مجلس فلسطيني

مجلس فلسطيني

كانوا جميعهم هناك: موظفو الحزب من رام الله، المركز الإداري للضفة الغربية، في بذلاتهم البرّاقة؛ وزعماء المحافظات من المناطق الشمالية الرملية للضفة الغربية؛ والسفراء من جميع أنحاء العالم؛ والنشطاء الشعبيون؛ ورجال الأعمال المحليون، الذين يدخنون السيجار. وكانت بعض النساء يرتدين اللباس التقليدي وحجاب الرأس؛ وكان معظمهن يرتدين ملابس غربية دون تغطية شعرهن. ولكن كان هناك شيء واحد مشترك بين الجميع: ارتدوا جميعهم حول أعناقهم وشاحا باللونين الأسود والأبيض الخاص بفتح، الحركة الفلسطينية التي تم تأسيسها عام 1965، والتي تناضل منذ وقت طويل لإقامة دولة مستقلة في الأرض التي لا تزال تحت سيطرة إسرائيل.
وفي الرابع من آب (أغسطس)، اجتمع أكثر من 2.000 مندوب في بيت لحم في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل لحضور سادس وأكبر مؤتمر في تاريخ الحركة وأول مؤتمر لها على الأراضي الفلسطينية. وآخر مرة تم فيها عقد «الجمعية العمومية» كانت قبل 20 عاما، في المنفى في تونس. وكانت المهام الرئيسية للاجتماع الذي دام ثلاثة أيام هي انتخاب لجنة مركزية جديدة (المؤلفة حتى الآن من 21 شخصا) ومجلس ثوري جديد مؤلف من 120 عضوا، وكذلك الاتفاق على برنامج جديد. وافتتح زعيم فتح، محمود عباس (الذي يعرف أيضا بأبو مازن) الحدث بخطاب غير متناسق. وهو يترأس السلطة الفلسطينية التي تدير الأجزاء التي لا تزال حماس تسيطر عليها، بعد أن فقد الحزب السيطرة على قطاع غزة لصالح الإسلاميين في حماس عام 2007.
واجتذب الاجتماع مئات المنفيين الذين كرسوا حياتهم لمحاربة إسرائيل من لبنان وسورية ودول عربية أخرى. وقد عادوا إلى الأرض التي تغيرت كثيرا خلال العقود منذ مغادرتهم. ولم يطأ بعضهم الأراضي الفلسطينية. وكان قرار إسرائيل بالسماح للمنفيين بالدخول، الذين شارك الكثير منهم في هجمات على الدولة اليهودية، بادرة تهدف إلى تعزيز عباس وسياسته السلمية. إلا أن منافسة «فتح»، وهي «حماس»، حاولت عرقلة المؤتمر عن طريق منع مئات المشاركين المحتملين من مغادرة غزة.
وحقيقة عقد المؤتمر في المقام الأول تعتبر انتصارا لـ «فتح» ولعباس. وكان عليهم التغلب على اعتراضات الكثير من «الخارجيين» من الشتات الذين اعترضوا على عقد المؤتمر على أراض محتلة. وفي آخر اجتماع عام 1989، حدد المنفيون الاتجاهات. ولكنهم كانوا أقلية هذه المرة.
إلا أن المؤتمر جاء في وقت سيئ بالنسبة للحركة القومية ككل. فـ «فتح» عالقة في صراع مرير على السلطة مع «حماس» وهي منقسمة بحد ذاتها. وخلال الفترة التي سبقت المؤتمر، اتهم فاروق القدومي، الذي يدير الدائرة السياسية في تونس لمنظمة التحرير الفلسطينية، مظلة الحركة الوطنية، منافسه، عباس، وأحد قادة فتح، محمد دحلان، بالتورط في مؤامرة لقتل زعيم «فتح» الذي ترأسها لفترة طويلة، ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004. ولا تزال الشائعات المقلقة بالسلوكيات الشائنة مستمرة داخل «فتح»، مع أنه لم يتم إثباتها أبدا.
