من القاع إلى القمة
في مطلع هذا العام، كانت اقتصادات آسيا تتراجع بسرعة مفزعة؛ ولكنها تنتعش الآن بقوة أكبر من المتوقع. وتخفي معدلات النمو على أساس سنوي هذا الانتعاش؛ ولرؤية نقطة التحول، انظر إلى التغييرات الفصلية. فمقارنة الربع الثاني بالربع الأول على أساس سنوي تظهر أن الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية زاد بنسبة تقارب 10 في المائة (مع أنه لا يزال أقل بنسبة 2.5 في المائة عن العام السابق)؛ وارتفع الناتج المحلي الإجمالي لسنغافورة بنسبة 20 في المائة (أقل بنسبة 3.7 في المائة مقارنة بالعام السابق). أما الصين فهي لا تنشر إحصاءات فصلية، إلا أن الاقتصاديين يعتقدون أن ناتجها المحلي الإجمالي زاد بنسبة 15 و17 في المائة على أساس سنوي.
ولم تنشر اقتصادات أخرى في المنطقة بعد إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي، ولكن من المرجح أيضا أن تظهر هي أيضا انتعاشا. وخلال الربع الثاني، قفز الإنتاج الصناعي لتايوان بنسبة سنوية 89 في المائة. وحتى اليابان أيضا قد تكون حققت نموا قويا في الناتج المحلي الإجمالي؛ فقد ارتفع إنتاجها الصناعي بنسبة سنوية تبلغ 38 في المائة. وفي المقابل، شهدت أمريكا وأوروبا تقلص اقتصاداتها خلال هذا الربع.
ومن المرجح أن تصبح معدلات النمو الفصلية معتدلة في النصف الثاني من هذا العام. فانتعاش سنغافورة مثلا يعود جزئيا إلى الزيادة الكبيرة في إنتاج الأدوية، التي تعرف بتقلبها. ومع ذلك، يسير انتعاش آسيا على المسار الصحيح. ويتوقع Peter Redward، وهو اقتصادي في باركليز كابيتال، أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي في آسيا النامية 5 في المائة تقريبا عام 2009 ككل. ومن جهة أخرى، من المحتمل أن تتقلص اقتصادات مجموعة السبعة بنسبة تقارب 3.5 في المائة هذا العام. وقد تكون فجوة النمو هذه البالغة 8.5 نقطة مئوية أكبر فجوة مسجلة.
وقبل ستة أشهر، كانت الاقتصادات الآسيوية من ضمن الاقتصادات الأكثر تضررا في العالم، حيث انخفضت الصادرات إلى العالم الغني. فكيف انتعشت في حين لا يزال الطلب في أمريكا وأوروبا ضعيفا؟ أحد أسباب ذلك هو أن انخفاض الناتج في أواخر 2008 ومطلع هذا العام تفاقم بسبب التصفية واسعة النطاق (كانت الشركات تعيش من إمداداتها القائمة). وبما أن المخزونات ضعيفة الآن، بدأت الطلبات في الارتفاع وبدأت المصانع في العمل ثانية. والأهم من ذلك هو أن الطلب المحلي انتعش بفضل رزمة الحوافز المالية التي تعتبر الأكبر من أي منطقة في العالم. وارتفع الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي في كوريا الجنوبية بمعدل سنوي يبلغ 14 في المائة في الربع الثاني، بفضل التخفيضات الضريبية على مشتريات السيارات ودعم العائلات ذات الدخل المنخفض. وارتفعت صادراتها أيضا، بمعدل سنوي يبلغ 53 في المائة، وأحد أسباب ذلك هو الطلب الصيني القوي.
ويقول المتشككون إنه لا يمكن للصين وحدها تحفيز الانتعاش الاقتصادي في جميع أنحاء المنطقة لأن جزءا كبيرا من صادرات آسيا إلى الصين عبارة عن سلع وسيطة يتم تجهيزها للتصدير إلى الدول المتقدمة. وتشير حسابات بنك التنمية الآسيوي إلى أن 60 في المائة من صادرات المنطقة تذهب في النهاية إلى العالم الغني. إلا أن هذا يتجاهل الدفعة القوية التي منحها الانتعاش في الصين لثقة الشركات والمستهلكين في جميع أنحاء المنطقة.
وإذا كانت الدول الغربية تزحف بصعوبة، ماذا سيحدث حين تتلاشى الحوافز المالية ويتم ملء المخزونات مرة أخرى في آسيا؟ يقول تقرير حديث من تأليف Frederic Neumann وRobert Prior-Wandesforde في بنك HSBC أن انتعاش آسيا سيستمر حتى العام المقبل، بفضل السياسات النقدية المتساهلة. وخلافا لما يحدث في أمريكا وأوروبا، حيث تقوض الأنظمة المصرفية المشلولة والديون المرتفعة تأثير أسعار الفائدة المنخفضة، فإن آسيا، خاصة الصين، تفيض بالسيولة، مما سيدعم الإنفاق المحلي فيها.
ولعل الخطر الرئيسي الذي يواجه آسيا النامية الآن ليس ضعف الطلب في الغرب بل التضخم أو فقاعات أسعار الأصول في الداخل. فقد رفع بنك الاحتياط الهندي توقعاته التضخمية لهذا العام إلى 5 في المائة، أي أعلى من المعدل المستهدف البالغ 3 في المائة. وأصدرت هيئة تنظيم البنوك في الصين أوامرها للبنوك بالالتزام بقواعد القروض العقارية وضمان أن يذهب الإقراض إلى الاقتصاد الحقيقي، وليس الأسهم. ولو فعل مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا هذا واهتم بصورة أكبر بالفقاعات، لما وقع العالم على الأرجح في مثل هذه الفوضى >