الجزائر تختزل التاريخ في الجغرافيا وتضع إفريقيا في واجهة العالم
ليس ثمة إحصائية مؤكدة، لكن المؤكد أن عدد المثقفين العرب الذين يعرفون جيدا عن المهرجان الثقافي الإفريقي الذي اختتم أخيرا في الجزائر مازال قليلا جدا قياساً بأهمية مناسبة كتلك، مازال ينقصهم غالباً معرفة أن دولة عربية نظمت خلال أسبوعين ما يمكن اعتباره أضخم مهرجان ثقافي في تاريخ القارة السمراء.
بلغة الأرقام نحن نتحدث عن أكثر من ثمانية آلاف مشارك يمثلون 53 دولة في مئات الفعاليات الثقافية المنوعة مابين أدب ومسرح وموسيقى ومسيرات تراثية ورقصات شعبية، لم ينتبه كثيرون أيضا لوجود 160 كاتبا وناشرا وروائيا وشاعرا، و250 كتاباً معداً للطبع، وعلى أية حال فالملمح الأبرز لم يكن مقتصرا على كمية النشاط بقدر ما كان متجلياً في نوعيته، لأن الواقع الذي شهدته المدن الجزائرية كان يعكس مسرحا موازيا للفعالية الإفريقية ومنسجما معها لأبعد الحدود، ولا يتعلق الأمر بتكوين ثقافي متجذر في الشعب الجزائري ولا بحركة إعلامية قوية متمثلة في أكثر من 60 صحيفة يومية، ولا يتعلق فقط بالعبارة المكتوبة على جميع حافلات النقل العام «كلنا مع المهرجان الإفريقي»، لأن المشهد يشعرك في كل مكان أن ليس ثمة زاوية مستثناة من احتضان جانب ولو رمزي من هذا الحدث بدءا من التبني الاجتماعي والخدمي الواسع لهذا المهرجان وليس انتهاء بالدعم الرسمي والإعلامي الكبير له، حيث لا شيء أوضح من وجود خطة وطنية متكاملة تم الإعداد لها منذ زمن، وبمنتهى الإتقان، ليعود المهرجان الذي احتضنته الدولة العربية والإفريقية الثانية من حيث المساحة قبل 40 عاماً من الآن، إلى حيث كانت سيرته الأولى، وعوضا عن أن يمر التاريخ كذكرى محضة أبت الجزائر إلا أن تبعثه كالفينيق ليجدد اللحظة الماضية بأضعاف ما كانت عليه من إمكانات وضمن رؤية عصرية وحضور غير مسبوق، مثبتة بما لا يدع مجالاً للشك إن الحديث عن عاصمة ثقافية دائمة للقارة السمراء هو بالضرورة حديث عن الجزائر، وأن تخيل تظاهرة ثقافية بمرتبة أولمبياد هو ليس سوى تخيل المهرجان الثقافي الإفريقي الثاني.
#2#
في قرية الفنانين التي أنشئت خلال تسعة أشهر خصيصا للمناسبة وبتصميم مهندستين شابتين من الجزائر تأكدت أن مجاراة هذا الحدث إعلاميا هي أمر من الاستحالة، كما كان واضحا أن جمع قارة بتنوع قارة إفريقيا وتعدد أمزجتها الفنية والثقافية ليس أمرا مستحيلا، الأمر ذاته الذي تستطيع الوقوف عليه بوضوح في حفل فرقة الأوركسترا الوطنية التي نسجت لوحات فنية بالغة التميز من خلال مواءمة الألوان الفنية الإفريقية ضمن اللون الجزائري لتصفق الفصحى للرقصات الشعبية ويتمايل التراث الأسمر على وقع اللغة العربية وإيقاعها، بينما تأخذ الفترة المسائية طابعا إفريقيا مختلفا كل يوم في اللحظة نفسها ضمن أكثر من مدينة جزائرية وأكثر من مكان داخل المدينة نفسها!
«الاقتصادية» التي كانت الصحيفة الوحيدة من المملكة في تلك المناسبة لمست بوضوح أن المهرجان الضخم يرسم ملامحه الخاصة حتى في أروقة الحياة العامة، وربما هذا ما قصده الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في عبارته «ستضبط الجزائر على امتداد أسبوعين نبضها على وقع إفريقيا» وذلك في كلمته الافتتاحية التي استعرضت جوانب تاريخية وسياسية ركز فيها على استلهام القوة الثقافية الكامنة في القارة وتكريسها كإرادة انطلاق حضارية لمنطقة ترغب في تعميق مكانتها العالمية التي طالما ربطت بالنظرات النمطية وعزل الحكم عليها عن مواطن التنوع والغنى فيها، حيث قال فيها أيضاً «إن الجزائر التي تحتفي بإفريقيا وبجميع تجليات إفريقيا تعيد ابتكار الوعي بهويتنا وبانفتاحنا على العالمية ومن ثم فإن إفريقيا التي تشكل جزءا من العالم لا بد لها كذلك أن تحمل العالم في حناياها وإذا كان التاريخ هو الذاكرة الجماعية للشعوب فإنه من الواضح أن لا حياة من دون ذاكرة ولا حياة بذاكرة الغير».
وعلى أية حال فالذاكرة الإفريقية استعادت في 2009 مشهد عام 1969 حين كانت مريم ماكيبا تقول»أنا حرة في الجزائر» في أول تجمع قاري مرتكز إلى العمق الثقافي المشترك، وهذه المرة جاءت النسخة الجديدة بحضور مضاعف من الفنون والثقافة القادمة من شتى أدغال الزمن والمكان في القارة السمراء، وبدلالة واضحة أن حدثاً كهذا يحيلنا لقناعة أن الإبداع يأتي دائما في بيئة مستقرة ومؤسسة ثقافيا، وهذا ما كان واضحا في الجزائر التي بعثت عنفوانها الخاص ليكون قيمة رمزية على العنفوان الذي تتطلع إليه قارة تملك كثيرا من الخيرات والطاقة الكامنة، وهذا ما كان يمثله الحفل الختامي الذي ركز بشكل واضح على ديناميكية جسدية مذهلة قامت بها مجموعات من الشباب الجزائري، ليعكس ديناميكية النهوض في حواس إفريقيا الشابة المتجددة والغنية على نحو لا يمكن توقعه لمن لا يعرفها عن قرب.