مرحلة حاسمة

مرحلة حاسمة

إذا كانت استطلاعات الرأي موثوقة، فإن باراك أوباما الآن، بعد ستة أشهر من رئاسته، ليس أكثر شعبية من جورج بوش أو ريتشارد نيكسون في المرحلة نفسها من رئاستهم. فمعدلات تأييده في تراجع، وتتراجع كثيرا بصفة خاصة بين الناخبين المستقلين المهمين على الصعيد الانتخابي، حيث تعتقد نسبة الثلثين منهم أنه يريد إنفاق الكثير جدا من أموالهم. فهو يعاني صعوبة في الوفاء باثنين من وعوده الانتخابية - إصلاح الرعاية الصحية وإنتاج نظام للاتجار بالانبعاثات ووضع حد أعلى لها للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. وبدأ يتشكل انطباع في واشنطن أن الرئاسة على استعداد تام لتسليم اتجاه السياسة الداخلية للكونجرس؛ وأنها تنحرف إما بصورة متعمدة أم لا نحو اليسار؛ وأنها أكثر ميلا للرؤى الفوقية المتعالية من ميلها للتفاصيل. وخلال حملته الانتخابية، أظهر أوباما قدرة رائعة على تغيير اتجاهاته، وعليه أن يفعل هذا مرة أخرى هذا الصيف.
وقضيته ليست ميؤوسا منها على الإطلاق. وتماما مثلما كانت أرقام الاستطلاعات الأولى له متفائلة بشكل مضلل، يجب أن يتم وضع مشكلاته الآن في سياقها. والواضح أنه بعد ما يقرب من 200 يوم على توليه المنصب، تجنب ارتكاب أي أخطاء مروعة، خاصة في السياسة الاقتصادية المشحونة بالمخاطر. أما فيما يتعلق بالمسألة المهمة المتمثلة باستعادة سمعة أمريكا ومكانتها في العالم، فقد وفى إلى حد ما بما وعد به (مع أنه حتى في هذا المجال لا تزال الأوقات الصعبة الحالية تتفوق عليه، كما يوضح زعيمنا التالي). فعليه أن يواجه أسوأ ركود منذ نصف قرن. والغريب أن الصحافة أساءت إليه لأنها لم تنتقده بصورة بنّاءة، حيث لم تكن أمريكا الليبرالية مستعدة سوى لمناقشة العجائب التي يستطيع تحقيقها، في حين كانت إذاعات المحافظين تستضيف نقاشات حول وقت تحوله إلى الشيوعية. وبالطبع يتم انتقاد الحكومة بشدة: حتى حين يتم اتخاذ القرار الصحيح - إغلاق معتقل جوانتانامو مثلا - قد يستغرق الأمر سنوات عديدة ليدخل حيز التنفيذ. وبالتالي، فإن قصور أداء أوباما نسبي وجزئي؛ ولكنه خطير، خاصة في مجال السياسة الداخلية. وإذا لم تثمر مخططاته في الداخل، ستتضاءل مصداقيته في الخارج. وهذا ما يجعل الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة.

الاهتمام بصورة كبيرة بخطة هيلاري للرعاية الصحية
في مجال السياسة الخارجية، يتمتع أي رئيس أمريكي بحرية كبيرة جدا في العمل. أما في الداخل، فإن الرئيس الذي يحتل المكتب البيضاوي مقيد بشكل هائل من قبل الكونجرس. فالمزيج الذكي من لي الذراع، والتسوية، والخطابة، والاهتمام بالتفاصيل هو ما يشكل الفرق بين فرانكلين روزفلت وجيمي كارتر. ففي وقت ذروته، كان يتم باستمرار مقارنة أوباما بروزفلت. ولكن لم يعد الأمر كذلك.
وتسود الشكوك بأن الرئيس متأثر بصورة كبيرة بتجربة بيل كلينتون. وكانت الرئاسة الديمقراطية السابقة قد بدأت بداية متعثرة لعدة أسباب، إلا أن محاولته الفاشلة لفرض إصلاحات الرعاية الصحية على الكونجرس عام 1993 - 1994 هي الأخطر. وتعيين هيلاري كلينتون مسؤولة عن قوة عمل سرية وغير منظمة في محاولة لتقديم أعضاء من مجلس الشيوخ لديهم خطة رئيسية جاء بنتائج عكسية. فقد رفضها الكونجرس فورا- وخسر كلينتون كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ لصالح الجمهوريين عام 1994.ومن الواضح أنه لا ينبغي على الرئيس تجاهل الكونجرس. إلا أن أوباما انحرف إلى أقصى الطرف المعاكس. فعلى الرغم من أن البيت الأبيض مليء بخبراء السياسة الممتازين، إلا أنه أسند تكرارا بصورة غير مباشرة القرارات المهمة - مشروع قانون الحوافز بقيمة 787 مليار دولار، نظام الاتجار ووضع حد أعلى للانبعاثات، الإصلاح الصحي - إلى القيادة الديمقراطية في الكونجرس. وكان دور أوباما يبدو أحيانا مقتصرا على استخدام مهارته الخطابية لإقناع الناس بأي شيء يقترحه الكونجرس، حتى قبل أن تتضح ماهية تلك الاقتراحات بالضبط.

