السعودة.. من الكم إلى التميُّز

هناك البطالة وهناك توطين الوظائف أو سعودتها، ومن الخطأ الخلط بينهما! وأعتقد أن مشروع السعودة لن يكتب له النجاح إذا ما استمررنا في فهم أن القضاء على البطالة يأتي من خلال إحلال السعودة. إننا نظلم سعودة الوظائف باختزالها في عملية توظيف المواطن بدلا من الأجنبي اعتمادا فقط على عنصر الانتماء الوطني دون الكفاءة والإنتاجية والمهنية العالية والالتزام. دون هذه المعايير نروج لمفهوم خاطئ ونبعث برسالة مفادها يكفي أن تكون مواطنا لتكون موظفا! هذا الوضع يضع أكثر من علامة استفهام كبيرة وتساؤل حول ما المقصود من السعودة؟ هل هي مجرد توظيف عدد من المواطنين أم أنها تهيئة المواطن ليكون أكثر إسهاما في الإنتاج الوطني والتنمية الاقتصادية. ما نفتقده هو ثقافة العمل والتميز في الأداء والبحث عن الأفضل والأخلاقيات المهنية التي تجعل العامل المواطن مطلوبا ومفضلا على العامل الأجنبي. لكن كيف السبيل إلى ذلك والثقافة العامة في المجتمع تشجع أخذ الكثير بأقل القليل، فكثير من رجال الأعمال يبحثون عن الربح السريع والسهل وبالتالي ليس لديهم استعداد أن يدفعوا تكاليف تطوير الكفاءات الوطنية وما يتطلبه من الالتزام القانوني طويل المدى والصبر وطول النفس في بناء الخبرات الوطنية وتحمل هفواتها، والمهم الاستثمار في صناعات تحويلية أصيلة توفر وظائف ذات دخول عالية. في الوقت ذاته نجد أن الكثيرين من طالبي العمل لا يرغبون صعود السلم من درجاته الأولى وأن يصبروا ويصابروا ويثابروا ويتحملوا مشقة ساعات العمل الطويلة والراتب غير المجزي (في البداية) والعمل الميداني، وفي بعض الأحيان تحمل الرئيس الأجنبي الأقل كفاءة والأكثر عدائية.
أمر آخر يتعلق بالخلط بين البطالة والسعودة وهو نوعية الوظائف، فلا يكفي الحديث عن توفير الوظائف ولكن نوعيتها. الوظائف المطلوبة هي وظائف مولدات الدخل أي ذات الرواتب العالية. هناك مهن خدمية كثيرة يروج لها ضمن مشروع السعودة مثل الحلاقة والعمل في المطاعم وصناديق المحاسبة وقيادة سيارات الأجرة والبيع في سوق الخضار، ولكن هذه خدمات لا تضيف كثيرا للاقتصاد الوطني وإسهاماتها ضئيلة جدا، وأخشى أن نختزل السعودة في هذه المهن دون التطلع لوظائف أكثر حرفية ومسؤولية. السعودة في حقيقتها هي تطوير وتكبير للكعكة الاقتصادية لأنه ليس من العقل أن نتحدث عن حل مشكلة البطالة العمالية دون محاولة تنمية الاقتصاد الوطني ليتسع للجميع ويوفر الوظائف التي تؤدي إلى نموه بمعدل يتناسب مع معدلات النمو السكاني المطردة. ولذا هناك بطالة خفية يجب علينا معالجتها إذا ما أردنا معالجة البطالة العمالية وهي البطالة الرأسمالية الاستثمارية. ما أقصده هنا هو إعادة هيكلة الاقتصاد والتحول إلى صناعات أكثر تقنية وإنتاجية عما نحن عليه الآن من صناعات التعبئة والتجميع الاستهلاكية التي لا تتطلب مهارات عالية ورواتبها متدنية لا تجتذب الشباب ولا يمكن لومهم لأنهم يعيشون في اقتصاد ريعي ومستوى معيشي عال يجعلهم يطمحون للعيش بمستوى معيشة الآخرين نفسه. ولذا يحضرني هنا مقال كنت قد كتبته في ''الاقتصادية'' حول مواءمة سوق العمل لمخرجات الجامعات وليس العكس، ذلك أن خريجي الجامعات (على الأقل نظريا) مؤهلين أكاديميا ومهنيا بمستوى أكثر مما يتطلبه الهيكل الصناعي الاستهلاكي المتواضع، ولذا فإن ما يردده بعض رجال الأعمال في الدعوة إلى مواءمة الخريجين لسوق العمل هو في حقيقته تهرب من المسؤولية الوطنية والإبقاء على الحال ذاته من الاقتيات والتطفل على الاقتصاد الوطني بأسهل الطرق وأيسرها. هذا في ظني قصور في التفكير وتضييع للفرصة في أن تتوسع أعمالهم وتكبر مشاريعهم وتعظم عوائدهم ويتطور معهم الاقتصاد الوطني وتتهيأ فرص أكبر وأفضل للمواطنين الباحثين عن العمل. هكذا تدور عجلة الاقتصاد وينمو بإعادة الاستثمار داخل الاقتصاد الوطني لنصل إلى وضع يكون الجميع فيه رابحا.
