لحكومات أمريكا اللاتينية المتطرفة تهدف جزئيا إلى ضمان حلفاء دبلوماسيين في الهيئات الدولية، وفي الوقت نفسه إثارة غضب الولايات المتحدة. ويعتقد بعض المحللين أن هناك بعدا آخر أكثر شرا، مشيرين إلى وجود متعاطفين مع حزب الله، الميليشيا الشيعية في لبنان، في فنزويلا. وقد أصدر أحد القضاة الأرجنتينيين، بدعم من الحكومة، مذكرات اعتقال لسبعة مسؤولين إيرانيين وأحد أعضاء حزب الله مرتبطين بتفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس أيريس عام 1992 ومركز للجالية اليهودية بعد عامين من ذلك تسبب في مقتل 114 شخصا وإصابة أكثر من 500. ولكن لا توجد أدلة دامغة على استمرار وجود إرهابيين نشطين يستمدون إلهامهم من إيران في المنطقة.
وبالنسبة للصين، فإن المشاحنات الدولية لشافيز وأصدقائه قد يكون عائقا وليس مصدر جذب. ويقول Pan Wei، العالم السياسي في كلية الدراسات الدولية في جامعة بكين، الذي أمضى أخيرا مدة تفرغ في الجامعة الكاثوليكية في ليما: ''الصين ليست مهتمة جدا بالحركات المتطرفة. ولن تثير الصين المشكلات السياسية في هذه المنطقة، ولن يكون لديها أيضا وجود عسكري.'' ويشير إلى أن الصين أقامت علاقات ودية مع تشيلي خلال ديكتاتورية الجنرال Augusto Pinochet.
وتهتم الصين جدا لنهجها العملي الذي لا يقوم على إصدار الأحكام فيما يتعلق بالشؤون الخارجية، إلا أن هذا قد يضعها على مسار تصادمي، سيكون عليها فيه أن تختار بين علاقتها الاستراتيجية الحيوية مع الولايات المتحدة وبين النفط الفنزويلي. توقع منها أن تفعل أي شيء في وسعها لتجنب مواجهة مثل هذا الخيار.