استيقظ من نومهاستيقظ
في تقرير خاص عن العالم العربي نشرته "الإيكونوميست" عام 1990، كان العنوان في أعلى هذه الصفحة هو "حين يتجاهلك التاريخ". وكان هذا حين بدأت الديكتاتوريات الشيوعية في أوروبا الشرقية بالتمايل والسقوط. ولكن في العالم العربي، ظل الحكم في الدول العربية قائما. وفي حين كانت أوروبا الغربية تخطو خطوات هائلة نحو الاتحاد السياسي والاقتصادي، ظل العرب منقسمين بصورة مريعة. وظل الرأي العام العربي متركزا على الصراع مع إسرائيل، الذي كان يبدو أن العرب غير قادرين على السيطرة عليه، ناهيك عن الفوز به.
ودراسة العالم العربي بعد عقدين من ذلك تكشف أن التاريخ لا يزال، من نواح عديدة، يتجاهل العرب. الحرية؟ العرب اليوم محكومون، كما كانوا آنذاك، من قبل مجموعة من الأنظمة المخضرمة. الوحدة؟ بعيدة المنال كما كانت في أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن خطوط الصدع تغيرت منذ أن غزا صدام حسين الكويت قبل 19 عاما، إلا أن الانقسامات بين العرب مريرة للغاية. فقد رفضت مصر، أكبر دولة عربية، حتى حضور اجتماع قمة جامعة الدول العربية في نيسان (أبريل) في الدوحة. إسرائيل؟ لا يزال الجمود القاتل قائما، تتخلله نوبات من العنف وفواصل متقطعة من الدبلوماسية. ولم ينجح جورج بوش الأب في مدريد عام 1991، ولا بيل كلينتون في كامب ديفيد عام 2000، ولا جورج بوش الابن في أنابوليس عام 2007، في إقامة السلام أو حتى تحقيق تقدم نحو ذلك.
إن النزاع المتواصل بلا هوادة في فلسطين هو تذكير بأن التاريخ، من عدة نواح مؤلمة، لم يتجاهل العرب على الإطلاق. فقد شهدوا الكثير من التاريخ السيئ خلال هذين العقدين الماضيين. ويتضمن هذا التاريخ الكثير من العنف: وجد العالم العربي نفسه يخوض حروبا كبرى وصغرى على حد سواء، ليس فقط بين العرب وغيرهم من الخارج، مثل إسرائيل، بل أيضا بين الدول العربية وداخلها.
وفي الواقع، كان عام 1990، العام الذي غزا فيه صدام الكويت، نقطة تحوّل. وكان يبدو في ذلك الوقت أن قيام أمريكا بطرد جيشه بسرعة من الدولة النفطية الصغيرة بعد 100 ساعة فقط من القتال البريء بوصفه انتصارا. ولكن يمكن القول إن هذا كان في الحقيقة نقطة انطلاق لسلسلة من الأحداث المؤسفة التي تشمل ظهور القاعدة، وهجمات أسامة بن لادن على أمريكا في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وغزو أمريكا – في نظر العرب- الذي لا يقل عنفا على أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 في "حربها ضد الإرهاب".
قد تحدث الحروب في أي مكان. فما الذي يجعل الشرق الأوسط عرضة لها بصورة خاصة؟ هناك عديد من الأسباب، وأولها النفط. ففي أواخر التسعينيات، كتب بن لادن رسالة إلى الملا عمر، زعيم حركة طالبان الأفغانية، أشار فيها إلى أن 75 في المائة من نفط العالم موجود في منطقة الخليج العربي وأن "من يهيمن على النفط يسيطر على اقتصادات العالم". وطالما ظل هذا صحيحا على نطاق واسع، ستستمر مصالح القوى المتعطشة للطاقة القريبة والبعيدة بالتضارب بين بعضها بعضا.
أما السبب الثاني فهو النزاع المتواصل الذي يزيد سوءا بين العرب، وأخيرا الإيرانيين أيضا، وبين إسرائيل. ومنذ عام 1990، وقع آلاف العرب والإسرائيليون بين فكي هذا الصراع المفترس - في الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت بعد انهيار قمة السلام في كامب ديفيد برعاية كلينتون عام 2000، وفي الحروب الصغيرة القاسية التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006 وعلى غزة في بداية هذا العام.
والسبب الكامن الأخير، وربما الأهم، وراء عدم الاستقرار هو طبيعة الدول العربية نفسها. فعلى الرغم من أنه يتم إجراء انتخابات واسعة النطاق في العالم العربي، إلا أنه باستثناء الدولة الفلسطينية الوهمية، لا يمكن لأي دولة فعلية من بين الدول الإحدى والعشرين الأعضاء في جامعة الدول العربية أن تزعم أنها ديمقراطية حقيقية. وفي ظل غياب الديمقراطية، تعتمد الدول العربية إلى حد غير عادي على القمع من أجل البقاء في السلطة. وينهار نظام السيطرة هذا من وقت إلى آخر.