لم يصوّت أحد للرئيسة بيلوسي
والأسوأ من ذلك هو أن الخطط دائما كانت تتجنب القرارات الصعبة. وفيما يتعلق بمشروع قانون الحوافز، كانت العيوب مبررة: كان هناك ضرورة ملحة لتعزيز الاقتصاد. إلا أن مجلس النواب أصدر قانونا حمائيا ومليئا بالإعفاءات للاتجار والحد من الانبعاثات، ويعطي تصاريح يفترض بها إجبار الدول التي تصدر انبعاثات الكربون على تغيير أساليبها. وهناك خطر كبير من ألا يتم إقرار مشروع القانون من قبل مجلس الشيوخ والتوفيق بينه وبين نسخة مجلس النواب من القانون حين يحين وقت قمة كوبنهاجن حول التغير المناخي في كانون الأول (ديسمبر).
وفيما يتعلق بالرعاية الصحية، أدى تفضيل أوباما إصدار البيانات المبهمة حول المبادئ بدلا من توضيح المواصفات التفصيلية إلى طرح اقتراح من قبل مجلس النواب يزيد الضرائب على الأغنياء، ويضع مخطط تأمين مدار من قبل الدولة يخشى الكثيرون أن يؤدي إلى إفلاس القطاع الخاص، والذي فشل أيضا في احتواء، ناهيك عن عكس مسار، التكاليف المتزايدة للعلاج في حين أضاف متطلب باهظ بضرورة أن يحصل الجميع على تأمين صحي، مع إعانات ضخمة عند الحاجة. ولن يؤيد أي جمهوري هذا الاقتراح بصيغته الحالية. ويتم الآن بذل جهود محمومة من قبل مجلس الشيوخ لإنقاذ محاولات الإصلاح، ولكن من الغريب أن سياسة الرئيس الخاصة به يتم وضعها له من قبل مجموعة مكونة من ستة أعضاء في مجلس الشيوخ. ولم يتم أيضا تحقيق تقدم في التنظيم المالي.
وسياسة فرض مشاريع القوانين على الكونجرس على طول الخطوط الحزبية قد تناسب نانسي بيلوسي، الرئيسة الديمقراطية اليسارية لمجلس النواب. ولكنها من وجهة نظر أوباما سياسة سيئة من ناحيتين مختلفتين. فهي تؤدي إلى انحراف الرئاسة نحو اليسار، مما يزعج الناخبين من الوسط الذين يشعرون بالقلق من تزايد الدين الحكومي. وأيضا قد لا تؤدي إلى إقرار مشاريع القوانين. ويشعر الديمقراطيون المحافظون، الذين يمثل الكثير منهم الولايات والمقاطعات اليمينية التي تم انتزاعها أخيرا من الجمهوريين، بالقلق من دعم مشاريع القوانين دون تأييدها من قبل الحزبين. وقد اختلف أكثر من 40 منهم في الرأي في مجلس النواب فيما يتعلق بمشروع قانون التغير المناخي. وهناك احتمالية الآن أن يتم تأجيل إصلاح الرعاية الصحية، مثل مشروع قانون التغير المناخي، حتى الخريف، حين تزيد المخاوف بشأن العجز وحين يثير مشروعا القانون معا ذعر الناخبين.
ماذا ينبغي على أوباما أن يفعل؟ عليه أن يصبح واقعيا ويبدأ بالقيادة. ولعله من المفيد تذكير الديمقراطيين في مجلس النواب أن هامشهم الحالي من المقاعد البالغ 78 مقعدا يعود بالدرجة الأولى والأخيرة إلى انتخاب الرئيس؛ وهم يعرضون شعبيته للخطر. وعلى أوباما أيضا أن يتودد للجمهوريين من الوسط. وهذا يعني معالجة التفاصيل الجوهرية: لا يمكن توقع أن يحاول الجمهوريون إنقاذ رئاسة أوباما إلا إذا كانوا سيحصلون على شيء مهم في المقابل. على سبيل المثال، إحدى الوسائل لدفع تكاليف إدخال غير المشمولين بالتأمين الصحي إلى نظام الرعاية الصحية (أولوية مهمة للديمقراطيين) هي إلغاء التخفيضات الضريبية المشوهة التي تخفي التكلفة الحقيقية للتأمين الصحي، وهي السياسة التي تبناها جون ماكين العام الماضي. والرئيس الحقيقي ''لفترة ما بعد الحزبية'' هو الذي يحاول فرض تسويته بالقوة، لا أن يتحدث بصورة حالمة عن رغبته في شمل الجميع في الرعاية الصحية دون أن يتكبد أي أحد سوى الأغنياء التكلفة. وفيما يتعلق بالتفاصيل، فإن الحديث المحدد من قبل الرئيس عن الكيفية التي ينوي بها التعامل مع الدين الحكومة سيطمئن الكثير من المترددين من الوسط. ولا شيء من هذا مستحيل. والآمال تتزايد بأن تنتج لجنة التمويل في مجلس الشيوخ قريبا نسخة من مشروع قانون الرعاية الصحية يؤيدها الحزبان. ولكن يجب أن يتم التوفيق بين النسخة النهائية من مشروع القانون هذا مع نسخة مجلس النواب الأسوأ بكثير. وإذا كانت النتيجة مخطط آخر غير حاسم يزيد العجز ويتجنب اتخاذ القرارات الصعبة (مثل مشروع قانون Medicare الفاسد لجورج بوش)، فمن الرئيس الذي يود أن يتم تذكره وربطه بمثل هذا المخطط؟ ولا يزال أوباما شخصية ملهمة، ولكن عليه توسيخ يديه هذا الصيف إذا أراد أن ينقذ رئاسته التي بدأت بالانزلاق.

الأكثر قراءة