دلائل على الانفراج الاقتصادي

دلائل على الانفراج الاقتصادي

حين زار باراك أوباما مدينة Elkhart في إنديانا، في مطلع شباط (فبراير)، بعد عدة أسابيع من توليه المنصب، كان الوضع كئيبا. فخلال الـ 12 شهرا الماضية، كان معدل البطالة في المنطقة قد زاد أكثر من ثلاثة أضعاف ليصل إلى 18.3 في المائة. وناشد الرئيس إقرار رزمة حوافز مالية كبيرة، مصرا على أن «عدم فعل شيء لم يعد خيارا». وحين عاد إلى Elkhart في الخامس من آب (أغسطس)، كان أكثر تفاؤلا بقليل. فقد أعلن أن المصانع المحلية «بدأت بالعودة إلى الحياة». وكان قد أعلن قبل عدة أيام أن أداء الاقتصاد «أفضل بصورة ملموسة» من المتوقع.
ويستند تفاؤل أوباما على أسس قوية: يبدو أن الركود في أمريكا وصل إلى نهايته. وفي الـ 31 من تموز (يوليو)، أبلغت الحكومة أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تقلص في الربع الثاني، ولكن بمعدل سنوي يبلغ 1 في المائة فقط. ويعكس معظم هذا الانخفاض تصميم الشركات على إبقاء المصانع والعمال في حالة ركود وتلبية طلبات الشراء الجديدة من المخزون الموجود. وقد تم استنزاف المخزونات بصورة هائلة بحيث إنه لا بد من استئناف الإنتاج قريبا.
وأدت مجموعات البيانات المتوافرة لشهر تموز (يوليو) إلى رفع التوقعات بأن الناتج المحلي الإجمالي سيرتفع في الربع الحالي بنسبة تصل إلى 3 في المائة. وارتفع أحد مؤشرات النشاط التصنيعي إلى أعلى مستوياته منذ آب (أغسطس) الماضي، وأبلغت شركات التصنيع أن الطلبات الجديدة تزيد بصورة سريعة، بأكبر زيادة منذ عامين. وقفزت مبيعات السيارات 15 في المائة لتصل إلى 11.2 مليون على أساس سنوي، وبدأت شركات التصنيع بتكثيف الإنتاج. وارتفعت مبيعات المنازل القائمة. وحصلت حتى Elkhart المتضررة على بعض الأخبار الجيدة: في الرابع من آب (أغسطس) قالت شركة Dometic، التي تزود قطع غيار السيارات الترفيهية، إنها ستضيف بمساعدة الحوافز المحلية 240 وظيفة إلى فرعها في البلدة.
وعلى الفور، عزا أوباما ومساعدوه الفضل في هذا الانتعاش إلى رزمة الحوافز المالية البالغة 787 مليار دولار. ولكن في الواقع، فإن مساهمة الحوافز في هذا متواضعة نسبيا حتى الآن. والأهم من ذلك هو حقن رأس المال العام والقروض وضمانات القروض في النظام المالي في الخريف الماضي، واختبارات مدى تحمّل البنوك في الربيع. فقد منعت هذه نشوء دوامة من انخفاض أسعار الأصول وسحب الائتمان وفشل البنوك التي هددت بتحويل الركود إلى كساد.
وأحد الأخبار الأكثر تشجيعا هو أن مؤشر S&P/Case-Shiller لأسعار المنازل الذي يشمل 20 مدينة انخفض بنسبة 0.2 في المائة فقط بين نيسان (أبريل) وأيار (مايو)، وهو أقل انخفاض منذ عامين. ومن شأن استقرار أسعار المنازل تحقيق العجائب في مجال الحد من التخلف عن سداد القروض ودعم ميزانيات البنوك واستعادة تدفق الائتمان.
وعلى الرغم من هذه الأخبار السارة، إلا أن مستويات تأييد أوباما بدأت بالانخفاض. ويعود هذا جزئيا إلى كون المؤشر الاقتصادي الأكثر أهمية، أي البطالة، مرتفعا، وبصورة تثير الدهشة. البطالة عادة تستجيب للنمو الاقتصادي في علاقة أدركها الاقتصادي Arthur Okun في الستينيات. ولكنها ارتفعت بصورة أكبر خلال هذا الركود مما قد توحي أي من معادلات قانون Okun.
وتفسّر عمليات تنقيح بيانات الناتج المحلي الإجمالي السابقة، التي تم نشرها الأسبوع قبل الماضي، بعض هذا التباين. فعمليات التنقيح تظهر أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بصورة تراكمية 3.7 في المائة منذ نهاية عام 2007، ما يجعله أعمق ركود منذ فترة الكساد العظيم (قبل عمليات التنقيح، كان قد تبين أن الانخفاض يبلغ 2.5 في المائة). ومع ذلك، يقول Michael Feroli، الاقتصادي في JPMorgan Chase، إن قانون Okun كان سيتنبأ بمعدل بطالة يبلغ 8.6 في المائة فقط خلال الربع الثاني، في حين أن المعدل الفعلي يبلغ 9.3 في المائة.
وهناك عدة عوامل تؤثر في ذلك. فالاستحقاقات الأكبر للتأمين ضد البطالة تشجع بعض العمّال على مواصلة البحث عن عمل بدلا من الانسحاب من قوة العمل تماما، مما يضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى معدل البطالة، وذلك وفقا لمجلس الاحتياط الفيدرالي. وربما يكون ضياع ثروات الناس قد دفعهم إلى البحث عن عمل بدلا من التقاعد أو البقاء في المنزل مع الأطفال.
وقد كانت الشركات سريعة على نحو غير معتاد في تخفيض الرواتب. وربما تكون بعضها تقتصد بصورة أكبر في الإنفاق بسبب الأزمة الائتمانية. وربما تكون أخرى أكثر تشاؤما بشأن مسألة الانتعاش في النهاية. وأيا كان السبب، فإن إحدى نتائج ذلك هو زيادة الإنتاجية مما يدعم هوامش الأرباح. ويقول Robert Hall من جامعة ستانفورد، الذي يترأس اللجنة الأكاديمية التي تسجل مواعيد الركود، إن Okun ابتكر قانونه في حقبة كانت فيها الإنتاجية تنخفض عادة مع الركود: «حين ترتفع الإنتاجية، يفشل القانون. وعلى الرغم من أنني من كبار المعجبين بـ Okun، إلا أنني أخشى أن قانونه قد عفا عليه الزمن».
والاختلاف مقارنة بأوروبا مذهل بصورة خاصة. ففي منطقة اليورو، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بصورة أكبر من أمريكا إلا أن معدل البطالة ارتفع بشكل أقل. كما إن أصحاب العمل لا يسارعون إلى طرد العمال مثلما هو الحال في أمريكا، ويعود ذلك جزئيا إلى الإعانات الحكومية التي تشجعهم على تقليل ساعات العمل بدلا من ذلك. وهذا يعني أن معدل البطالة الأوروبي سينخفض بشكل بطيء حالما يرتفع الناتج المحلي الإجمالي.
ولكن يبدو أنه سينخفض بصورة بطيئة في أمريكا أيضا. فمن غير المرجح أن تعين الشركات الكثير من الموظفين إلى أن يصبح النمو دائما، ولا يبدو كذلك حتى الآن. وسيكون تجديد المخزون دفعة مؤقتة دون زيادة في الطلب الاستهلاكي. ومبيعات السيارات قوية، والسبب الرئيسي هو البرنامج الفيدرالي لدفع المال مقابل السيارات القديمة، الذي يسمح للأمريكيين بالحصول على 4500 دولار لسياراتهم القديمة حين يستبدلونها بسيارات جديدة. وكان من المفترض أن يستمر البرنامج حتى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، إلا أنه تم إنفاق المال المخصص له والبالغ مليار دولار في غضون أيام من بدايته في الرابع والعشرين من تموز (يوليو). وقد صوّت مجلس النواب على منحه ملياري دولار أخرى، وكان من المتوقع أن يصوّت أيضا مجلس الشيوخ في منتصف الأسبوع. ولكن السيارات التي يتم شراؤها الآن قد تعني شراء سيارات أقل في وقت لاحق.
وإذا تضاءل النمو مرة أخرى هذا العام، سيحبط التوقعات التي بذل أوباما جهدا كبيرا لرفعها عن طريق الترويج للحوافز. وعمدة Elkhart، وهو Dick Moore، متحمس جدا بشأن الدعم الفيدرالي. وعلى الرغم من أن الرئيس وعد بمنح 39 مليون دولار لوحدة محلية في Navistar لصنع شاحنات كهربائية، إلا أنه سيمر وقت طويل قبل أن تزيد الشركة الإنتاج وتوظف العمال. ومن ناحية أخرى، تم إغراق Dorinda Heiden-Guss، رئيسة مجموعة التنمية الاقتصادية في المقاطعة، بوابل من الطلبات من الشركات التي تريد الحصول على الحوافز. إلا أن الكثير منها تقدم الطلبات دون أن يكون لديها أي شيء شبيه بخطة عمل.
وهناك تحذير آخر: جميع الأرقام قابلة للتنقيح، ربما بعد سنوات. فحتى فترة الكساد العظيم تزداد سوءا. ووفقا لأحدث عمليات التنقيح، انخفض الناتج المحلي الإجمالي 26.7 في المائة بين الأعوام 1929 و1933: كان الرقم قبل التنقيح 26.6 في المائة. وقد يتم تنقيح دلائل على الانفراج الحالية أيضا.

الأكثر قراءة