التخلي عن التسوقالتخلي

التخلي عن التسوقالتخلي

هل يمكن أن تفطم أمريكا نفسها عن الاستهلاك؟ كيف يجب أن تتغير أكبر أربعة اقتصادات في العالم لضمان تحقيق نمو عالمي مستدام؟

لطالما كانت "جنرال إلكتريك" شركة تصنيع، ولكنها في فترة الازدهار الطويلة التي أدت إلى الأزمة المالية أصبحت أشبه ببنك. فقد كانت نصف أرباحها تأتي من الذراع التمويلي، GE Capital، الذي كان مجال عمله الرئيسي المربح هو، من ضمن أمور أخرى، إصدار القروض العقارية والبطاقات الائتمانية للمستهلكين الأمريكيين. والآن، يتحدث الرئيس التنفيذي لـ "جنرال إلكتريك"، Jeffrey Immelt، مثل رجل تمت معاقبته. وبما أن GE Capital عبء الآن على الشركة، يتعهد بأن يكون التمويل في المستقبل جزءا أصغر من الشركة. وتتفاخر "جنرال إلكتريك" بدلا من ذلك ببراعتها في مجال التصنيع والتصدير. ويتحدث Immelt بزهو عن الطلبات الكثيرة لشراء محركات الطائرات في معرض باريس الجوي في حزيران (يونيو)، ولكن لم تقدم أي شركة طيران أمريكية طلب شراء.
وشركة جنرال إلكتريك، والاقتصاد الأمريكي كله، تقف عند منعطف مهم. إذ كان نموها مدفوعا منذ عقود بالإنفاق الاستهلاكي. وبفضل ارتفاع أسعار الأصول وسهولة الحصول على الائتمان، انغمس الأمريكيون في حفلة إنفاق لم يكن من الممكن إيقافها، ما غذّى الاقتصاد العالمي مع شرائهم منازل أكبر وملئها بأشياء أكثر. وزاد الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار السكني من 67 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 إلى 75 في المائة عام 2007. وانخفض معدل ادخار الأسر من 10 في المائة من الدخل المتاح عام 1980 إلى ما يقارب الصفر عام 2007؛ وزادت مديونية الأسر من 67 في المائة من الدخل المتاح إلى 132 في المائة. ومع إنفاق الأمريكيين أكثر مما ينتجونه، تحول فائض رصيد الحساب الجاري الذي كان يبلغ 0.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 إلى عجز يبلغ نحو 6 في المائة عام 2006.
وكان الاقتصاديون يأملون أن تزول هذه الاختلالات تدريجيا مع ارتفاع معدل ادخار الأمريكيين وزيادة إنفاق بقية العالم. ولكنهم كانوا يخشون دائما أن تسوء الأمور. وكان معظمهم يخشى من انهيار الدولار، حيث أحجم المستثمرون عن الاستثمار بسبب زيادة نسبة الاقتراض الخارجي في أمريكا. وبدلا من ذلك، أسقطت الأزمة المالية المستهلكين الأمريكيين. فضياع أكثر من 13 تريليون دولار من ثروة المستهلكين وانهيار نظام الظل المصرفي، الذي كان في السابق مصدر وفير للائتمان، أدى إلى التحول إلى الادخار، ما أغرق الاقتصاد في أعمق ركود منذ عقود. ويدخر الأمريكيون الآن أكثر من 5 في المائة من دخلهم بعد الضرائب، وهي نسبة لا تزال أدنى من متوسطها في فترة ما بعد الحرب، ولكنها أكبر بكثير عما كانت عليه قبل عام. وتقلص عجز الحساب الجاري إلى حد كبير: يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتقلص إلى أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام والعام المقبل مع انخفاض إنفاق واستثمار الأمريكيين.
وأدى انهيار الاستهلاك إلى تغيير تركيبة الاقتصاد الأمريكي بصورة جذرية. فالزيادة الهائلة في ادخار القطاع الخاص يقابلها ارتفاع كبير في عجز الميزانية. وتعني رزمة الحوافز المالية الكبيرة التي وضعها باراك أوباما، إضافة إلى النتائج الطبيعية لانخفاض عائدات الضرائب، أنه من المرجح أن يكون عجز الميزانية الفيدرالية هذا العام 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر بنحو 12 نقطة مئوية عنه في عام 2007. وقد خفف هذا من الركود. وكانت "جنرال إلكتريك" من بين الشركات التي استفادت من ذلك. فهي تسعى بقوة إلى المبيعات المرتبطة بالحوافز، وتستفيد في الوقت نفسه من الحوافز الفيدرالية والمحلية وحوافز الولايات. وفي حزيران (يونيو)، قالت الشركة إنها ستوجد 400 وظيفة في مصنع في لويزفيل، كنتاكي، يصنع سخانات مياه تعمل بطاقة منخفضة، والتي يتم صنعها في الصين الآن، وأنها ستوظف 1100 شخص في مركز أبحاث برمجيات في موقع مصنع سيارات في Van Buren في ميتشجان. وقد ساعدتها حوافز الحكومة على تنفيذ هذين الاستثمارين.
ولكن على الرغم من سخاء الحكومة، لا يزال الركود في أمريكا عميقا ولا يزال تأثيره في بقية العالم كبيرا. ومع أن أمريكا لا تزال مصدر الطلب بالنسبة لبقية العالم، إلا أن رغبتها المتضائلة تشكل عبئا كبيرا على نمو الاقتصاد العالمي. وفي السنوات التي سبقت الأزمة المالية، كان الطلب الأمريكي يسهم في النمو العالمي، ولكنه سيخفضه هذا العام.
ومع بدء ظهور تأثيرات الدفعة الناتجة عن الحوافز المالية، هناك دلائل تشير إلى بدء استقرار الاقتصاد الأمريكي. فقد ارتفع مؤشر يجمع عدة مؤشرات بارزة جمعتها مجموعة Conference Board للأبحاث، للشهر الثالث على التوالي في حزيران (يونيو). وفي شهادته أمام الكونجرس في الحادي والعشرين من تموز (يوليو)، كان بن بيرنانك، رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي، متفائلا بشأن حالة الاقتصاد. إلا أن المسألة الأهم - بالنسبة لأمريكا والعالم - هي من أين سيأتي النمو على المدى المتوسط؟ ولا تكمن الإجابة الكاملة مع أمريكا - في الأسابيع القادمة، سننظر في مسألة فيما إذا كانت الاقتصادات الكبيرة في العالم التي تملك فوائض، مثل الصين وألمانيا واليابان، ستعزز الطلب المحلي فيها. إلا أن أمريكا هي المكان المناسب للبدء باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم. وتبرز هنا ثلاثة أسئلة. هل يمكن أن تواصل أمريكا اعتمادها على الحوافز الحكومية لتحفيز النمو؟ هل سينتعش المستهلكون؟ هل تستطيع الصادرات تولي هذه المهمة الصعبة؟
إن الإجابة عن السؤال الأول هي "ليس للأبد". فعلى المدى القصير، صنّاع السياسة ملتزمون باستخدام مزيج من الحوافز المالية والسياسة النقدية الصارمة للتعجيل في نهاية الركود ومنع تحول التضخم إلى انكماش. ولكن من المتوقع أن تبدأ مساهمة الحوافز بالتراجع في 2010. والدرس المُستفاد من اليابان في التسعينيات هو أن تأثيرات ما بعد الفقاعة تحد من الطلب لفترة أطول مما يتوقع الكثيرون، ما يتطلب تمديد الحوافز الحكومية. ولكن على عكس اليابان، فإن أمريكا مدينة بالفعل للأجانب. ويتنبأ محمد العريان من Pimco، وهو مدير صندوق استثماري، أن صنّاع السياسة سيترددون في مزيد من التحفيز خوفا من تغذية الشكوك بأن أمريكا ستزيد التضخم للتخلص من ديونها، ما قد يرفع أسعار الفائدة أكثر. وحتى لو لم يسحبوا الحوافز العام المقبل، فعليهم فعل ذلك في مرحلة ما إذا توقف الدين الفيدرالي، الذي من المتوقع أن يتضاعف إلى 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2019، عن الارتفاع.
وليس بالضرورة أن تؤدي احتمالية سحب الدعم الحكومي إلى كارثة. فحين كانت أمريكا تتطلع إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، كان صنّاع السياسة يشعرون بقلق بالغ من أن ينزلق الاقتصاد مع تقلص الإنفاق على الحرب إلى ركود شبيه بركود الثلاثينيات. وفي عام 1942، في هذا الإطار كتب Alvin Hansen من جامعة هارفارد، الاقتصادي البارز في ذلك الوقت "يتوقع ويخشى الجميع من الانهيار في فترة ما بعد الحرب". إلا أن الانهيار لم يحدث قط. وبفضل ارتفاع الإنتاجية والانتعاش السريع في أوروبا واليابان، شهدت سنوات ما بعد الحرب نموا قويا متوازنا. ومن عام 1946 حتى 1980، كانت الأسر الأمريكية تدخر 8 إلى 10 في المائة من الدخل المتاح وكانت الدولة تدير فوائض تجارية صغيرة.