الاستراتيجية التي أقرت من مجلس الوزراء هي فاتحة خير وأهدافها وطنية ونبيلة ولكن يلزم أن تكون داخل حزمة من السياسات الوطنية بما في ذلك سياسات توجيه الصناعة وإعادة هيكلتها وربط التعليم العام والمهني والجامعي بالشركات والمصانع بتحويلها إلى مؤسسات غير ربحية لها مجالس أمناء مستقلة ماليا وإداريا ووضع برنامج للمسار الوظيفي للعاملين في الشركات منذ اليوم الأول، حيث يضمن العامل وصاحب العمل عبر اتفاقية طويلة الأجل الالتزام القانوني والأخلاقي والمهني في تطوير العمل والعامل، والالتزام بما يحقق مصلحة الطرفين بناء على الإنتاجية ومستوى الربحية. التخطيط المهني بدءا من التعليم والتدريب مرورا بتقييم الأداء وانتهاء بالمكافآت وتوضيح التوقعات أهم خطوات في طريق تطوير السعودة وزيادة الطلب على الكفاءات السعودية حتى خارج الوطن. الهدف هنا هو خلق ثقافة جديدة مبنية على الإنتاجية لصاحب العمل والعامل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني إما فكريا وإما عضليا، فمن المفترض ألا نتوقف عند الجهد العضلي وإنما يكون هناك توجه نحو البحث عن حلول وإبداعات وابتكارات جديدة في الصناعات التحويلية التي تؤدي إلى تميز المنتج الوطني وتضعنا في مركز تنافسي أفضل. لقد حان الوقت لأن نفكر بشكل أوسع وأكبر وألا يقتصر تفكيرنا على معالجات سطحية آنية لقضية السعودة بالإحلال فقط، فهذه تجربة مررنا بها ولم تجد نفعا خاصة أنها ركزت على الوظائف غير المهارية ضئيلة الدخل. وحقيقة الأمر أن هناك خريجي جامعات ومعاهد لا يجدون وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم العالية بسبب أن الاقتصاد الوطني (القطاع الصناعي) لم يتطور بمعدل يتناسب مع تطور التعليم والتدريب كما ونوعا. الوظائف تحتاج إلى صناعات أكثر تطورا مثل صناعات ''سابك'' و''أرامكو السعودية'' وهي تجارب يمكن تكرارها في مجالات أخرى مثل تقنية الحاسب الآلي وصناعة السيارات والسياحة والتعليم الديني. التوجه هنا نحو بناء صناعات وليس مصانع، حيث تكون المصانع روافد لهذه الصناعات، وهذا يمثل فتحا كبيرا نحو تشجيع زيادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الموظِّف الأكبر للعمالة في كل اقتصادات العالم. الوضع القائم للصناعة يعتمد في أغلبيته على مصانع استهلاكية متشرذمة لا تقود إلى صناعة أصيلة تضيف للاقتصاد الوطني لتبقى ضعيفة دون توجه استراتيجي وطني.
السعودة تعني تأهيل عمالة وطنية متميزة وليس حشر المواطن في وظائف ضعيفة الدخل ومساحة ضيقة أو حتى معدومة للتطوير والإبداع ولا تتيح الفرصة للتقدم المهني. القضية ليست معالجة مشكلة فنية ولكن مشكلة وطنية تتعلق بإعادة تثقيف المجتمع وإعادة صياغة أسلوب عملية صنع القرارات العامة والتحول إلى اللامركزية ومنح المحليات القدرة على بناء اقتصادياتها المحلية والتصدي للتحديات والمشكلات والقضاء عليها في مهدها قبل أن تتحول إلى قضايا وطنية مثل البطالة والفقر والإسكان وغيرها، فأهل المدن أدرى بمشكلاتهم والأقدر على معالجتها. السعودة حالة ثقافية تشمل السياسة وقراراتها والاقتصاد وأنشطته والمجتمع وقيمه ويتحتم علينا مناقشتها على هذا المستوى بكل شفافية لنصل إلى مرادنا ونحقق طموحاتنا فنحن جميعا في السفينة نفسها نؤثر ونتأثر بما يجري حولنا، وهذه حقيقة السعودة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي