لانتزاع السيطرة في ملقند
أصبحت قرية Sultanwas، القرية التي كانت مزدهرة في السابق والتي تقع في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، موقع تفجيرات. فالمنازل الأسمنتية البيضاء، التي تمت زخرفتها بفضل أجور المغتربين التي يتم إرسالها من دبي، أصبحت حطاما. ويتبعثر الركام الذي اندلع في الجو في سحب كبيرة بعد قصف طائرات الجيش القرية في أوائل أيار (مايو) في الحقول المجاورة. ولم يكن أمام طالبان، التي احتلت Sultanwas قبل عدة أسابيع، أية فرصة: يقال إن 80 منهم توفوا تحت الأنقاض.
وإذا كانت طالبان، كما يزعم الجيش، بدأت بالتراجع في شمال غرب الباكستان، فإن Sultanwas كانت بمثابة واترلو بالنسبة لهم. فقد تم تدميرها في أكبر معركة هجومية لاستعادة إقليم Buner في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية الذي اشتهر عالميا لفترة وجيزة، لأنه وقع في قبضة طالبان ولأنه يبعد 100 كيلو متر (62 ميلا) فقط عن العاصمة الباكستانية، إسلام أباد. وكان هذا جزءا من عملية أكبر، مستوحاة من الضجة بشأن الاستيلاء على Buner، لاستعادة سيطرة الحكومة في جميع أنحاء منطقة ملقند في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، التي تشمل أيضا سوات، معقل طالبان الذي حاول الجيش تأمينه مرتين وفشل في المحاولتين.
وكانت عملية الجيش مدمرة، إذ شارك فيها نحو 40 ألف جندي. وتم تشريد أكثر من مليوني شخص، فيما قد يكون أكبر تنقل غير مخطط له للناس منذ الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. وتشير التقارير إلى موت المئات. إلا أن الجيش، الذي حصل على دعم شعبي غير مسبوق لهجومه على طالبان، يدعي تحقيق نجاح كبير.
ويقول الجيش إنه قتل 1700 مقاتل في ملقند، أو نحو ربع مجموع أفراد طالبان هناك، وأنه تسبب في إصابات خطيرة لزعيمهم، وهو ملاح سابق يسمى الملا فضل الله. يعتبر معظم المراقبين المحايدين هذا الرقم مبالغا فيه: تكون عادة تقديرات الجيش لخسائر العدو قائمة على الأمل وليس على العدد الفعلي للجثث. وحتى لو كان أصاب فضل الله بإصابات خطيرة - قد يكون ذلك غير محتمل لأنه تم بث شريط صوتي له أخيرا - فإن الجيش لم يقتل أو يأسر أيا من قادته. ومع ذلك، فإن سوات، وللمرة الأولى منذ عامين، تقع تحت السيطرة العسكرية الآن. ويبدو أنه تم الاستيلاء على أكبر مدينة فيها، وهي مينغورا، دون قتال، مع أنها كانت في أواخر العام الماضي ساحة معركة يقصفها الجيش وينتشر فيها المقاتلون والجثث مقطوعة الرأس. وفي الثالث عشر من تموز (يوليو)، بدأت الحكومة بالسماح للاجئين بالعودة إلى سوات وBuner. وقد عاد أكثر من 300 ألف شخص.
إن نجاح الجيش يستند إلى الأرقام، فقد أرسل ما يقرب من أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الجنود إلى سوات من تلك التي كان يرسلها في السابق، ما سمح له بالهجوم على أو تطويق مواقع طالبان. وفي Buner مثلا، تم تعطيل تقدم قوة أمامية من الدبابات لفترة قصيرة بسبب كمين من المفجرين الانتحاريين في ممر Ambela الضيق. ولكن عن طريق إرسال المشاة على المرتفعات المحيطة، تمكن الجيش من الالتفاف حول المقاومة بسرعة. ويزعم الجيش أن خطر التطويق كان كفيلا بإخافة المقاتلين وإخراجهم من مينغورا. وتمكن من ملاحقتهم إلى معاقلهم في الجبال - بما في ذلك مجموعة كهوف محصنة في Peochar، التي تم نقل ثمانية آلاف جندي إليها جوا في أيار (مايو).
وفضل الله، وهو عضو في طالبان الباكستانية - تكتل من قادة الحرب الإسلاميين - مقاتل قوي. فقد طرد أصحاب الأراضي ووعد بمنح أراضيهم للذين لا يملكون أراضي، وبذلك بنى قاعدة أتباع بين الفقراء في سوات. وقد يعود، إلا أن حكام باكستان وعدوا، على الأقل، باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع حدوث هذا، أولا عن طريق الحفاظ على الأمن في ملقند. ومن المقرر أن يظل الجيش هناك لمدة عام، وأن يبني قاعدة دائمة بالقرب من مينغورا. وقالت حكومة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية إنها ستقوّي قوة الشرطة في المنطقة بـ 2500 من الجنود السابقين، وتضاعف حجمها الكلي.
وتعهدت أيضا بإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في ملقند، بما في ذلك أكثر من 300 مدرسة دمرتها طالبان، و500 منزل في Sultanwas وحدها. وتقول الأمم المتحدة إن هذا قد يكلفها مليارات؛ ومن غير المعروف من أين سيأتي المال. ويقول Shamin Khan، أحد سكان Sultanwas الذين يخيمون بالقرب من الأنقاض، والبالغ عددهم بضع مئات: "لا أحد يعلم ماذا سيحدث لنا". وللتعامل مع حالات الطوارئ، وعدت الحكومة بتقديم 25 ألف روبية (305 دولارات) إلى 230 ألف عائلة مشردة- وتقول إن أكثر من نصفهم تسلموا بالفعل هذا المبلغ.
وقد تفشل هذه الخطط بالنظر إلى سجل باكستان الرهيب في مجال الحوكمة. وقد ينسحب الجيش، الذي لا يحب القيام بعمل الشرطة، قريبا أيضا. إلا أن الدعم الشعبي للحملة في باكستان يجعل هذا أقل احتمالا. فقد أشار استطلاع للرأي تم نشره هذا الشهر أن 70 في المائة من الباكستانيين يدعمون الجيش ضد طالبان في سوات. وأعلنت جميع الأحزاب السياسية الكبيرة، بما في ذلك حزب المعارضة الرئيسي، الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز)، التي كانت تعتبر متعاطفة مع المقاتلين، عن دعمها الحملة.
ويتوقع الجيش الحصول على دعم مماثل لعمليته التالية - الهجوم الوشيك على زعيم طالبان الباكستانية، بيت الله محسود، في إقطاعيته القبلية في جنوب وزيرستان. ويعتبر محسود، الذي يُزعم أنه مخطط فورة الإرهاب الذي دام عامين وتسبب في مقتل الآلاف من البنجاب والسند والبشتون الأبرياء، هدف آخر. ويلمّح الجيش، الذي يحظى بثناء لم يعتد عليه، أنه لن يتوقف عند هذا الحد. فوفقا للواء طارق خان، قائد Frontier Corps، القوة شبه العسكرية المكونة من 60 ألف جندي والمكلفة بمراقبة المناطق الحدودية، فلن "يفلت منا أي مقاتل". وبعد أن تعرض للإحراج بسبب عديد من اتفاقات وقف إطلاق النار الفاشلة مع طالبان، يتوقع أن يسحقهم الجيش الآن. ويضيف: "(لن يكون) هناك أي صفقات سلام في أي مكان".
ويبدو هذا تفاؤلا. فسيكون من الصعب تدمير محسود دون امتثال اثنين من المقاتلين المنافسين، Muhammad Nazir وGul Bahadur، اللذين يسيطران على طرق الوصول إلى إقطاعيته. وفي الشهر الماضي، أعلن كل منهما انتهاء الهدنة مع الحكومة - ربما خوفا من أن يأتي دورهما بعد التخلص من محسود. وفي الثامن والعشرين من حزيران (يونيو)، قتل رجال Bahadur ما لا يقل عن 23 جنديا في كمين. ويتكهن مراقبو الحدود في بيشاور، عاصمة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، أن يحاول الجيش إعادة تعبئة الدعم الذي يحظى به قطاع الطرق هؤلاء.
والمثير للكآبة هو أن حكام باكستان لا يظهرون اهتماما كبيرا بملاحقة المقاتلين الملتزمين بمحاربة الهند، بمن فيهم جماعة Lashkar-e-Taiba، التي شنت هجوما برمائيا على مومباي في تشرين الثاني (نوفمبر). وفي العشرين من تموز (يوليو)، وصف الإرهابي الوحيد الناجي، Muhammad Ajmal Qasab، الذي اعترف بانتمائه لجماعة Lashkar-e-Taiba، دوره في الهجوم في المحكمة. وتقول باكستان، التي نفت في البداية أي صلة لها بالهجوم، إنها ستحاكم خمسة من القادة المفترضين لهذه الجماعة هذا الشهر. ولكن ليس هناك أدلة كافية على أنها تقوم بتفكيك الجماعة المحظورة، كما طالبت الهند كشرط لاستئناف محادثات السلام مع جارتها. وفي الشهر الماضي، تم إطلاق سراح حافظ سعيد، مؤسس الجماعة، من الإقامة الجبرية في منزله لنقص الأدلة التي تربطه بهجوم مومباي. وتعمل الجمعية الخيرية الإسلامية التي يترأسها، وهي جماعة الدعوة، المحظورة من قبل الأمم المتحدة بعد مومباي، تحت اسم جديد هو Falah-i-Insaniat. وقد قامت بعمل مذهل للاجئين في ملقند.