وأحد الأمثلة البارزة على ذلك هو الجزائر عام 1991، حين أنهى الجيش تجربة واعدة في الانتخابات الحرة التي كانت قد بدأت تتكشف في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد. وبعد أن فاز حزب معارضة إسلامي في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، منع الجنرالات إجراء الجولة الثانية، وفجروا بذلك حربا أهلية بشعة استمرت قرابة عقد من الزمن وربما تكون قد تسببت في مقتل 200 ألف شخص. وفي التسعينيات، طارد الإرهاب الداخلي مصر أيضا: حصدت الحركات الإسلامية المتطرفة، مثل الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية، أكثر من ألف شخص. وعلى الرغم من أن معظم الجهاديين السابقين في مصر نبذوا العنف منذ وقت طويل، إلا أن غيرهم - خاصة أيمن الظواهري، الرجل الثاني بعد أسامة بن لادن - أسسوا وأداروا القاعدة.
قبائل ذات أعلام خاصة بها
إن عدم الاستقرار السياسي في العالم العربي مرتبط بدوره بمشكلة أخرى: بناء الأمة الذي يساعد على التماسك. فقبل عدة سنوات، وصف الدبلوماسي المصري، تحسين بشير، الدول العربية بأنها "قبائل لها أعلام خاصة بها" (مع أنه استثنى مصر). ولا يزال هذا ينطبق على الوضع الحالي. ففي دول شديدة الاختلاف مثل لبنان والعراق، أحبطت الخلافات الدينية أو الطائفية برامج بناء الأمة. ولهذا السبب انهار العراق إلى شظايا سنية وشيعية وكردية بعد إزاحة صدام حسين، على الرغم من عقود من التلقين القومي. وقد تحذو سورية حذوه إذا فقدت الطائفة العلوية السيطرة على هذه الدولة التي أغلب سكانها من السنة. وشهد السودان حربين أهليتين بين الوسط الذي يهيمن عليه العرب والأقليات غير العربية في الجنوب والغرب.
وعند استعراض هذه السلسلة المتواصلة من الصعوبات، من الضروري أن نتذكر أن ما يسميه الناس "العالم العربي" هو شيء كبير وغير متبلور، ويمكن القول إنه ليس شيئا واحدا على الإطلاق. ومن التشويه تصوير المنطقة برمتها بوصفها منطقة صراع دائم. وبغض النظر عن شراسة الحروب في العراق أو الجزائر أو السودان أو على حدود إسرائيل، إلا أنها لم تعطل الحياة اليومية للعالم العربي كله. فقد تأثر معظم العرب بالعنف ولكن من خلال شاشات التلفاز فقط (مع أن العواطف القوية، التي تثيرها مثل هذه الصور لها نتائج على العالم الحقيقي أيضا). وحين تنظر معظم الدول العربية إلى العقدين الماضيين، ستجد عناصر التقدم التي يمكنها أن تفخر بها، بما في ذلك في بعض الأماكن، تزايد الازدهار والتوسع البطيء ولكن الثابت للحرية الشخصية.
ومع ذلك، لا يمكن شطب سنوات الصراع، كما لو أن فترات اندلاع العنف الداخلي أو بين الدول لم تكن سوى مجرد انحرافات محلية أو نتيجة لسوء الحظ، أو كما لو أنها لم تؤثر في التوقعات المستقبلية للمنطقة. وليس هذا فقط، فإذا أضفنا كل الدماء التي تمت إراقتها معا، قد نجد أن مليون مواطن في العالم العربي لقوا حتفهم منذ عام 1990، ومن المحتوم أن القتل على هذا النطاق سيخلّف ندوبا عميقة. والنقطة المثيرة للقلق فيما يتعلق بالمستقبل هو أنه لم تختف أي من الأسباب الكامنة للصراعات المذكورة أعلاه، بل على العكس، يبدو أن كلا منها قد أصبح مزمنا.
خذ مثلا الخلاف حول مصادر الطاقة. فمن غير المحتمل أن يهدأ هذا الخلاف، في الوقت الذي لا يزال فيه تعطش الصين والهند للطاقة يتزايد، والذي تتنافس فيه أمريكا وإيران التي تزداد قوة للسيطرة على كل من بلاد الشام والخليج العربي. أما بالنسبة لفلسطين، كانت فرص إقامة السلام تبدو أقوى خلال المفاوضات التي بدأها إسحق رابين وياسر عرفات في التسعينيات مما تبدو الآن، في الوقت الذي تبدد فيه "حماس" والحكومة بقيادة حزب الليكود الآمال بالتوصل إلى حل الدولتين. وفي معظم الدول العربية، لا يزال بناء الأمة الذي يساعد على التماسك ضعيفا: قد تزيد حدة الصراع الطائفي في العراق مرة أخرى مع بدء أمريكا بسحب قواتها (وانتشار التوترات الشيعية السنية إلى أبعد من حدود العراق). وأخيرا، قد يتحول السخط السياسي والاجتماعي إلى عنف، في أي دولة عربية وفي أي وقت تقريبا- بل إن بعض المطلعين والخارجيين بدأوا بالقول إنه قد يتحول إلى ثورة.