وقال كثير من المندوبين إن الهدف الرئيسي للمؤتمر هو الوحدة. وكان غيرهم يأمل «تقوية الحركة»، و»إدخال دماء جديدة»، و»انتخاب قيادة جديدة أصغر سنا»، و»تحديد الاستراتيجية وتقرير الاتجاه». ولا شك أنها كانت فرصة نادرة لتحريك الأمور. فقد تراجعت شعبية «فتح» منذ أن أدت اتفاقات أوسلو، التي تم توقيعها عام 1993، إلى إنشاء السلطة الفلسطينية ولكنها فشلت في إقامة دولة مستقلة فعليا. وفي كانون الثاني (يناير) 2006، كان السبب في خسارة «فتح» أمام «حماس» في الانتخابات العامة هو الاستياء من فساد القادة وإساءة استخدام السلطة. وبعد عام ونصف من ذلك، فقدت «فتح» السيطرة على نحو 1.5 مليون فلسطيني حين طردتها «حماس» بالقوة من غزة.
وهناك حاجة ملحة للإصلاح منذ وفاة عرفات. إلا أن «فتح» لم تبذل جهودا كافية لتغيير التصور العام بأن قادتها فاسدون وأن المنظمة راكدة. وأعاق عباس وحلفاؤه الجيل الأصغر سنا. وتعاني فتح أيضا، الممزقة جراء صراعات القوى الداخلية، من أزمة هوية. فالحركة، التي كانت في السابق حركة تحرير عازمة على استعادة فلسطين بالقوة، أصبحت حزبا سياسيا على استعداد للتسوية مع إسرائيل حول قضايا حساسة مثل حق اللاجئين الفلسطينيين المعلن بالعودة ومسألة القدس، التي تعتبرها إسرائيل والفلسطينيون عاصمة لهم. إلا أن الكثير من رجال «فتح» لا يزالون يتوقون للثورة، وإلى أيام المجد (وإن كانت أسطورية غالبا) تحت قيادة عرفات.
ومثل هذه الآراء المتضاربة واضحة. ويقول عصام صالح من جنين، المعروفة بمقاتليها الشرسين: لا أؤمن بالمفاوضات. فهي لم تسفر عن أي نتيجة. وعلينا العودة إلى الأسلحة وإلقاء الحجارة». ويختلف معه في الرأي سفير فلسطين في اليابان، وليد صيام، حيث يقول: إن للمقاومة أشكالا وألوانا كثيرة. وأحدها هو التنمية الاقتصادية، التي أعتقد أنها الطريقة الوحيدة».
ولم يحضر مروان البرغوثي، وهو شخصية بارزة في «فتح»، المؤتمر، لأنه يقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد في سجن إسرائيلي. ويتوقع أن يحصل على معظم الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية؛ وإذا تم إطلاق سراحه في عملية تبادل أسرى تمت مناقشتها كثيرا، قد ينافس عباس على القيادة. وقد تكون فرصته أفضل في تقريب «فتح» و»حماس» معا، وربما ضخ المزيد من الطاقة في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية.
وفي الوقت الذي تم فيه إرسال الإيكونوميست للنشر، كان من المفترض أن يتم الاتفاق على وثيقة نهائية. وفي اجتماع عام 1989، كان «الكفاح المسلّح» ضد إسرائيل يعد الطريقة الوحيدة «لتحرير فلسطين». وهذه المرة، سيلزم الإعلان الجديد الفلسطينيين بالتفاوض ولكنه سيبقى على الكفاح المسلّح باعتباره «حقا» إذا فشلت المحادثات. ويقول عباس إن «المقاومة مشروعة بموجب القانون الدولي». وكان بعض المندوبين يريدون إلغاء أي تلميح يشير إلى تأييد العنف، إلا أن آخرين قالوا إن «فتح» ستخسر المزيد من الدعم إذا بدت أنها تعيد التفاوض أنها في وجه القوة الإسرائيلية. ولا يريد كثير من الفلسطينيين، المذهولين من الهجوم الشرس على غزة قبل ثمانية أشهر، تقديم وعود بعدم العودة للقتال أبدا.

الأكثر قراءة