خفقة العتيبي. وحديث عن مستوى الخدمات الصحية!
في ضوء الأموال التي صرفتها الحكومة بسخاء على بناء المستشفيات وبناء الكوادر الطبية المميزة، فإن أقل ما يجب أن نصل إليه في مجال مستوى الخدمة الطبية.. هو أن نقف جنباً إلى جنب مع كثير من المستشفيات في أوروبا، تماماً كما وقفنا في عمليات فصل التوائم جنباً إلى جنب مع قليل من أكبر المستشفيات في العالم.
لقد صرفت الدولة بلايين البلايين من الريالات من أجل بناء صروح المستشفيات والمراكز الصحية في كل أنحاء المملكة وزودت المستشفيات بأحدث تكنولوجيا الطب وتعاقدت مع أكبر الكفاءات الطبية، كما صرفت الدولة بلايين البلايين من الريالات من أجل بناء صروح كليات الطب والتمريض في الجامعات السعودية.
ولم تبخل الحكومة على أبنائها فأرسلتهم في بعثات إلى أكبر مراكز وكليات الطب والتمريض في العالم المتقدم، وكان الهدف من كل هذا الصرف بسخاء هو أن تبلغ الخدمات الطبية السعودية أعلى مراتب المهارة الطبية شأننا في ذلك شأن أي دولة وأي مجتمع يتطلع إلى التقدم.
ونحن لا ننكر أن الخدمات الصحية والطبية ـ نتيجة لهذا الاهتمام الوافر من الحكومة ـ تحسنت إلى حد كبير، بل أصبحت مستشفياتنا مقصداً لكثير من أبناء الدول الخليجية والعربية.
ولكن في الأسبوع الماضي قرأت خبراً أزعجني جداً وأزعج جميع الإعلاميين في كل أنحاء المملكة، وفحوى الخبر أن الزميل العزيز الإعلامي اللامع سعد عباس العتيبي اكتشف ورماً خبيثاً في أسفل الرئة اليسرى وأن المرض اللعين وصل إلى أطراف الغدد اللمفاوية مما يشكل خطراً داهماً على صحته.
ونحن نؤكد أن عامل الوقت في مثل هذه الحالات مهم جداً، ولذلك كان يجب أن يبدأ الزميل العزيز ـ شفاه الله وعافاه ـ العلاج فوراً وبسرعة في المستشفيات السعودية التي بنتها الدولة وعمّرتها بالغالي من الأموال، بل كنت أتمنى أن تكون الأيدي التي تتقدم لعلاج هذا المبدع الإعلامي هي أيدٍ سعودية ناعمة ومخلصة وذكية، ولكن هذا لا يعني أننا نتوقف عن إنهاء إجراءات سفره إلى الخارج لاستكمال العلاج، بل يجب أن نسرع الخطى حتى يمن الله ـ سبحانه وتعالى ـ عليه بالصحة والعافية في أسرع وقت ممكن.
ولكن قضية حرص المواطن على السفر إلى الخارج في مثل هذه الحالات يطرح على بساط البحث والمناقشة إشكالية مستوى الخدمات الطبية داخل المملكة.
لقد دفعنا أموالاً طائلة على الصحة والتعليم الطبي، ولكن ـ مع ذلك ـ لم نجن كثيراً ثمار ما دفعناه وصرفناه.
إننا إذا أحصينا ما صرفناه على بناء المستشفيات وتجهيزاتها التكنولوجية النادرة، وأحصينا ما صرفناه على بناء العقول والكوادر في مجال الطب والتمريض، فإننا نجد أننا صرفنا كثيراً جداً ولكن ـ للأسف ـ لم نبن مستوى عالياً من الخدمات الطبية والرعاية الصحية.
وأنا هنا أطرح سؤال اللحظة: لماذا لم نكن على كفاءة عالية لعلاج مرض خبيث وشائع كالذي أصاب زميلنا وحبيبنا العتيبي ـ شفاه الله وعافاه؟
إذا كانت القضية قضية نفسية، فإنني أتمنى على الزميل العزيز أن يستمر في العلاج في مستشفيات المملكة ولا ينتظر حتى تأتيه الموافقات، وإذا جاءته الموافقات فلا بأس من السفر تطييباً للحالة النفسية التي يمر بها، لأن قواعد علاج مثل هذه الحالات باتت معروفة هنا أو هناك، وأذكر أن صديقاً أصابه ما أصاب عزيزنا العتيبي ـ أجارنا الله ـ جميعاً، وكانت إمكانياته المالية وافرة، ولذلك استطاع أن يركب أول طائرة إلى باريس، وذهب إلى الطبيب نفسه والمستشفى ذاتها، وبعد أن فحصه الطبيب وأجرى له كل التحاليل والفحوص اللازمة كتب للصديق خريطة الطريق حتى يبرأ من المرض العضال. واهتماما من الطبيب بمريضه وقف الطبيب على ساقيه وهو يكلم مريضه، ثم خرج من مكتبه ومسك بيد المريض، وقال له: أنا أنصح أن تأخذ هذا العلاج في مملكتكم الفتية، وأنا أعرف أن فيها كفاءات طبية لا تقل مستوى عن الكفاءات الموجودة في أوروبا بأسرها، وأتمنى أن تكون في حضنها وبين يدي أبنائها، ولا بأس أن تراجعنا مرة أو مرتين في السنة لنقف معا على حالتك.
هذا التوجيه من دكتور عالمي لم يكن نصيحة طبية، بل كان حقيقة علمية، ولذلك دعونا نغتنمها فرصة ونطرح سؤالاً على الدكتور عبد الله الربيعة وزير الصحة: لماذا لا يوجد لدينا عشرات مثل الدكتور الربيعة في تخصصات الأورام والقلب والمخ والأعصاب والعظام والعيون، ولماذا وهو الوزير على الصحة لا يضع برنامجاً صارماً لبناء الكفاءات النادرة في التخصصات كافة، ولماذا لا يجعل معاليه من العلاج في المملكة مورداً اقتصاديا ننمي من خلاله موارد الدولة، فبريطانيا وألمانيا وأمريكا تدعم مواردها المالية بالمال الوفير الآتي من التطبيب والعلاج، ونحن والحمد لله لا ينقصنا الذكاء، ولا تنقصنا الفطنة، ولا ينقصنا الإخلاص، ولم تعد تنقصنا التكنولوجيا، ولا تنقصنا دور العلم، ولكن ما ينقصنا هو التخطيط والهمة والإرادة، فهل يكون الدكتور عبد الله الربيعة صاحب التخطيط والهمة والإرادة تماماً كما كان صاحب أكبر مدرسة في عمليات فصل التوائم في العالم؟ أتمنى مخلصاً أن يكون كذلك!