تحد تاريخي

قد تتسارع الإنتاجية مرة أخرى، ما يزيد الدخول إلى درجة كافية لدعم الإنفاق القوي وكذلك زيادة معدل الادخار. إلا أن الفرق الواضح عن فترة ما بعد الحرب هو ضرورة أن يخفض المستهلكون الأمريكيون ديونهم. ويشير Richard Berner من Morgan Stanley إلى أنه في العقد الماضي ارتفعت نسبة الدخل الذي تخصصه الأسر الأمريكية لخدمة الدين من 12 في المائة إلى 14 في المائة. وتشير حساباته إلى أنه كان سيرتفع إلى نحو 12.5 في المائة فقط لولا تخفيف معايير الإقراض بصورة كبيرة خلال الفقاعة الأخيرة. وهو يعتقد أن النسبة ستعود إلى نحو 12 في المائة بسبب انخفاض أسعار الفائدة، ومدفوعات الديون، وعمليات الشطب. ويقول إنه من الممكن فعل هذا في مجال الإنفاق الاستهلاكي الذي ينمو بنسبة أكثر قليلا من 2 في المائة سنويا، أي أدنى بكثير من متوسطه البالغ 3.4 في المائة من عام 1993 حتى عام 2007.
وهذا يعني أن الطلب من الخارج يجب أن يحل محل المستهلك المحلي المبذّر والحكومة التي تنفق بحرية. وفي السابع عشر من تموز (يوليو)، قال لاري سامرز، كبير المستشارين الاقتصاديين لأوباما: "بعد إعادة بنائه، يجب أن يكون الاقتصاد الأمريكي أكثر توجها نحو التصدير وأقل توجها نحو الاستهلاك".
خذ مثلا كاليفورنيا، حيث كانت فقاعتا الاستهلاك والإسكان واضحتين بصورة خاصة. فنقص الأراضي على السواحل دفع أولئك الذين يريدون شراء منزل للمرة الأولى إلى الداخل، ما غذى فترة ازدهار كبيرة في مجال البناء. ووفقا لـ Jerry Nickelsburg من Anderson Forecast في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، زادت تراخيص بناء المنازل ثلاثة أضعاف بين التسعينيات وعام 2005. وأدى زيادة بناء المنازل الجديدة إلى طفرة في متاجر التجزئة الجديدة، التي اجتذبتها حوافز الحكومة المحلية. وفي الوقت نفسه، كانت شهية أمريكا الشديدة للمستوردات من آسيا تغذي الأعمال في موانئ لونج بيتش، لوس أنجلوس، وأوكلاند والبنية التحتية الداعمة مثل سكك الحديد والنقل والمخازن.
ويفسر تعرض كاليفورنيا غير التناسبي لفترة الازدهار سبب كون الكساد فيها مؤلما بصورة خاصة. ويقول Nickelsburg إن تراخيص بناء المنازل انخفضت بنسبة 85 في المائة منذ عام 2005 وأن قيمة تراخيص بناء متاجر التجزئة الجديدة انخفضت بنسبة النصف. وانخفض حجم المستوردات بصورة حادة. ومعظم المقرضين الذين أقرضوا لأشخاص ذوي سجل ائتماني سيئ أفلسوا أو تركوا هذا المجال.
والبوادر الأولى التي تشير إلى انتعاش مدفوع بالصادرات واضحة. فقد انخفض التوظيف في مجال التصنيع في الولاية بنسبة تقل عن معظم الولايات التصنيعية الكبيرة، ما يعكس اعتمادا أقل على شركات السيارات وتعرض أكبر لآسيا. وارتفع العدد المعدّل موسميا للحاويات المحمّلة في موانئها للتصدير، التي تحتوي الكثير منها على منتجات زراعية وغيرها من المواد الخام، من مستوياته المنخفضة في وقت سابق من هذا العام.
إلا أن نمو الصادرات (وانخفاض المستوردات) يختلف تماما عن قدرة التجارة على تعويض خفض الإنفاق في القطاع الاستهلاكي الأكبر بكثير. وقد تساعد العملة الأرخص. فقد انخفض العجز التجاري بشكل كبير في أواخر الثمانينيات بفضل الانخفاض الكبير في قيمة الدولار مقابل عملات أكبر الشركاء التجاريين لأمريكا. وانخفض الدولار إلى حد كبير منذ عام 2002 ولكنه انتعش خلال الاثني عشر شهرا الماضية مع إرسال المستثمرين المال للوطن من الخارج. ومن المحتمل أن يواصل انخفاضه، إلا أن مساهمته في إعادة توازن النمو ستكون مقيدة إذا لم تسمح الصين لليوان بالارتفاع مقابل الدولار.

