رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رسالة من السويد (5) ما يجمع السعودية والسويد وما يفرقهما

في الرسالة السابقة قدمت نزرا يسيرا من المعلومات عن المبادرة السويدية تجاه الإسلام ووعدت القارئ العزيز بأن أتناولها بإسهاب، ولكن قبل أن أدخل في تفاصيلها لنراجع معاً بعض المفاهيم التي أوردناها في الرسائل الأربع التي سأتخذها كمعيار نظري لما سأكتبه لاحقا.
ولأننا نتناول في هذه الرسائل أمورا حساسة ذات صلة مادية وروحية في آن واحد بعالمنا الخاص والعالم الذي حولنا، فلابد لنا من إطار ورصيف نظري يمكننا من الوقوف على أقدامنا.
وعالم اليوم ليس عالم البارحة، شئنا أم أبينا أصبحنا نحن المتشبعين بالحضارة العربية الإسلامية جزءا مما يسمىّ بـ «العولمة»، والعولمة، عزيزي القارئ، إن كرهتها أو أحببتها، صارت شرا أو خيرا لا بد منه، اعتمادا على جهة السياج الذي أنت عليه، والعولمة أو العصرنة ـ سمها ما شئت ـ دخلت بيوتنا من خلال التلفزيون والإنترنت، وقبل معظمنا أن يحملها على أكتافه، من منا لا يملك جهاز هاتف نقال؟ وإذا كنا ننتظر سابقا سنة أو سنتين لتبديله، صار البعض منا يبدله كل شهرين.
ولكن السؤال الذي يراود ذهن الغرب «المسيحي» بعصرنته وعولمته وعلمانيته يكمن فيما إذا كانت هناك مكانة للإسلام في هذا العالم الجديد. للأسف الشديد هناك من الفلاسفة والمستشرقين والعلماء الغربيين من يجيب بالنفي دون الاستناد إلى إطار أو رصيف نظري أو عملي، وسنأتي على ذكرهم وتفنيد آرائهم لاحقا.
أما نحن المتشبعين بالحضارة العربية الإسلامية فنقول بملء فمنا إن الإسلام كفكر ومنهج حياة له من المقومات ما يجعله حتى أكثر ملاءمة لعالم اليوم من أي من الأيديولوجيات السائدة.
وبإمكان المسلم المتنور الاعتماد على أقدس ما يملك، ألا وهو القرآن الكريم، كي يتحدث بلغة معاصرة تقارب قضايا عالم اليوم وتحدياته. الذين ينفون ذلك يؤسسون على نظرة ضيقة ويتجاهلون عن عمد المكامن الجدلية والمنطقية لدى الإسلام، أقول «مكامن» ليس لأنها غير واضحة، بل لأنه جرى ويجري طمرها من قبل الغرب «المسيحي»، وما يؤلم مختصين من أمثالي أن بعض المسلمين يساعد الغرب على ذلك.
ومرة أخرى قد يفكر القارئ العزيز مع ذاته قائلا «أين ستأخذنا بحديثك هذا وما علاقته بالموضوع»، لن آخذكم بعيدا، بل إلى أقرب شيء إلى قلوبكم، وهو القرآن، ولن أستخدم كلمات من عندي للبرهنة على ذلك بل أقتبس من تعليق السيد إبراهيم عيسى عقيلي على رسالتي السابقة الذي يؤكد فيه «قيمة الإيواء القرآنية التي تجعل العلاقة مبنية على .. المساواة العادلة» مع البشر.
لن أكرر ما قلته عن مفهوم الإيواء لدى الإسلام ومفهوم الاحتواء لدى الغرب «المسيحي»، على ما أظن جرى توضيحهما في الرسائل السابقة. الإيواء القرآني كمفهوم ومنهج مهمش في الكتابات الغربية المعنية بالشرق الإسلامي وكما قلنا معظم الدول الإسلامية بعيدة عنه. وألصقوا بالإسلام جزافا تهمة النظر إلى العالم والآخر من نافذة صغيرة في واحد من جدرانه الأربعة فقط، بينما العكس صحيح والأمثلة والبراهين على ذلك ليست صعبة المنال على الإطلاق، ولكن الطريق إلى التحدث بها بلغة العصر شاق ومنهك وفيه أحيانا الكثير من المجازفة لأسباب لا يتسع المجال لذكرها في هذه الرسالة.
ولأن الغرب «المسيحي» غادر مسيحيته وإيمانه بسبب النافذة الضيقة التي قبلت بفتحها الكنيسة في جدرانه الأربعة، يعتقد لا بل يعمل الكثيرون ما بوسعهم كي يوقعوا الإسلام في الشرك نفسه.
ولكن هؤلاء ينسون أن للإسلام أكثر من نافذة في جدرانه الأربعة وأن التاريخ القديم والحديث فيه من الأمثلة ما يسع صفحات موسوعة كاملة، وسنأتي على ذكر ذلك لاحقا. ولكن دعنا نستشهد اليوم بحدث لم تمض عليه ثلاث سنوات وذلك عندما أساء بابا روما الحالي إلى الإسلام ونبيه، ليس في نيتي على الإطلاق زيادة جرح المسلمين إيلاما ولكن كأكاديمي اسمحوا لي أن أحلل ذلك تحليلا علميا ونقديا. لأن الغرب «المسيحي» له في جدرانه الأربعة نافذة ضيقة واحدة، لم يسمح ذلك حتى لأكبر شخصية مسيحية أن تفتح نافذة أخرى كي تؤوي الإسلام ونبيه، ولأن القرآن فيه عدة نوافذ تؤوي من ضمن ما تؤوي الغرب ومسيحيته، ليس بإمكان أي مسلم حقيقي مهما علا أو صغر شأنه أن يسيء إلى نبي المسيحية، عيسى بن مريم.
ونوافذ الإسلام من السعة ومن الكثرة حيث بالإمكان أن تسمي شخصا أو جامعا باسم عيسى، بينما ذلك غير مقبول على الإطلاق، رغم ما يشاع عن الانفتاح والعولمة والعلمانية، إذا عكسنا الآية وطلبنا من الجانب الآخر أن يطلق اسم نبي الإسلام على كنيسة مثلا.
لقد أثقلنا عليك قارئ العزيز في هذه الرسالة لما احتوته من مفاهيم ونظريات ولكن كان لا بد منها كي نبني عليها مراسلاتنا المقبلة. وإن سألتني هل للسويد، كجزء من الغرب «المسيحي»، نافذة تطل منها على الإسلام، أقول نعم، إن السويد تنفرد عن بقية العالم الغربي وذلك بنشرها كتاب يقرؤوه كل تلاميذ المدارس وعنوانه «لقاء مع الثقافة الإسلامية».
وفي هذا الكتاب الرائع مقال بقلم إنغمار كارلسون الدبلوماسي السويدي المخضرم الذائع الصيت، ولنقرأ معا بعض ما كتبه عند وصوله وابنته أنديرا لشغل موقع القنصل السويدي في بكين:
وصلنا سفارتنا في بكين .. لاحظت على وجهها علامات الحزن وعلى شفتيها الارتعاش .. وفي الوقت الذي كانت أنديرا ستذرف دموعها انطلق صوت المؤذن من السفارة الباكستانية القريبة.. وفجأة توقفت أنديرا وخيم عليها الهدوء والسكينة وانشرح وجهها بابتسامة خفيفة وصاحت «الله .. الله». النص يعبر عن نفسه ولا حاجة لشرحه أو التعليق عليه، ولكن قد تسأل عزيزي القارئ من أين للسويد كل هذه النوافذ؟ وإلى اللقاء في رسالة الجمعة المقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي