ما لا يستطيعه الوزير..!
جميع الوزراء يواجهون تحديا كبيرا يتمثل في ثقافة متجذرة في المجتمع في أن الوزير يستطيع عمل كل شيء وأنه بمجرد خطة قلم أو محادثة هاتفية أن ينهي جميع المشكلات وأن يقدم كل ما يتمناه الناس ويتطلعون إليه! هذا التفكير غير الواقعي غير المنطقي منبعه التصور الضيق لدور الحكومة في المجتمع من حيث إنه علاقة باتجاه واحد من المانح إلى المستفيدين. وأصبح الناس يتوقعون أن تفعل لهم كل شيء وأنها مسؤولة عن رعايتهم دون تحمل أدنى مسؤولية تجاه القضايا العامة. هذه الثقافة تكونت عبر فترة زمنية طويلة من المركزية الإدارية الشديدة والاعتماد الكبير على البيروقراطيات العامة الكبيرة في عملية صنع القرار العام بما في ذلك التنفيذية والتشريعية. ولأن كانت هذه البيروقراطيات المركزية قد حققت إنجازات تنموية واستطاعت نقل المجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر بعدما كان يفتقد أدنى أساسيات المدنية فإن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسكاني والثقافي يحتم البحث عن آليات جديدة للتعامل مع الشأن العام, وأهمها التحول نحو اللامركزية ومنح المحليات والمناطق الاستقلال المالي والإداري لإدارة شؤونها وتحمل مسؤولية تحقيق مصالح السكان المحليين والتنمية المحلية. تدخل الوزارات المركزية في كل صغيرة وكبيرة في شؤون المناطق والمدن, أمر لم يعد ممكنا على الإطلاق، فالمجتمع يشهد تحولات كبيرة ومستجدات كثيرة وأهم من ذلك تعقد القضايا المحلية وتعددها وتنوعها وارتفاع مستوى الوعي السياسي والاقتصادي للمجتمعات المحلية ما يتطلب هيئات محلية تدير الشأن المحلي.
لقد أصبح سقف توقعات المجتمعات المحلية عاليا والتطلع إلى خدمات تنسجم مع احتياجاتهم كما ونوعا وتنمية الاقتصاد المحلي ومعالجة المشكلات المحلية مثل البطالة والفقر والجريمة أمرا حتميا. لم يعد بإمكان الخدمات العامة وهي تُحدد مركزيا من بعيد ملاحقة التغيرات السريعة التي تكتنف المجتمعات الحضرية واحتواءها, فعدد السكان تزايد بمعدلات تفوق معدل تقديم الخدمات وأصبح هناك إدراك ووعي ورغبة من قبل سكان المدن في المشاركة في عملية صنع القرارات التي تهمهم وتؤثر في حياتهم اليومية ومستقبل مدنهم ومناطقهم. ومع هذا تغط البيروقراطيات العامة في سبات عميق مستمرة في النهج المركزي ذاته والرتابة الإجرائية والركود وكأن الأمور لم تتغير ولم تتبدل. وهنا يبرز السؤال: أليس من مسؤوليات الوزير تطوير التنظيم الإداري وإعادة هيكلته وصياغة أنظمة مالية جديدة أكثر كفاءة وحيوية؟! والجواب يكمن في أن البيروقراطيات ملزمة بنظم إدارية ومالية مركزية, هذا إضافة إلى أن لها تقاليد عتيقة يعتنقها منسوبوها خاصة أولئك المعمرين فيها فلا يستطيع الوزير القادم الجديد مهما بلغ من القوة وأوتي من فكر مستنير وحرص ورغبة في إحداث التغيير أن يزحزح هذه البيروقراطية المثقلة بثقافة الجمود والركود وأن يحرك الإجراءات الصدئة والموظفين الذين يعشقون العمل الروتيني ويكرهون التوقف ولو للحظة لمساءلة أنفسهم: كيف يمكن تطوير العمل وتقديم خدمة أفضل؟ هذا فضلا عن الضغوط الخارجية التي تحاصر الوزير من كل حدب وصوب لتزيد من معاناته وتشتت فكره وتلخبط أوراقة! والطامة الكبرى عندما تحدث كارثة طبيعية أو وباء فيفاجأ الوزير أن تعليماته لم تنفذ وأن خططه وسياساته ما كانت لتصل حتى أسماع معاونيه ولم لا والتقارير الورقية لا تعكس الواقع والمعاملات تذيل بعبارة "عمل اللازم حسب النظام" وغيرها من العبارات غير المنطقية أو منزوعة الفائدة والمعنى، والكل يعمل ولكن في حلقة مفرغة تذهب جهودهم هباء منثورا حينما تحين ساعة الحقيقة فيكون جعجعة دون طحن. هكذا يذهب وزير ويأتي آخر ولكن يبقى البيرقراطيون صامدين في مناصبهم لا يقدر عليهم إلا الزمن. هذا قدر كل وزير أن يعمل من خلال البيروقراطية الثابتة والمتخمة بالإجراءات الورقية ليعيش بين الحقيقة والخيال. حقيقة ثبات البيروقراطية وخيال أن يغيرها ليخوض صراعا مريرا وحربا ضروسا في محاولة ترويضها وهيهات له أن ينجح، فالتاريخ يقول إن الغلبة دائما تكون للبيروقراطيين بما يمتلكونه من مهارات التثبيط والتمطيط والتحنيط. هكذا يتوه الوزير في دهاليز البيروقراطية مرة بأن "البند لا يسمح" ومرة " ننتظر رد الجهات الأخرى" وإذا لم تفد لا هذه ولا تلك فيتم إعلان أن "المعاملة فقدت"! هل يجرؤ أحدهم قول ذلك؟! نعم بكل تأكيد ففي ثقافة البيروقراطية كل ما يعرقل العمل جائز!
ومع كل الصلاحيات التي يمتلكها الوزير ومكانة المنصب والبريق الإعلامي يظل عاجزا عن تحقيق طموحاته ورؤيته بل إن كل يوم يرى نفسه وقد التفت حوله خيوط البيروقراطية ليتحول داخل شرنقة مظلمة تحجز عنه معرفة ما يجري حوله. ولذا بعد مضي الوقت يجد أنه من حيث يدري أو لا يدري منصاع مستسلم يأنس ويستكين ويتشرب قيم البيروقراطية في محاولة للتوفيق بين قيمه المهنية والقيم البيروقراطية ولتضيق دائرة اهتماماته وتنحصر طموحاته ويختزل معايير النجاح داخل العمل الروتيني. فالحديث يصبح حول الإجراءات دون ربطها بالنتائج ويكون الهم الأول والأخير الحصول على الموارد في منافسة حادة مع البيروقراطيات الأخرى والفوز بأكبر حصة من الكعكة الاقتصادية أو خبر للاستهلاك الإعلامي فهذا مقياس النجاح البيروقراطي!
نجاح الوزراء سيكون محدودا وهم يقودون سفن البيروقراطية المهترئة دون أشرعة ومجاديف تقف دون حراك وسط بحر لجي من المتغيرات ودون مجالس نيابية توجههم وتسندهم. النجاح الحقيقي هو ليس في مشروع هنا أو هناك أو تميز في قطاع من القطاعات الاقتصادية وإنما في بناء اقتصاد ومجتمع المستقبل والمساهمة في نقل المجتمع برمته من مجتمع نام تقليدي إلى مجتمع صناعي متقدم يسهم في الحضارة العالمية. ما ينقصنا هو تركيز الجهود على تهيئة المناخ العام عبر نظم تقود نحو تحقيق التميز الجماعي وليس التميز الفردي. لكن ما زال الناس يطاردون الوزراء ويلحون عليهم في إطفاء الحرائق هنا وهناك ومعالجة الأزمات الآنية دون أن يضعوا اعتبارا للخطط المستقبلية. ما لا يستطيع الوزير عمله هو تغيير ثقافة البيروقراطية في جهاز الوزارة والمجتمع ما يعني أنه سيظل محصورا في نجاحات محدودة مهما بلغ من الهمة والرغبة والقدرة.