دوران كامل

ومن غير الواضح أيضا مدى سرعة أمريكا في تحويل الموارد إلى منتجات قابلة للتداول. فاقتصادها بارع في مجال نقل العمال ورأس المال من الصناعات المحتضرة إلى الصناعات النامية. إلا أن حجم التكيف المطلوب الآن كبير جدا. وتشير تقديرات Robert DiClemente، الاقتصادي في "سيتي جروب"، إلى أن الصناعات التي تتأثر بالائتمان - الإسكان والتمويل والسيارات - تخلصت من مليوني وظيفة، أو ثلث الوظائف التي تم فقدانها، منذ بدء الركود. ومن غير الواضح مدى سرعة سماسرة القروض العقارية وخبراء التمويل المهيكل في إعادة التدريب في صناعات أكثر إنتاجية. كما أن حقيقة أن عديدا من مالكي المنازل غارقون في ملكية سالبة (قيمة العقار أقل من مبلغ القرض المتبقي) ستعوق التنقل أيضا.
ويمكن تشبيه الاقتصاد الأمريكي بناقلة عملاقة تغير، حتى في المياه الهادئة، اتجاهها ببطء شديد. ولكنه مجبر الآن على القيام بذلك أثناء العاصفة. وبمساعدة النمو الذي لا يزال قويا في الأسواق الناشئة، من المفترض أن تكون أمريكا قادرة على إعادة توجيه نفسها. ولكن بغض النظر عما سيحدث، فإن تغيير الاتجاه يعني فقدان السرعة. ومن جانب الطلب، من غير المرجح أن يعوض الإنفاق الخارجي الإنفاق المبذر للمستهلك الأمريكي. ومن جانب العرض، تراجع الاستثمار وسيستغرق بعض الوقت لتصحيح مساره. ويعتقد العريان من Pimco أن الانتقال من التوسع المدفوع بالاستهلاك إلى التوسع الموجه نحو التصدير سيؤدي إلى نمو بطيء مطول وارتفاع معدل البطالة.
ومن شأن هذا زيادة المخاطر السياسية مثل الحمائية. فعلى سبيل المثال، أقر مجلس النواب مشروع قانون يستهدف الحد من انبعاثات الكربون الأمريكية، والذي سيفرض رسوما جمركية على الدول التي لا تحذو حذوها. وهاجمت نقابة عمال الحديد والصلب Immelt ووصفته بأنه منافق لأنه أشاد بتركيز "جنرال إلكتريك" الجديد على التصنيع في الوقت الذي يعارض فيه أحكام "شراء المنتجات المصنوعة في أمريكا" في رزمة الحوافز. ولا يزال دعم أوباما للتجارة الحرة فاترا، وهو نقطة ضعف قد تقوّض الآمال بتحقيق نمو مدفوع بالتصدير.
ولا شك أنه من الخطر تقليل أهمية أمريكا. ولكنها على الأرجح تواجه سنوات من ارتفاع معدل البطالة بصورة مؤلمة والنمو البطيء جدا. ويجب على اتحاد جنرال إلكتريك ومصنعها في لويزفيل الموافقة على تجميد الأجور حتى عام 2011 والسماح للموظفين الجدد بالبدء بالعمل براتب 13 دولارا فقط في الساعة. ومثل عمال "جنرال إلكتريك"، سيجد الأمريكيون أن نموذج النمو الجديد المدفوع بالتصدير أكثر إزعاجا من النموذج القديم.

الأكثر قراءة