رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أين ذهب السعوديون؟!

قمت مع اثنين من الزملاء بجولة ترفيهية في الأجزاء القديمة في وسط مدينة الرياض، بالتحديد في المنطقة القريبة لتقاطع شارع الظهيرة مع شارع الخزان. وكانت جولة ممتعة استعدنا فيها ذكريات أيام الدراسة الجامعية عندما كانت جامعة الملك سعود تستقر في مبان متفرقة ما بين عليشة والناصرية والملز. وكلما سرنا خطوات قام أحدنا بتوجيه الأنظار ولفت الانتباه إلى مكان غريب أو منعطف له ذكرى في النفس.
لفت انتباه أحد الزملاء أمر غريب جدّاً. فأشار إلى المحال المتنوعة إلى يمين الشارع وشماله. وقال: إنها تخلو من العاملين السعوديين كلية. نعم، فمحال الملابس لا يعمل فيها سعودي واحد، ومحال العطارة لا يعمل فيها أي سعودي، ومحال الخضار لا يعمل فيها أي سعودي، وكذلك محال بيع أجهزة الاتصال، والبقالات وغيرها.
فسألت الزميلين: أين ذهب السعوديون الذين يعانون من البطالة؟ أليس بمقدورهم ممارسة هذه الأعمال التي تدر أرباحاً معقولة ولا تتطلب مهارات خاصة؟ فأجاب الأول: إن هذا الوضع الغريب يجعله يجزم بعدم وجود بطالة حقيقية بين المواطنين، وإلا فكيف لا يستفيدون من هذه الفرص؟ ولم يتمكن من إكمال حديثه، حتى صرخ الزميل الآخر مقاطعاً: إن هذه الفرص والأعمال ليست متاحة للشباب السعودي. فقلت له: كيف لا تكون متاحة؟ فقال: إن السعودي محارب في هذه المهن، ولا يلقى تعاوناً من تجار الجملة أو الموزعين الذين يضيّقون عليه الخناق حتى يترك العمل ويتخلى عن هذه المحال. ثم رفع صوته مضيفاً: إن المواطن لا يستطيع منافسة العمالة الوافدة من حيث ساعات العمل الطويلة، لارتباطاته الاجتماعية وأعبائه الأسرية.
حقاً إنه واقع يثير الاستغراب، فمع وجود هذه الأعمال والفرص الاستثمارية، يرتفع معدل البطالة لإجمالي القوى العاملة السعودية إلى نحو 10 في المائة، بل يرتفع المعدل إلى أكثر من ذلك بكثير بين الشباب دون سن الـ 30 عاما.
إذن ما الحلول؟ هل نعقد الآمال في ''استراتيجية التوظيف السعودية'' التي وافق عليها مجلس الوزراء الموقر الأسبوع الماضي لتوفير الحلول لهذه المشكلة العويصة؟ إن إنجاز استراتيجية طموحة كتلك يُعد إنجازاً يذكر، فتشكر على إنجازه وزارة العمل. ولكن العبرة في الخطة التنفيذية وآليات التطبيق. ولا شك أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب تضافر جهود جميع القطاعات والأطراف (العام، والخاص، والأهلي غير الربحي، والمواطن نفسه).
إن هناك حاجة ماسة لتعميق فكرة الاستثمار في أذهان الشباب، وتعليمهم كيفية بدء مشاريع صغيرة، إنهم في حاجة إلى استيعاب مفهوم الاستثمار ومتطلبات نجاح المشروعات الصغيرة. فهناك مهارات ضرورية لنجاح هذه المشروعات، مثل: مبادئ المحاسبة، والتسويق، وفن التعامل مع الزبائن، والأنظمة، وطرق الاستفادة من القروض الميسرة من بنك التسليف وصندوق المئوية ونحوهما.
لتمكين الشباب ينبغي أن تتجه المؤسسات الخيرية وغيرها إلى بناء القدرات والارتقاء بالإنسان، ومن خلال تسليحه بالمهارات الضرورية، ومساعدته في بدء المشاريع الصغيرة. وهناك بحمد الله جهود رائعة ومشاريع رائدة في هذا المجال، مثل: باب رزق جميل، وكذلك جهود بعض المؤسسات الخيرية، وفي مقدمتها مؤسسة الملك خالد الخيرية، التي تسعى إلى تشجيع العمل الخيري المؤسسي ودعم العمل التنموي الذي يحدث نقلة في حياة الناس.
ختاماً أرجو أن يكون في ''استراتيجية التوظيف السعودية'' الجديدة ما يعيد الأمور إلى نصابها، ويؤدي إلى تمكين الشباب من العمل وبدء المشاريع الصغيرة، لأن الوضع الحالي غير طبيعي ولا يمكن أن يستمر دون أضرار جسيمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي